من بوسطة عين الرمانة إلى مرفأ السبت الأسود، ومن الوثيقة الدســتورية إلى ما بعـــد خــط صوفر، ذهـــب لبـــنان، على مــتـن طـــوّافة مشتعلة، في جولة حرب، نقلته، بين 13 نيسان 1975 حتى تشرين الأول 1976، ولم تتوقف إلا في العام 1990. من بيروت إلى بيروت، مــروراً بمحــطات إقليميــــة ودوليــة أبرزها دمشــــق وتــل أبيــب والــــريـاض ومـوســكو وواشــنطن وباريــس…
ارتبطت حرب لبنان ارتباطاً وثيقاً بالسياسات الإقليمية والدولية. التدخل الإسرائيلي تجسّد من خلال استمرار الغارات وأعمال القصف ومن خلال الدعم الأمني والعسكري للقوى اليمينية المسيحية اللبنانية، بينما كان للتدخل السياسي والأمني والعسكري السوري تأثيراً مباشراً وحاسماً في مجريات هذه الحرب، مرة حين كانت سوريا تدعم وتسلح القوى الفلسطينية وقوى اليسار اللبناني، ومرة أخرى عندما انقلبت على هؤلاء وحسمت الصراع لمصلحة خصومهم، قبل أن تطبق سيطرتها الكاملة على جزء أساسي من الأراضي اللبنانية.
على المستوى الدولي، شكلت حرب لبنان بين العامين 1975 و1976 اختباراً تاريخياً لإرادة الدول الكبرى وقدراتها. دراستها تسمح بمعرفة ماذا أرادت هذه الدول. ماذا فعلت، وما الذي قدرت على فعله أو لم تقدر، إذا كان دور كل من موسكو «السوفياتية» وواشنطن، في حرب لبنان، دورَ الجبّارين في العلاقات الدولية آنذاك، فإن دور باريس لم يكن أقل أهمية منهما؟
وإذا كانت العلاقة بين موسكو وواشنطن علاقة خصمين يخوضان حرباً باردةً، فإن العلاقة بين فرنسا والولايات المتحدة في ضوء «حرب السنتين» في لبنان، تبقى علاقة مثيرة للجدل، بين حليفين غربيين يحبِّذان التعاون في ما بينهما حول أزمة لبنان تلك، لكنهما لا يمتلكان رؤية مشتركة لكيفية التعاون بينهما.
الأحداث والمبادرات المعلنة تكشف، كما أشار أكثر من باحث ومؤرخ لبناني وأجنبي، أن اهتمام واشنطن بحرب لبنان لم يبدأ فعلياً إلا في نهاية آذار 1976. في حينه، وصل المبعوث الأميركي دين براون إلى لبنان في مهمة تهدف إلى توطيد اتفاق «الخطوط الحمر» والتمهيد للتدخل العسكري السوري المباشر من أجل وضع حد لعملية الحسم العسكري التي بدأها تحالف «منظمة التحرير الفلسطينية» والقوى التقدمية اللبنانية. كذلك، كان الهدف من مهمته ضمان انتخاب رئيس جديد للجمهورية في وقت مبكر منعاً لحصول أي فراغ دستوري بعد انتهاء ولاية سليمان فرنجية.
في ما يتعلق بدور باريس، تكشف المعلومات المعلنة أن دورها اقتصر على مهمة «شبه فاشلة» للمبعوث الفرنسي موريس كوف دو مورفيل في نهاية خريف 1975، الذي لم ينجح سوى في مصالحة رئيس الجمهورية سليمان فرنجية ورئيس الحكومة رشيد كرامي… ثم أتت مهمة جورج غورس في نيسان 1976، الذي كان أول من أعلن عن استعداد فرنسا لإرسال قواتها بتفويض من الأمم المتحدة من أجل المشاركة في نظام مراقبة أمنية لوقف إطلاق النار بين المتحاربين وللفصل بينهما.
تحولت مهمة غورس الى مبادرة فرنسية حاولت باريس الترويج لها بحيوية بين منتصف نيسان وحتى أواخر أيار. بعض الباحثين والمؤرخين نظر إليها بوصفها مبادرة فرنسية ـ أميركية، لأن الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان كرر طرحها، بشكل لافت للانتباه، خلال زيارته إلى الولايات المتحدة في أيار 1976.
كتّاب آخرون يتحدثون عن محاولة فرنسية مستقلة، نابعة من اهتمام فرنسا بالعودة إلى لبنان، بعدما غادرته في العام 1945، وبعدما تم منعها من التدخل في العام 1958، وبعدما لم تتمكن من ترجمة الوعود التي قدمها الجنرال شارل ديغول إلى السلطة اللبنانية في العام 1968 ومفادها أن فرنسا مستعدة للتدخل عسكرياً والدفاع عن لبنان بوجه الغارات الإسرائيلية المتلاحقة آنذاك.
لا تهدف هذه المساهمة إلى نقض ما كتبه الباحثون والمؤرخون، بل إلى تقديم عناصر جديدة ومكمّلة، تسلط الضوء على مبادرات غير معلنة، جرى الحديث عنها في الكواليس الديبلوماسية، لم يأت هنري كيسنجر على ذكرها أبداً في مذكراته التي تناول فيها «حرب السنتين» بشكل مسهب، وغابت عن مداخلات موريس كوف دو مورفيل التي خصصها للحديث عن مهمته إلى لبنان…
تسرد هذه المساهمة معلومات جديدة وربما تكون غير مسبوقة عن تاريخ الحرب الأهلية اللبنانية، تم الحصول عليها من أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية، الذي كشف لنا بصورة استثنائية (في إطار إعدادنا لأطروحة الدكتوراه في العلوم السياسية حول موضوع «ديبلوماسية كل من واشنطن وباريس تجاه أزمات لبنان، من 1958 حتى 2008») عن جزء قيّم من الوثائق والبرقيات المتعلقة بالشأن اللبناني بين العامين 1973 و1982.
