العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

الحرب الأهلية اللبنانية 1975 (الفصل الثاني – 2 حلقات)

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

رابعاً ـ أهداف الأطراف المتصارعة

إعلان Zone 4

انقسم لبنان، خلال الحرب، إلى ساحتَين أساسيتَين. إحداهما، يغلب عليها الطابع المسيحي، المحافظ. والأخرى، يغلب عليها الطابع الإسلامي، التقدمي، وتشمل الفلسطينيين. وفي إطار هذا السياق، يمكننا التمييز بين تيارَين فكريَّين أساسيَّين. أحدهما، يبحث عن المساواة والعدالة. والآخر، يبحث عن الاستقرار والأمان.

1. أهداف “الحركة الوطنية اللبنانية”، وبرنامج الإصلاح السياسي

اتّسمت الأوضاع اللبنانية، قُبَيل الحرب الأهلية، بمجموعة من السلبيات، من بينها:

أ. سياسة اللامبالاة الوطنية، تجاه الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة.

ب. التمييز الطائفي.

ج. الأزمة الاقتصادية، وعدم فاعلية النظام السياسي.

د. الفساد، واستشراء عملية استغلال الجماهير الشعبية.

هـ. النخبوية، المالية والتجارية.

و ضعف المشاركة الإسلامية، على الرغم من أن المسلمين، يشكلون أكثرية السكان.

ز عدم التزام لبنان بالقضية العربية، في إطار لامبالاة سياسية، تجاه الواقع العربي، على الرغم من ارتباطه الاقتصادي به.

كوّن رافضو هذا الوضع تياراً، ضم عدداً، لا بأس به، من الأحزاب والحركات والتجمعات، تمثّل اتجاهات مختلفة، أحياناً، من دون أن تكون متناقضة، يجمع بينها، من أقصى اليسار إلى الإصلاحيين، قاعدة فكرية مشتركة، قوامها الطعن في نظام الطائفية السياسية النخبوية، والمطالبة بتحقيق دولة المساواة، وبناء وطن، يكون لأبنائه جميعاً.

وقد سمحت هذه القاعدة المشتركة لهذه الفئات، التي عرفت باسم “الحركة الوطنية اللبنانية”، أن تضع، خلال الحرب الأهلية، برنامج الإصلاح السياسي، الذي نشر في 20 أغسطس 1975. وهو يجسّد تطلعاتها، ويقترح “البديل الديموقراطي”، الذي يرسي أُسُس المجتمع الديموقراطي الجديد، ويمنح جميع المواطنين فرصاً متساوية.

ويشتمل البرنامج على سبع نقاط أساسية، هي:

أ. إلغاء الطائفية السياسية، في مجال التمثيل الشعبي، وفي الإدارة والقضاء والجيش.

ب. إصلاح ديموقراطي للتمثيل الشعبي، النيابي والمحلي والإداري.

ج. إصلاح السلطات العامة، وتحقيق التوازن بينها، وذلك بجعل الهيئة التمثيلية للشعب مصدراً لكل السلطات، والعودة إلى الأصول الديموقراطية البرلمانية، في مجال تهديد الصلاحيات، وعلاقة أطراف السلطة التنفيذية بعضهم ببعض، توفيراً للتوازن المطلوب في هذا المجال، ثم تأمين استقلال السلطة القضائية.

د. إصلاح الإدارة، بتعزيز صلاحيات مجلس الخدمة المدنية، وإنشاء هيئة للرقابة العليا.

هـ. إعادة تنظيم الجيش، وحصر مهمته في الدفاع عن حدود لبنان واستقلاله الوطني، والاضطلاع بمسؤوليته القومية، حيال القضية الفلسطينية والقضايا العربية، ومنع إقحامه في قضايا الحكم والشؤون الداخلية للبلاد.

و. تعزيز الحقوق والحريات الديموقراطية والعامة، وتبنّي شرعة حقوق الإنسان، كقانون لبناني، وتعديل القوانين غير الملائمة له.

ز الدعوة إلى انتخاب جمعية تأسيسية من مائتين وخمسين عضواً، على أساس لاطائفي، يمثلون مختلف التيارات السياسية والتجمعات الشعبية في البلاد، لتقود حواراً وطنياً واسعاً، في شأن الإصلاح المقترح، ولتضع التشريعات، الدستورية والنظامية، اللازمة لوضعه موضع التنفيذ.

لم يكن هذا البرنامج سوى تعبير عن القاعدة المشتركة. وهو يشكل القاسم المشترك، الذي تلتقي حوله فصائل “الحركة الوطنية اللبنانية”. ومن البديهي، أن هذه الحركة كانت على علاقة جدلية بالمقاومة الفلسطينية، التي تبحث، هي الأخرى، عن المساواة والعدالة. ولكن التحرك المزدوج، هدد، في آن واحد، كلاًّ من البنى، الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، اللبنانية، وحياد لبنان حيال قضايا الشرق الأوسط.

2. أهداف الطوائف المسيحية

في مواجَهة الاحتمالات، التي مثّلها صعود القوى، الفلسطينية والتقدمية اللبنانية، في الحياة السياسية اللبنانية، شعرت الطبقة الحاكمة، والطوائف المسيحية، خاصة الطائفة المارونية، أنها مهدَّدة في امتيازاتها، وفي مستقبلها؛ إذ إن أي تغيير في الواقع القائم، الاجتماعي والسياسي، للبلد، يتطلب تنازلات من قِبَلها. وإن أي تنازل، يُعَدّ، بالنسبة إليها، بداية لسلسلة لا تنتهي من التنازلات، الأمر الذي يهدد مصيرها.

في إطار هذا السياق، كانت البورجوازية الإسلامية، التي تُعَدّ جزءاً من الطبقة الحاكمة، في وضع حرِج، إذ لم تتمكن من التحالف مع نظيرها الطبقي، الذي كان يحارب المسلمين، ولا هي استطاعت التحالف مع الساحة الفلسطينية ـ اللبنانية التقدمية، التي تهدد امتيازاتها، بالقدر الذي تهدِّد فيه البورجوازية المسيحية، لأن ذلك سيُفقدها الكثير من نفوذها ودورها السياسي.

