العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

الحرب الأهلية اللبنانية 1975 (الفصل الثامن – 5 حلقات)

المبحث الثالث

إعلان Zone 4

مضمون اتفاق الطائف ومِحوَراه

لاتفاق الطائف محوران أساسيان: الإصلاح، والعلاقات بسورية، مبنّيان على قاعدة إنهاء حال الحرب، ومرتبطان بشبكة وثيقة متلازمة: لا سيادة، ولا استقلال، من دون إعادة نظر أساسية في النظام، تثبيتاً للمساواة والمشاركة. وفي المقابل، لا تعديل في النظام، إلاّ بشرط تأمين استعادة الاستقلال والسيادة. معادلة وتلازم، فرضتهما الأطراف، اللبنانية والسورية، المتداخلة، والمتشابكة، ليُصبحا أساساً للمشروع المقدَّم للمناقشة، والاتفاق عليه في الطائف.

1. رؤية اتفاق الطائف إلى الكيان والمجتمع في لبنان

أ. الكيان اللبناني

شمل اتفاق الطائف مقدمة للدستور، تحتوي على المبادئ والأُسُس، التي يجب أن يُبنى عليها الكيان والمجتمع والنظام السياسي في لبنان. إذ لم يكن للدستور مقدمة، وكانت مبادئ الكيان والمجتمع والنظام، تستخلص من نصوص موادّه، حتى تبدت، صراحة، في الطائف، وشكلت أساس بنيان الاتفاق. وهي تشكل، اليوم، جزءاً لا يتجزأ من الدستور، ولها فاعلية الدستور تماماً. ومنها: “لبنان وطن سيد حر مستقل، وطن نهائي لجميع أبنائه …”، أي أنه ليس دولة فحسب. إنه وطن، أي شعب وأرض، لهما دولة. إنه كيان قائم بذاته، شعباً وأرضاً. وللمرة الأولى، ينال لبنان، باتفاق أبنائه، بخاصة مسلموه، وموافقة العرب كلهم أجمعين، والعالم بأسْره، اعترافاً بكينونته، كوطن. وللمرة الأولى، يقر لبنان، بإجماع أبنائه، بخاصة مسيحيوه، بعروبته وانتمائه العربي.

ولا شك أن هذه القرارات، تُعَدّ تاريخية، حققها وأنجزها مؤتمر الطائف، وأنهى بها صراعاً، عقائدياً سياسياً، رافق لبنان منذ تأسيس دولته المستقلة. صراع استمر بين تياران، أحدهما يدعو إلى الوحدة العربية، أو السورية، منكراً على الكيان اللبناني أصالته، ويرى وجوده اختراعاً استعمارياً، والآخر ينفي أي صِلة للبنان بالعروبة، ويرجعه، تاريخياً، إلى الفينيقيين الكنعانيين، وهو، جغرافياً، حلقة وصْل بين شرق وغرب؛ جسر تواصل، صِلته بالغرب على قدر صِلته بالشرق.

ب. المجتمع اللبناني

أما المجتمع، الذي رسمه المؤتمِرون في الطائف، فهو مجتمع موحَّد، يشهد تعدداً طائفياً. ومن مدخل العدالة، ولج مؤتمِرو الطائف، ليؤكدوا مطلبَين أساسيَّين: مطلب الإنماء المتوازن، والعدالة الاجتماعية. “فالنظام الاقتصادي الحر، يكفل المبادرة الفردية، والملكية الخاصة، والإنماء المتوازن للمناطق، ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً، فهو ركن أساسي من أركان وحدة الدولة، واستقرار النظام”. وارتبطت خصوصيات الاقتصاد اللبناني، التي تشبث بها مؤتمِرو الطائف، بالسرية المصرفية، وحرية القطع، واحتياطي الذهب.

وفي ما يتعلق بخصوصيات البنية المجتمعية للبنان، أَولى اتفاق الطائف شؤون التربية والتعليم والإعلام وحرية الرأي، اهتماماً خاصاً، وذلك لدورها في إذكاء حدّة الحرب الأهلية. فأكد أولوية العِلم، وتوفيره للجميع، وجعله إلزامياً في المرحلة الابتدائية، على الأقل، هذا إلى جانب تأكيد حرية التعليم، وحماية التعليم الخاص.

ورأى المؤتمِرون أن كتاب التاريخ، يجب أن تُعاد صياغته، وتوحَّد، لضمان توحيد الذاكرة الاجتماعية، فهو خطوة مهمة على طريق الانصهار الوطني، وتعزيز الانتماء. وفي الوقت عينه، ألحّ المؤتمِرون على الانفتاح، الثقافي والروحي. أمّا بالنسبة إلى الإعلام، فقد أشار الاتفاق إلى إعادة تنظيمه، في إطار الحرية المسؤولة، بما يخدم التوجهات الوفاقية، وإنهاء حالة الحرب.