تستعرض الحلقة الأولى من هذه المساهمة ملخص ما يمكن تسميته بورشة تفكير ديبلوماسية في وزارة الخارجية الفرنسية حول أزمة لبنان بين نهاية شهر أيلول وكانون الأول 1975. وتكشف التقارير التي تمّ التداول بها عن أفكار ومبادرات لم تخرج إلى العلن في ذلك الوقت. فكيف فكّرت الديبلوماسية الفرنسية؟ وكيف حسبت خطواتها؟ وماذا أرادت أن تقوله ولم تقله أو ماذا قالته ولم تعلن عنه؟ هل حاولت فرنسا طرح فكرة التدخل العسكري الخارجي للمساهمة في وقف الحرب الأهلية في لبنان؟
بعدما أعلنت باريس في 17 أيلول 1975، في ضوء تدهور الوضع، أنها مستعدة للمساهمة في أي تحرك يضم «الحكومات الصديقة للبنان» ويهدف الى مساعدة لبنان ودعمه لتجاوز المرحلة الصعبة التي يمر بها ووضع حد للحرب الأهلية، كثّف المسؤولون الفرنسيون والأميركيون مباحثاتهم الثنائية في شأن لبنان في نهاية شهر أيلول.
لم يتمخّض عن هذه المباحثات تحرك ديبلوماسي ملموس، لكنها شكلت أوّل مناسبة (بحسب ما تم كشفه من وثائق في الأرشيف الفرنسي) طرح خلالها الديبلوماسيون الأميركيون ضرورة القيام بمبادرة ما تهدف إلى المساهم في تهدئة الأوضاع في لبنان. لم توضح الإدارة الأميركية ما هو تصوّرها لهذه المبادرة. لكن وزير خارجية الولايات المتحدة هنري كيسنجر أبلغ نظيره الفرنسي جان سوفانيارغ، خلال لقائهما في نيويورك في نهاية أيلول، أن بلاده قلقة للغاية حيال الوضع المتفجر في لبنان وتطرح تساؤلات حول إمكانية وكيفية التعامل معه. لم ينجم عن اجتماعهما أي اتفاق عملي، لكن سوفانيارغ طالب كيسنجر بممارسة الضغط على إسرائيل لتفادي أي تدخل في جنوب لبنان من شأنه أن يفاقم الوضع وأن يؤدي إلى ردة فعل سورية، في حين طلب الوزير الأميركي من نظيره الفرنسي أن تتدخّل باريس لدى الدول العربية المعنية، خصوصاً لدى سوريا والعراق، من أجل الحفاظ على التهدئة والحؤول دون أي سلوك من شأنه أن يقود إلى حرب إقليمية، بحسب ما ورد في تقرير ديبلوماسي فرنسي تمّ إعداده في 20 تشرين الأول 1975.
التنسيق الأميركي الفرنسي لم يتجاوز هذا الحدّ. وبات شبه منتهٍ على الأرجح. لأن الصحافي الفرنسي، إيريك رولو، يكشف (في صحيفة لوموند) أن سفير واشنطن في دمشق، ريتشارد مورفي، التقى الرئيس السوري حافظ الأسد في 16 تشرين الأول 1975، ناقلاً إليه رسالة أميركية تدعوه إلى تشجيع حل متوازن في لبنان، بواسطة «جيش التحرير الفلسطيني» (جزء من الجيش السوري)، على أن تلتزم الولايات المتحدة في إقناع إسرائيل بالموافقة على تدخل سوري محصور ضمن حدود معقولة. كيسنجر يؤكد لاحقاً في مذكراتها هذه المعلومات، شارحاً أن الولايات المتحدة كانت تؤيد ما أسماه «الحل السوري» للأزمة اللبنانية، أي ما عرف لاحقاً بـ«الوثيقة الدستورية» التي تضمنت بعض الاقترحات الإصلاحية للنظام السياسي اللبناني.
باريس لم تكن معارضة لهذا الحل السياسي السوري. لكن في وقت يكشف فيه كيسنجر أنه كان في ذلك الوقــــت مقتنـــعاً باستحالة فرض هذا الحل السياسي من دون استخدام قوة عسكرية خارجية، ليبرر لاحقاً دعمه الضمني للتدخل العسكري السوري، يكـــــشف الأرشيف الديبلوماسي الفرنسي، في المقابل، أن فـــــرنسا بدأت التفكير، اعتباراً من تشــــرين الأول، في أشكــــال تحــــركها، وتوصلت إلى صياغة رؤية سياســــية وأمنية لوقــــف الاقتتــــال والمصالحة في لبــــنان. ثــــم أرسلت على أساســــه أول مبعوث فرنسي فــــي تاريــــخ الحــــرب الأهليــــة اللــــبنانية، موريس كـــــــوف دو مورفيل، يرافــــقه جــــورج غورس، اللــــذين قامــــا بمهــــمة استطــــلاعية، بـــين تشـــرين الثــــاني وكــــانـــون الأول 1975.