وتتأكد رغبة الطائفة المارونية عن تغيير الأوضاع، من خلال الأمور التالية:

أ. رفْضها تعديل الدستور.

ب. عدم المساس بالميثاق الوطني، الذي لا يمكن تبديله أو إلغاؤه، إلا باتفاق اللبنانيين جميعاً.

ج. إلغاء الطائفية السياسية المشروط بالعلمنة.

د. وكذلك، إلغاء اتفاق القاهرة، وإعادة السيادة اللبنانية إلى الأراضي اللبنانية كلها.

3. الجيوب المسيحية، وغياب السلطة عن الجنوب اللبناني

أصبحت الجيوب المسيحية في الجنوب، منذ خريف 1976، تحت سيطرة الميليشيا اليمينية، التابعة لحزبَي “الكتائب” و”الأحرار” والجنود التابعين للجيش اللبناني، ويقودهم الضابطان اللبنانيان المنشقان، سعد حداد وسامي الشدياق.

وارتبطت هذه الميليشيا بعلاقات جيدة بالإسرائيليين، الذين دعموها وساندوها ضد “القوات المشتركة”، الفلسطينية ـ اللبنانية التقدمية. وكانت هذه الجيوب مقطوعة الصلة، عملياً، بالأجزاء الأخرى من لبنان. وكل اتصال بينها وبين الشمال، كان يجري عبْر إسرائيل، التي بدأت تستقبل العمال اللبنانيين القادمين إليها من تلك الجيوب. أما السلطات اللبنانية، وبالتحديد قيادة الجيش، فلم تقطع علاقاتها بالضابطين، حداد والشدياق، وجنودهما.

وقد نجحت هذه الميليشيا في توسيع جيوبها، باحتلال مناطق وقرى، كانت تحت سيطرة “القوات المشتركة”، مثل بلدتَي مرجعيون والخيام. وكانت القوات المسيحية قد سعت، دون جدوى، إلى تأمين الاتصال بين تلك الجيوب، بالسيطرة على الأراضي الفاصلة بينها، وذلك من أجل تدعيم سلطتها وأمنها، وخلق “الحزام الأمني” على طول الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية، لمنع تسرب الفدائيين الفلسطينيين، في داخل إسرائيل، والحؤول دون عملياتهم ضدها.

هكذا تحوّل الجنوب إلى منطقة، تنتشر فيها قواعد “القوات المشتركة”. وأمست ميداناً للتدريب، وتكدست فيها الأسلحة، وانطلقت منها عمليات المقاومة الفلسطينية ضد إسرائيل. كما تحولت إلى بؤرة ثورية، تهدد بالانتشار، لم تتمكن الميليشيا اليمينية، التي تدعمها وتساندها إسرائيل، من القضاء عليها، أو محاصرتها، على الأقل.

وقد أصبح الجنوب البقعة اللبنانية الوحيدة، في المنطقة كلها، التي استمرت على حالها، بعد التدخل العسكري السوري في لبنان. وكانت تزعج مسيرة السلام وتعرقلها. مما حمل الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، على تأكيد اتفاقهما على المبادئ التالية:

أ. “السلام مع العرب، يجب أن يكون حقيقياً، وليس سلاماً على الورق فقط”.

ب. “استبعاد قيام دولة فلسطين”.

ج. “عدم دعوة منظمة التحرير الفلسطينية إلى المشاركة في المفاوضات”.

إذاً، لا بدّ، قبل أي حل سياسي لنزاع الشرق الأوسط، من إزالة سخونة هذه البقعة، أو محاصرتها، على الأقل، وذلك بإقامة منطقة عازلة، تحُول دون العمليات الفدائية، عبْر الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية.

في ظل هذا الوضع، وفي نهاية السبعينيات، حدثت عملية تل أبيب، على أيدي الفدائيين الفلسطينيين، الذين يظن أنهم جاءوا، بحراً، من جنوبي لبنان. وكانت حصيلة تلك العملية مقتل حوالي ثلاثين إسرائيلياً، وجرح عشرات آخرين. وقتل، كذلك، تسعة فدائيين، ووقع اثنان آخران في الأَسْر.

استهدف الفلسطينيون بهذه العملية “ضرب مسيرة السلام، التي تهدِّد، شيئاً فشيئاً، بإبعادهم بشكل كامل عن شبكة المصالح”، التي حاول بعض الفرقاء إنشاءها في الشرق الأوسط، خاصة بعد زيارة الرئيس محمد أنور السادات إلى إسرائيل في 19 نوفمبر 1977. كانوا يعتقدون أنهم يعيدون، بذلك، القضية الفلسطينية إلى واجهة الأحداث. وتوقع الفلسطينيون الرد الإسرائيلي، لكنهم لم يقدروا أنه سيكون بهذا القدر من العنف والضخامة، كما اعترف أحد مسؤولي منظمة التحرير الفلسطينية.

ردّ الجيش الإسرائيلي بعملية الاجتياح الأولى لجنوبي لبنان. و”كان قد هيّأ لها منذ وقت طويل، بانتظار الفرصة الملائمة، التي كانت العملية الفدائية على طريق تل أبيب، مجرد حجة لها”.

لقد كان المقصود أن تمهد إسرائيل لإرسال قوات تابعة للأمم المتحدة إلى جنوبي لبنان، بناء على طلب الولايات المتحدة الأمريكية. وكان الإسرائيليون يرون، أنه من أجل منع المقاتلين الفلسطينيين من التسرب في الجنوب، يجب أن ينتشر رجال “القبعات الزرقاء” على طول نهر الليطاني، وذلك يقتضي، أولاً، أن يقوم جنود إسرائيل باحتلال المنطقة.

وقد أدى الجيش الإسرائيلي الدور الموكول إليه، على حساب مئات القتلى المدنيين، ونزوح حوالي ربع مليون من المدنيين، اللبنانيين والفلسطينيين، شمالاً، هرباً من الحرب، التي دمرت عشرات القرى.

خامساً: مواقف أطراف الحرب الأهلية من قضية تقسيم لبنان ـ وتدويل الأزمة

 أثيرت قضية التقسيم بين مختلف القوى اللبنانية، بصوَر متعددة، من دون تحديد لسماتها الأساسية. وإنْ كان أبرز ما يجب تسجيله، أنها بقيت، طوال الوقت، محصورة في إطار “الجبهة اللبنانية”، وحدها، التي تمثل الموارنة، بينما كانت “الحركة الوطنية”، تحارب ضد التقسيم.

 باستثناء شربل القسيس، رئيس الرهبانيات، الذي دعا إلى فكرة الاستقلال الذاتي، أو الاتحاد الفيدرالي، إلى جانب بشير الجميل، الذي طمع في وراثة لبنان الماروني. كان اللافت، أن الذين رفعوا شعار التقسيم، لم يكُن بينهم واحد، يدافع عنه، علناً. وكان الجميع يحاولون الالتفاف حول الشعار، والاعتماد على الواقع القائم. وقد صرح كميل شمعون، أن التقسيم مستحيل، لأسباب اقتصادية. فالشركات، خاصة الكبرى، التي تمسك بخيوط الاقتصاد اللبناني، شركات مشتركة بين المسلمين والمسيحيين، على حدّ تعبيره. والتقسيم يعني إفلاس بعضها، وانهيار بعضها الآخر. ما يعني أن قضية التقسيم، كانت سلاح ضغط، أكثر منها هدفاً.

 والأهم من كل التصريحات، سواء كانت صريحة أو مستترة، هو أن “الجبهة اللبنانية”، التي تمثّل الموارنة، كانت تعمل وفق خطة عملية للتقسيم، إذ حرصت، في كل مراحل الحرب، على أن يكون لها منطقة متكاملة، تسيطر عليها، وليس فيها جيوب غريبة. وأصبحت مدينة جونية عاصمة الدولة، التي لم تعلن رسمياً، ولها بنْية سياسية وإدارية. فرئيسها كميل شمعون، وقائد جيشها بشير الجميل، ولها مدير استخبارات، ومدير أمْن، إلى جانب كل مناصب الإدارة الأخرى وعلى قِمتها مجلس رئاسة، أو مجلس وزراء، من أقطاب الجبهة: كميل شمعون ـ بيار الجميل ـ سليمان فرنجية ـ شربل القسيس. وهي دولة في منطقة مسيحية، يرأسها ويديرها الموارنة. وأنشئ فيها مطار خاص، للاستغناء عن مطار بيروت.

 وتتضح منطلقات هذه الدولة، في مذكرة “الجبهة اللبنانية”، التي أرسلت إلى كثير من الشخصيات السياسية في دول الغرب، ونشرت في الكتاب الشهري لـ “الكتائب”، “العمل”. وجاء فيها أنه كان يراد قطْع لبنان عن تراثه التاريخي المتواصل، بصورة تعسفية، أي قطْع لبنان الماروني عن جذوره الممتدة إلى الحروب الصليبية. كما كان يراد قطْع لبنان المقيم عن لبنان ما وراء البحار، أي أن يفقِد الموارنة دعوى الأغلبية العددية؛ إذ إن معظَم المهاجرين من الموارنة، قد اندمجوا في مجتمعاتهم الجديدة، وحصلوا على جنسياتها. وقيادة الجبهة، لا تريد منهم العودة، ولا المال، وإنما هي تريدهم فقط عدداً، وإلا أصبح الأرثوذكس أكثر من الموارنة، والسُّنة أكثر من هؤلاء، والشيعة أكثر الجميع عدداً. ويضيف كتاب “الكتائب” الشهري، أنه أريد قطْع اللبنانيين ـ الموارنة طبعاً ـ عن جذورهم في التراث الغربي المتراكم، الكثيف، الذي تفاعلوا معه، عبْر التاريخ، فأعطوه الكثير، وأخذوا منه الكثير.

 بل إن للموارنة قومية خاصة بهم، تختلف عن القومية العربية، طبعاً، بل تناقضها. ومن ثمّ، فهي أيديولوجية التعبير عن الذات، في عملية تفتيت لبنان أو تقسيمه.

 غير أن فكرة إعلان دولة مارونية، أو مسيحية، في لبنان، كانت مسألة للمساومة، وليست للتطبيق. وقد نجحت الفكرة في الضغط على عواصم عربية، للتحرُّك في اتجاه الموارنة، من خلال تسريب معلومات عن مشروعات، تدرسها قيادة الجبهة. ومثال ذلك ما نشر عن وجود تقرير خطير، أُعِدّ في اجتماع قيادة الجبهة، ويهدف إلى:

  1. نقل القضية اللبنانية إلى الأمم المتحدة، بهدف تدويلها.
  2. إعلان الدولة المسيحية، بعد قبول عرض القضية على مجلس الأمن.
  3. التحرك السياسي، عربياً ودولياً، لكسب التأييد، وإثارة الفُرقة بين الدول العربية، حول إنشاء الدولة، ومن ثَمّ، جعْل اليد العليا للموقف الدولي.
  4. العمل على الوصول إلى هدنة، بوقف القتال لأشهر ثلاثة، يجري خلالها التحرك السياسي.

 وقد حاولت “الجبهة اللبنانية” تجنيد بعض الحكومات الصديقة لها، لدعم فكرة التدويل، وتدخّل الأمم المتحدة. فأجرت اتصالات مكثفة بالحكومتَين، الفرنسية والأمريكية، لحملهما على تأييد طرح القضية على مجلس الأمن. كما حاولت الجبهة الاستعانة ببعض الشخصيات السياسية، ولكنها لم تجد استجابة من أحد، باستثناء عضو مجلس الشيوخ الأمريكي، جورج ماكفرن، الذي طلب من الحكومة الأمريكية إرسال قوة أمريكية، دولية، إلى لبنان، تعمل تحت رعاية الأمم المتحدة، إذا فشلت قوات الردع العربية في وقف القتال. وقد وصل الأمر إلى حدّ، أن بيار الجميل، وجَّه نداء إلى الجامعة العربية، لتعلن عجزها عن حل الأزمة، والإسهام في تدويلها. وفي الوقت الذي كان رئيس حزب الكتائب، يتحدث فيه عن التدويل، كان سليمان فرنجية، يبلغ القائم بالأعمال الفرنسي، والسفير البابوي، أن الجبهة تسعى إلى تدويل الأزمة، ويطلب من الدولتَين دعم هذا الموقف. أما شربل القسيس، رئيس الرهبانيات، فكان يجول في أوروبا، حيث قدَّم خلال جولته تقرير “جماعة الكسليك” إلى البابا، برجاء تدخّله، لتدويل الأزمة.

 وانتهت هذه الجهود جميعاً إلى الفشل. والمهم، أنها لم تجد الاستجابة الكاملة، بل تأكدت قيادة الجبهة، أن التدويل، الذي كان الخطوة الأولى نحو التقسيم، بإعلان فكرة اللامركزية، أو أن يكون لبنان اتحاداً فيدرالياً، لم يحظَ بقبول دولي. واتضح أن التقسيم، لم يكن واضحاً وضوحاً تاماً في أذهان دعاته أنفسهم، باستثناء المشروع المتكامل، الذي أَعَدّه حزب شمعون، “الأحرار”، الداعي إلى إنشاء ولايتَين في لبنان، يعود لبنان الماروني، بموجبه، إلى حدود ما قبل الاستقلال، مع بعض التعديل. ويُترك للحكومة الوطنية مركز صغير، تطبيقاً لشعار الجبهة: “ما لنا، فهو لنا. وما لكم، فهو لنا ولكم”.

 كان من الممكِن النظر إلى فكرة اللامركزية، على أنها أحد اقتراحات الإصلاح الإداري، لولا أنها طرحت على أساس طائفي، مما يجعلها نوعاً من التقسيم، أو خطوة على طريقه. ثم إنها خرجت في مناخ عام، يدعو إلى الشك، ويدفع إلى الرفض. ولذلك، كانت المواقف منها مختلفة. فالقيادات الإسلامية التقليدية، كانت ترى أن فكرة اللامركزية مقبولة. ولكن بعضها خشي أن تتحول إلى خطوة نحو التقسيم، فرفضها. ولا بدّ من ملاحظة أنه بينما كان حزب “الأحرار” يتحدث عن الولايتَين، كان قادة “الجبهة اللبنانية” الآخرون، يشبهون تلك الفكرة بنظام “الكانتونات” السويسري. وكان من أشد دعاتها حماسة، الرئيس السابق شارل حلو. كما حظيت باستجابة عدد من الدول، في المنطقة وخارجها.

 وتحدّث بيار الجميل، في مارس 1977، عن دولة مارونية مستقلة، أي عن تقسيم، يختلف اختلافاً تاماً عن اللامركزية الإدارية، التي تهدف إلى زيادة فاعلية الدولة في تقديم الخدمات إلى المواطنين، بل تتخطى، كذلك، نظام الكانتون أو الولاية، السويسري، إذ هي تتمتع بسلطة الأمن والخارجية والتجنس والعلاقات الثقافية.

 كانت دعوات “الجبهة اللبنانية” إلى التقسيم، سواء كانت تحت شعار التدويل أو الكانتونات أو اللامركزية، مرفوضة، بشتى وجوهها، من “الحركة الوطنية” والقيادات الدينية المسيحية، المنكرة على شربل القسيس، رئيس الرهبانيات، دخوله دائرة القيادات السياسية، بعضويته في الجبهة. فقد أعلن البطريرك خريش، بطريرك الموارنة، غير مرة، معارضته التقسيم، وذلك في تصريحات منشورة، وفي أحاديثه مع القيادات اللبنانية ومبعوثي الدول، العربية والأجنبية، الذين كان لهم دور في الأزمة اللبنانية. وعارضه، كذلك، البطريرك مكسيموس الخامس حكيم، بطريرك الروم الكاثوليك. وأعلن، بوضوح، أنه ضد التقسيم، ورأى فيه آثاراً سلبية في المنطقة. ولم يختلف موقف البطريرك إلياس الرابع، بطريرك الروم الأرثوذكس، عن موقفَي نظيرَيه، بل أكد ضرورة أن يبقى لبنان موحَّداً، وعربياً، وأن يُعزَل العاملون من أجل التقسيم.

 وتنمّ مواقف القيادات الدينية المسيحية هذه، بأنها ضد الذين يعطون أنفسهم حق الحديث باسم المسيحيين؛ فالمسألة ليست دينية، وإلا كان لرجال الدين فيها رأي آخر. فإن أضيف إلى رأي قادة الكنيسة رأي قادة المسلمين، وفي مقدمتهم مفتي لبنان، في تلك الفترة، الشيخ حسن خالد، لظهر أن الأغلبية ضد التقسيم، تحت أي اسم أو شعار. ولم يؤيد “الجبهة اللبنانية” سوى إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، لأن التقسيم يمثّل حزاماً أمنياً حول إسرائيل. فهو، استطراداً، خطوة نحو تذليل عقبات التسوية، ناهيك أن نشوء دول، على أساس ديني، يلغي كل مبررات الرفض لأساس الوجود الصهيوني على أرض فلسطين.

 ولئن كان التقسيم شعاراً، عملت من أجله “الجبهة اللبنانية”، فإن الإصلاح كان شعار “الحركة الوطنية”. وكان أول الاقتراحات الإصلاحية هي النقاط الخمس، التي قدّمها الرئيس رشيد الصلح، في بيان استقالته أمام مجلس النواب. وتدور حول تحقيق إصلاح سياسي ديموقراطي، يؤمّن توزيعاً للصلاحيات. ثم الالتزام بمقتضيات المعركة العربية في مواجَهة إسرائيل، والارتباط بعلاقات راسخة بالمقاومة، والتنسيق معها. فضلاً عن تعديل قانون الجيش، وإخضاعه للسلطة السياسية. وإقرار قانون التجنس. ومعالجة الوضع، المالي والاقتصادي والاجتماعي، والسير نحو العدالة الاجتماعية بخطى أسرع.

 وما لبث كمال جنبلاط، أن أعلن خطة إصلاحية، من 14 نقطة،أبرزها:

  1. لبنان بلد عربي، شعباً ودولة ومصيراً.
  2. لبنان موحَّد، بأرضه وكيانه السياسي، ورفضه كل سعي إلى التقسيم والتجزئة الطائفية.
  3. التمسك بمبدأ المشاركة الشعبية الشاملة للفئات المحرومة، وإلغاء الامتيازات، على جميع المستويات.
  4. ضرورة تعديل النظام السياسي، بما يتلاءم وتحديث المؤسسات، وتأمين المشاركة، من دون تمييز، طائفي أو ديني.
  5. الالتزام، المبدئي والعملي، بحرِّية الاعتقاد والفكر والمنهج الديموقراطي السلمي، بعيداً عن الإرهاب ولغة العنف والميليشيات.
  6. رفْض فكرة الأوطان المختارة، والشعوب المختارة.
  7. رفْض النظام العسكري لتأليف الأحزاب، ورفْض الإرهاب المسلح.
  8. الالتزام، المبدئي والعملي، بعدم حماية الاحتكارات الاقتصادية، وبعدم الدفاع عن مظاهر الرأسمالية الحرة.
  9. العزوف عن المصطلحات الطائفية.
  10. الامتناع عن إرهاب جمهور المسيحيين الوطنيين، والمسلمين.
  11. الالتزام بشعور المساواة والأخوّة والإنسانية، بالنسبة إلى العرب، والغرباء، في لبنان.
  12. الالتزام بحكم القانون، أي على رئيس “الكتائب”، ومكتبه السياسي، الاستعداد للتحقيق العدلي.
  13. التعامل مع الثورة الفلسطينية بمقتضى الضيافة العربية اللبنانية، والعمل على اعتراف الدول العربية بها، كحكومة شرعية في المنفى.

 وعلى الرغم من أن هذا البرنامج هو مجرد مبادئ عامة، لا تمسّ جوهر النظام اللبناني، إلا أنه كان مرفوضاً من “الجبهة اللبنانية”.

 وفي سبتمبر 1975، عقد مؤتمر، جمع بين رؤساء أحزاب الموارنة وكتلتهم النيابية ورؤساء الرهبانيات. واستقر رأيهم على توحيد موقفهم في جبهة واحدة. وأعلنوا إيمانهم الراسخ بـ “أن الصيغة اللبنانية هي تجربة حضارية فريدة، يجب أن تستمر”.

 وقد نجحت الوساطة السورية، مع غيرها من الجهود، في التوصل إلى تشكيل هيئة وطنية من عشرين شخصية، للتحاور حول الخلافات في تعديل النظام وتطويره، وسميت بهيئة الحوار الوطني. وبدأت اجتماعاتها في 25 سبتمبر 1975. وبالرجوع إلى المحاضر الرسمية للاجتماعات، يتضح أن بيار الجميل، أعلن، في الجلسة الأولى، بشكل قاطع: “نحن في “الكتائب” ضد البحث في تعديل الدستور”.

 غير أن اللجنة الفرعية لهيئة الحوار، توصلت، في آخر جلساتها، وهي الجلسة السادسة، إلى توصيات بإلغاء الطائفية الإدارية، أي الوظيفية، وإلغاء الطائفية السياسية. وكان ذلك في غياب حزب الكتائب، الذي أعلن، بعد ذلك، رفْضه للتوصيات، فضلاً عن معارضة حزب ريمون إده لها، أي أن الموارنة، باختصار، رفضوها. وهكذا، لم تستطع اللجنة، عملياً، أن تصل إلى شيء.

 أمّا كميل شمعون، فنقَل الحوار إلى مجلس النواب، منتهزاً فرصة التئامه لتجديد رئاسة كامل الأسعد، فطالب المجلس بأن يواصل اجتماعاته، ويتولى بنفسه بحث الموضوعات، التي تتبناها لجان وهيئات غير مسؤولة. فالمجلس، وحده، هو الذي يعدل الدستور، وهو الذي يؤمن بالإصلاح. ومن ثم، ليس للآراء كافة، التي تتخذ خارجه، أي مفعول، إلا إذا اقترنت بموافقته. كما بادر سليمان فرنجية إلى نقل الحوار إلى مجلس الوزراء.

 وارتبط فشل هيئة الحوار بتصعيد في العمليات الحربية، ومحاولة تأكيد الطابع اللبناني ـ الفلسطيني للصراع، واتِّهام “الحركة الوطنية” بالخضوع لليسار الدولي الملحِد. فعمد كمال جنبلاط إلى إرسال خطاب إلى الرئيس فرنجية، في 18 ديسمبر 1975، يدحض فيه هذه التهمة؛ إذ إن اليسار الدولي، انتهى منذ زمن بعيد، بعد حل الكومنفورم وبعد عشرة أيام، نفى جورج حاوي، الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني، أن يكون حزبه قد طرح مسألة تسلّم السلطة، حالياً أو مستقبلاً، وأعلن مطالبة الحزب بالإصلاح، وفقاً لبرنامج “الحركة الوطنية”؛ وهو برنامج ليس اشتراكياً، ولا شيوعياً، بل هو برنامج إصلاحي ديموقراطي، في إطار النظام الرأسمالي.

 وهكذا، سُدَّ طريق الحوار بين الأطراف المختلفة. فسارعت “الجبهة اللبنانية” إلى تعديل موقفها، بعد أن اتّضح لجميع الأطراف، ولا سيما الشارع اللبناني، أنها هي القوة التي تقف ضد الإصلاح. وهو ما قد يعرّضها لأزمات مع قواعدها الجماهيرية، خاصة أن الحوار أوضح، أن مواقف “الحركة الوطنية”، تكاد تطابق مواقف القيادات الإسلامية التقليدية، أي أن الجبهة، بعنادها، أصبحت عاملاً توحيدياً للقوى، التي تقف في مواجَهتها. أمام هذا المأزق، طرحت فكرة، تبدو كأنها تزايد على “الحركة الوطنية”.

سادساً ـ الرؤية، السياسية والاجتماعية، إلى الحرب الأهلية اللبنانية

 عكست بدايات الحرب الأهلية اللبنانية، خاصة خلال ما سمِّي “حرب السنتين 1975 ـ 1976″، الأساس، السياسي والاجتماعي، لهذه الحرب، التي استمرت إلى عام 1990. ويرجع الاهتمام بحرب السنتين إلى إسهامها في تحديد معالم بقية سنوات الحرب ومسارها. ويمكن تقسيم هذه الفترة إلى ثلاث مراحل:

 المرحلة الأولى التي بدأت بحادث عين الرمانة. وكان طابع القتال هو الخطف والقتل والقصف العشوائي، في إطار محاولة جادّة من “الكتائب” وحليفها حزب “الأحرار” (الجميل ـ شمعون) لحصر الصراع بين الفلسطينيين والموارنة، وادعاء الحديث، من ثَمّ، باسم كل لبنان. ورفْع راية الطائفية، ليبدو الصراع إسلامياً ـ مسيحياً، مع أن الموارنة، ليسوا كل المسيحيين في لبنان. وعلى الرغم من كل محاولات “الكتائب” و”الأحرار”، فإن الجهود، فشلت في إخفاء الوجه الاجتماعي للصراع؛ إذ إن أولى المَواقع، التي تعرضت للنهب والتخريب في بيروت، كانت أرقى محالّها، التي كان يصعب على غالبية الشعب اللبناني ارتيادها. فشهدت العاصمة اللبنانية عمليات نسف وإشعال حرائق في عدد من المَواقع، تؤكد حقيقة الصراع الطبقي في الحرب اللبنانية.

 بيد أن هذه العمليات، التي عكست، في بدايتها، مشاركة جماهيرية في الصراع، سرعان ما استغلتها العصابات المنظمة، مستفيدة من حالة الفوضى السائدة في لبنان. وكانت كبرى عملياتها سرقة المصرف البريطاني في بيروت، الذي استعصت عليها خزائنه، فاستعانت عليها بالخبراء.

 في الوقت عينه، كان العمل السياسي مكثفاً، في القِمة، إثر إقناع “الكتائب” رئيس الجمهورية بتغيير الحكومة. وفي ما كانت تجري محاولات تشكيل حكومة جديدة، إذا بلقاء بين بيار الجميل وكميل شمعون وسليمان فرنجية، يسفر عن مفاجأة، هي الأولى في تاريخ لبنان، تشكيل حكومة عسكرية. خلال ذلك، كانت “الكتائب” تصعد عملياتها العسكرية، بتركيز هجومها في مخيم تل الزعتر ومنطقة الدكوانة، مطالبة بإبادة المخيم ونقله إلى مكان آخر، حتى تصبح بيروت الشرقية خالصة تحت قيادتها. وفي هذا الواقع، تشكلت الحكومة العسكرية، برئاسة نورالدين الرفاعي. وكان أهم شخصياتها، بل الرئيس الفعلي لها، العميد الركن موسى كنعان، مساعد رئيس الأركان، الذي تولّى منصب وزير الإعلام، وهو الضابط الذي أطلق عليه، في لبنان: “الضابط الأمريكي في الجيش اللبناني”.

 ولم يؤيد الوزارة العسكرية، سوى كميل شمعون وبيار الجميل. بل إن شمعون، دعا إلى دعمها ومساعدتها. إلا أن معارضة قيادات “الحركة الوطنية” لها، كانت حاسمة، إلى جانب معارضة القيادات الإسلامية التقليدية، التي سارعت إلى اجتماعات في دار الفتوى، انتهت بتوجيه نداء إلى رئيس الحكومة العسكرية بالاستقالة، حفظاً لجيش لبنان من الانقسام، والدعوة إلى الدفاع عن المقاومة والتقاليد الديموقراطية في لبنان.

 ولم تكتفِ “الحركة الوطنية” والقيادات الإسلامية برفض الحكومة العسكرية، بل عمدتا إلى اختيار رئيس للحكومة، رشيد كرامي. وبعد ثلاثة أيام فقط على تشكيل الحكومة العسكرية، اضطرت إلى الاستقالة. واضطر فرنجية إلى تكليف رشيد كرامي بتشكيل حكومة جديدة. وكانت أولى مشاكلها هي مواجَهة الإجماع على عدم إشراك “الكتائب” في الحكم. وانتهت المشكلة باقتراح كرامي استبعاد “الكتائب” وكمال جنبلاط معاً. وهكذا انتهت هذه الجولة بهزيمة “الكتائب”، وعدم تحقيق أي من أهدافها؛ فلا هي استطاعت إخفاء حقيقة الصراع، الاقتصادي والاجتماعي، ولا هي أَمكَنَها جعْل الصراع طائفياً. وسعت منظمة التحرير إلى العمل، بسرعة، على تهدئة الموقف، وعدم السماح لـ “الكتائب” بتصعيد الأزمة، مع محاولة عزلها. وذلك من خلال نشاط واسع، شمل كل فئات المجتمع اللبناني، لفضح موقفها، أمام الجميع.

 وكان من بين العوامل، التي ساعدت على هزيمة “الكتائب” في هذه الجولة، بروز تيار مسيحي معارض، يقوده، في الجانب الديني، بطريرك الأرثوذكس، إلياس الرابع، والمطران حداد؛ وفي الجانب السياسي، ريمون إده وهنري فرعون. وهكذا، خرجت “الحركة الوطنية” أكثر تلاحماً مع الثورة الفلسطينية، واستطاعت أن تحقق نصراً محدداً، بفرض شخص رئيس الحكومة. كما خرج ياسر عرفات ببيان، في اليوم التالي، يؤكد، بوضوح، أن الثورة الفلسطينية، ليست طرفاً في الصراع اللبناني. وهي لا تريد أن تكون طرفاً أو طائفة في الأزمة، لأن استقرار لبنان، هو استقرار للثورة. وحدد العلاقات اللبنانية ـ الفلسطينية، على أساس احترام الثورة لسيادة لبنان، وإقرار لبنان بحق الثورة في الوجود على أراضيه، بموجب الاتفاقات.

 وأمام إدراك الجميل وشمعون استحالة تحقيق كسب، في مثل هذا الوضع، أعلن كلٌّ منهما تأييده بيان عرفات، الذي استقبل بترحيب من كل أطراف المجتمع اللبناني. واستغلت “الكتائب” الفرصة للخروج من عزلتها، وفي الوقت عينه، فرصة لكسر التحالف بين “الحركة الوطنية” والثورة الفلسطينية. فأعلن بيار الجميل، أن بيان عرفات معتدل، ويصلح أن يكون ميثاقاً. وأعلن جوزيف شادر، منظِّر حزب الكتائب، أنه بيان ممتاز، ورزين. ورأى الإعلام الكتائبي، أن المشكلة، في الأساس، ليست مع الثورة الفلسطينية، ولكنها مع اليسار الدولي. وكانت “الكتائب” تحاول تحييد قيادة الثورة الفلسطينية، في حين هي تعيد تنظيم مَواقعها، وتدرب مجموعاتها، وتعمل على استيراد المزيد من السلاح، واستدعاء عدد من المدرِّبين المرتزقة. كان هدفها هو كسب الوقت، إذ كانت قيادتها تراهن على احتمالات تصادم منتظَر، بين مصر ومنظمة التحرير الفلسطينية، مع قرب توقيع اتفاقية سيناء. وانتظاراً لهذا اليوم، استمرت المناوشات والتصادمات، وخلالها، نجحت “الكتائب” في استمالة قوة جديدة في الحرب، إلى جانبها، إضافة إلى “الأحرار”، وهي جيش زغرتا، “المردة”، الذي يقوده طوني فرنجية، ابن سليمان فرنجية.

 وإذا برقعة الاشتباكات، تتسع لتغطي نحو نصف مساحة لبنان، مكونة ملامح تقسيم فعلي. فقد نجم عن عمليات التطهير للمواقع هجرة متبادلة، من خلال تيار إسلامي، يتّجه إلى المَواقع التي تكون فيها الغلبة للمسلمين، وتيار مسيحي، يتّجه إلى مَواقع، الغلبة فيها للمسيحيين؛ وإنْ كانت قد بقيت مناطق أخرى بعيدة عن احتمالات التصادم.

 وما إن وقع ما انتظرته “الجبهة اللبنانية”، وهو الخلاف المصري ـ الفلسطيني، لدى توقيع اتفاقية سبتمبر 1975، حتى بدأت من جديد تصعيد عملياتها، ومحاولة شد الثورة الفلسطينية إلى دائرة الصراع، وطرح شعارات التقسيم، أو قبرصة لبنان. وقد ظهر أثر ذلك كله في هيئة الحوار، التي عقدت أول اجتماعاتها، في 25 سبتمبر 1975.

 وبدأت المرحلة الثانية، كما الأولى، من عين الرمانه نفسها، بعد أيام من اجتماعات هيئة الحوار. ففي آخر سبتمبر 1975، ارتكبت “الكتائب” مذبحة جديدة، في عين الرمانة، ناسفة محاولة هيئة الحوار الجادة للخروج من الأزمة. وفي هذه المرحلة، امتد القتال إلى الشمال والبقاع. وكان هدف “الجبهة اللبنانية” هو استنزاف قوى الثورة الفلسطينية، بطرح شعار الفدائي المنضبط، والفدائي غير المنضبط. كما كان أمل “الكتائب” هو استغلال طبيعة الاختلاف بين قيادة “الحركة الوطنية” والقيادات الإسلامية التقليدية. وفي الوقت عينه، تصعيد عملية قصف مَواقع القوى الوطنية، في الأحياء المكتظة، لعله يثير سكانها ضد العناصر المسلحة. وإلى جانب ذلك كله، تصعيد أعمال العنف، خاصة في الحي التجاري في بيروت. وعمدت “الكتائب”، في مواجهة ذلك كله، إلى تحريك عقدة الخوف عند المسيحيين، وهي المهمة التي تولّت “جماعة الكسليك” تعميقها بـ “كراسات”، لا تحمل توقيعاً، لتكون بصيغة منشورات، كلٌّ يعرف مصدرها، ولكن لا أحد يتحدث عنه. ذلك إلى جانب العمل على تطويق القوى المسيحية واحتوائها، تلك القوى الرافضة منهج المقاتلين، وذلك إما بإسكاتها، أو بإعلان حيادها، أو الخروج من مواقعها.

وفي هذا السياق، تسجَّل الحقائق التالية:

  1. إن المسيحيين بشكل عام، كانوا غير مؤيدين قصف مناطق المسلمين. وقد كشف كمال جنبلاط هذه الحقيقة، في الجلسة الرابعة لهيئة الحوار الوطني. فقال إن أهل منطقتَي الأشرفية والدكوانة، لا يريدون مقاتلة المسلمين، ولكن يؤتى بالمسلحين لمقاتلة المسلمين من أحيائهم.
  2. إن حوادث المذابح، تكشف عن حقيقة أن جوهر الصراع، ليس دينياً، ولكنه سياسي. فقد ذكر ريمون إده، في الجلسة الثانية للجنة الإصلاح السياسي، التابعة لهيئة الحوار، أن “الكتائب”، قتلت فلسطينياً مسيحياً مارونياً. ودعم قوله بالوثائق. وبعد ذلك، ارتكبت غير عملية ذبح ضد المسيحيين والفلسطينيين، وبينهم عدد من الموارنة.
  3. إن كلمات البطريرك خريش، بطريرك الموارنة، حاسمة، فهو يقول: “أنا بطريرك. أنا لست رئيس حزب أو ميليشيا”. وهو ما يعني، أن دور شربل القسيس، رئيس الرهبانيات، هو دور بعيد عن دور الكنيسة، التي لا تتحمل مسؤوليته.

 وهذه الحقائق، عرفتها “الكتائب” جيداً. ولذلك، جنّدت إمكاناتها حتى يبدو العكس. وفعلاً، كان الطابع المميز لهذه المرحلة من الحرب، هو طغيان الوجه الطائفي على كل وجوه الصراع الأخرى، من دون أن يؤدي إلى اختفائها. وعلى الرغم من أن “الكتائب”، كانت تصرّ على الطابع الفلسطيني ـ اللبناني للحرب، إلاّ أن جوهر سلوكها، كان يعكس حقيقة الأزمة اللبنانية. فإبادة قوات “الجبهة اللبنانية” مخيم ضبيّه، ثم نسف منطقتَي المسلخ والكرنتينا، كانا تعبيراً عن صراع الأغنياء والفقراء. فهذه المناطق هي من أملاك رهبانيات شربل القسيس. وقد ارتفعت قِيمتها بحُكم حركة العمران، حتى ازداد ثمن المتر الواحد من الأرض 50 ضعفاً، في خلال عشرة أعوام؛ فالمسألة، في الأساس، اقتصادية، قبل أن تكون أي شئ آخر. وقد ردّت “القوات المشتركة”، اللبنانية ـ الفلسطينية، بدخول قلاع حزب “الأحرار”، في الدامور والسعديات. وحوصر كميل شمعون، غير أنه أُنقذ بطائرة عمودية، سمحت لها “القوات المشتركة” بنقله.

 وهكذا، لم تستطع “الجبهة اللبنانية” أن تحقق انتصاراً، سواء على الساحة العسكرية، أو في المجال السياسي. ففي المجال العسكري، عجزت، على الرغم من المساعدات والمرتزقة والسلاح، عن أي تغيير في توازن القوى، في مصلحتها. وفي المجال السياسي، على الرغم من أنها، حشدت القاعدة المارونية بوجه خاص والمسيحية بوجه عام، في المعركة، فإن قرب انتخابات رئاسة الجمهورية، جعل كثيراً من القيادات تنصرف إليها. كما أن دور بطريرك الكنيسة الكاثوليكية، وبطريرك الكنيسة الأرثوذكسية، أفقَد “الكتائب” الكثير من القدرة على فرْض إرادتها على الجميع. حتى الموقف العربي المتناقض، الذي كانت “الكتائب”، تأمل الاستفادة منه، ظهر أن حجم تناقضاته وتشعبها، مع عدم وجود خط سياسي واحد، يجعلان الاعتماد على ذلك الموقف والاستفادة منه، أمراً محدوداً، وغير مضمون.

 وهكذا، انتهت المرحلة الثانية من القتال بهزيمة مخططات “الجبهة اللبنانية”، مرة أخرى، ولم تستطع أن تفعل شيئاً، سوى القتل والتدمير.

 وبدأت المرحلة الثالثة، مع بداية 1976. وهي المرحلة التي عرفت بحرب الثكنات. إذ كانت مظاهر الانحلال والتفكك، قد امتدت إلى كل أجهزة الدولة، حتى وصلت إلى الجيش. وكانت أماني “الجبهة اللبنانية”، قد انعقدت على حسم الجيش اللبناني الصراع في مصلحتها، أو على الأقل منْع هزيمتها. واستخدمت في ذلك التهديدات بالتقسيم أو التدويل، خاصة أن محاولات الإصلاح السياسي، أفرزت مشروعاً، عرف بـ “الوثيقة الدستورية”، في الوقت الذي كان قد تبلور فيه وجود الضابط اللبناني، أحمد الخطيب، على رأس “جيش لبنان العربي”، وأصبح مغرياً لعناصر كثيرة من الجيش اللبناني. فتهافتت ثكنات الجيش اللبناني بانضمام ضباطها وجنودها إلى “جيش لبنان العربي”. وبعد أن كان ينظر إلى خطوة أحمد الخطيب، على أنها عصيان لضابط مع عدد من الجنود، أصبحت خطاً سياسياً، له دور وتأثير في مجرى الأحداث. وأمسى لبنان من دون جيش رسمي نظامي. وتُوِّج ذلك كله بانقلاب العميد عزيز الأحدب، في 11 مارس 1976.

 وهكذا، ضاعت آمال “الجبهة اللبنانية”، في أن ينقذ مصيرها، من طريق أي قوة، داخل إطار القوى اللبنانية. وتواصل انكسار “القوات اللبنانية”، وكانت مَواقع قوات “الأحرار” قد انهارت. وقوات “حراس الأرز” قد فرّت وتبعثرت. ولم يبقَ سوى مَواقع “الكتائب”، التي أصبحت تواجه المصير عينه، خاصة بعد هزائمها في بيروت، وسقوط أكبر مراكز “القوات اللبنانية”، وهما فندقا هيلتون والهوليداي.

 أرغم هذا الواقع ” الجبهة اللبنانية” على قبول الإصلاح السياسي، وتعديل صيغة الحكم في لبنان. وبدأت تناقش إمكانية تطبيق “الوثيقة الدستورية”، لولا التناقضات العربية، التي أسهمت بدور خطير في هذه المرحلة، على أساس أن سورية، كانت صاحبة الدور الأول في الوصول إلى صيغة هذه الوثيقة، وهو دور لم يكن مقبولاً، في عواصم عربية، أن يعطى الفضل فيه لسورية. وفعلاً، سقطت الوثيقة في ظل الصراع والتناقضات. وفي عام 1976، انتهت الاتصالات العربية إلى عقد مؤتمر القمة السداسي، في الرياض، في 16 أكتوبر، الذي ضم السعودية ومصر وسورية والكويت ولبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية، ليعلن انتهاء الحرب، وتشكيل قوات ردع عربية، أغلبيتها قوات سورية. ولكنه لم يتعرض لصلب القضية، وهو ما أدى إلى انفجار الحرب، مرة أخرى، واستمرارها حتى عام 1989.

يتبع…

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.