2. النظام السياسي، في اتفاق الطائف

أ. أُسُسه العامة

نص اتفاق الطائف على أن لبنان جمهورية ديموقراطية نيابية، وأن الشعب مصدر السلطات، كما أن النظام قائم على فصْل السلطات، وتوازنها، وتعاونها. ونصّت مقدمة الدستور اللبناني، التي وضعت في الطائف، على شكل النظام السياسي. وللمرة الأولى في تاريخ لبنان، يكون هناك مقدمة للدستور، تنص على المبادئ والقواعد العامة، وتُعَدّ جزءاً أساسياً منه، ولها فاعلية موادّه. ونصّ اتفاق الطائف على أن يوزع النواب على المناطق، وعلى الطوائف الدينية، كذلك، وهو واقع يعكس الخصوصية اللبنانية. ويمثّل هؤلاء الشعب في مجلس النواب، مناصفة بين المسلمين والمسيحيين. واللافت أنه لا يوجد في أي نظام ديموقراطي نيابي، مناصفة بين أعضاء المجلس النيابي، تبعاً لدينهم، أو وفقاً للنسبة العددية لطوائفهم. فالديموقراطية اللبنانية ديموقراطية تمثيلية صحيحة، في شأن توزيع السلطات، إلا أنها، في خصوص تولّي هذه السلطات، فهي ديموقراطية نيابية، اصطلاحية، مركبة، وليست عددية بسيطة، كما في الأنظمة الديموقراطية النيابية. والسلطات في لبنان، لها خصوصيتها الفريدة، إذ إن توزيع رئاساتها بين الطوائف، لا مثيل له في أي بلد آخر. بعض البلدان (غير الديموقراطية) تحصر الرئاسة في طائفة أو دين. أمّا في لبنان، فالرئاسات الثلاث (جمهورية، حكومة، مجلس) محصورة في طوائف معينة، وكذلك، نيابة الرئاسات.

ب. مبادئه

نص اتفاق الطائف على عدد من المبادئ، ضماناً لعدم تجدد الحرب الأهلية. من بينها إلغاء هيمنة طائفة بعينها على الطوائف الأخرى، وهي الطائفة المارونية، المهيمنة، بوساطة رئيس الجمهورية الماروني، الممسك بالسلطة الإجرائية، بل المحتكر السلطات الأساسية كافة، خارج إطار المسؤولية والمؤسسات: من السلطة السياسية (في مجلس الوزراء)، إلى السلطة العسكرية (بوساطة قائد الجيش)، إلى السلطة الأمنية (بوساطة مديرَي الأمن العام والاستخبارات)، إلى السلطة المالية (حاكم مصرف لبنان)، إلى السلطة القضائية (مدعي عام التمييز والرئيس الأول)، إلى السلطة التوجيهية والإعلامية (رئيس الجامعة ومدير الإعلام).وقد ألغت وثيقة الوفاق في الطائف هذه الهيمنة، فعادت السلطات كلها إلى المؤسسات الخاضعة لمجلس الوزراء. وهو ما حقق المناصفة في الحكم، بين المسلمين والمسيحيين، والمناصفة في كل من المجلس النيابي ومجلس الوزراء، فتحققت مشاركة جماعية في الحكم.

هكذا، يمكن القول، إن أهم الأُسُس، التي ركز فيها اتفاق الطائف، في ما يتعلق بالمؤسسات وصلاحياتها، تمثلت في إلغاء الهيمنة، وتثبيت المشاركة، وإقرار المناصفة، وحكم الجماعة، والأكثرية المركبة بطلب الثلثَين.

3. اتفاق الطائف، والتغيير المؤسسي

أ. رؤية اتفاق الطائف إلى رئاسة الجمهورية

تحول رئيس لبنان من رئيس للسلطة التنفيذية والسلطة الإجرائية، إلى رئيس للدولة. فهو يعمل، وفقاً لاتفاق الطائف، على السهر على احترام الدستور، والمحافظة على استقلال لبنان، ووحدته وسلامة أراضيه. كما يعمل على تحقيق هذه الغاية، وفقاً لأحكام الدستور، بممارسة صلاحيات محدَّدة، فصّلها الاتفاق والدستور الجديد. وأعطته رئاسة الدولة حق رئاسة المؤسستَين الأساسيتَين، وهما مجلسَا النواب والوزراء، وبحكم هذه المهمة، فإن رئيس الجمهورية مسؤول عن علاقاتهما.

فهو يصدر القوانين. وله أن يطلب إعادة النظر فيها، منفرداً، من دون الحاجة إلى موافقة مجلس الوزراء، مكتفياً بإطلاعه عليها فقط. وهذا الانفراد ينسجم مع كونه رئيساً للدولة، وراعياً لمؤسستَي مجلس الوزراء ومجلس النواب. ويمارس رعايته لمجلس النواب منفرداً، وفقاً لأصول وقواعد دستورية. وله أن يصدر أي تشريع، وإن أصرّ المجلس على رفض إصداره. إلاّ أنه بممارسة هذه الصلاحية، أعطي دور رئاسة الدولة الراعية لجميع المؤسسات رعاية كاملة. إذ إن النصوص الدستورية تفرض، عند إعادة النظر، أكثريات ونصاباً معيّنين، يطمئن معهما رئيس الجمهورية إلى حسن التدبير المتخذ.

إضافة إلى رد القوانين، نتيجة رعايته للمجلس النيابي، أعطي رئيس الجمهورية صلاحية مقابلة، تتعلق برعايته لمجلس الوزراء. وهي صلاحية رد قرارات مجلس الوزراء، في مهلة خمسة عشر يوماً من تاريخ تبليغها، إن رأى فيها تعارضاً مع مصلحة الدولة، أو مع أحكام الدستور. وهو يحيل مشاريع القوانين، المقررة في مجلس الوزراء، إلى المجلس النيابي لدراستها وإقرارها.

ومُنح رئيس الجمهورية صلاحية حضور جلسات مجلس الوزراء وترؤسها، وإبداء الملاحظات والرأي في كل أمر يطرح، والمشاركة في النقاش، من دون حق التصويت في المجلس؛ لأنه ليس منه، بل هو فوْقه، لكونه رئيساً للجمهورية، ورئيساً للدولة. فرئيس الدولة، وفق تعديل الطائف، يُعَدّ رئيساً لمجلس الوزراء، كما هو رئيس لمجلس النواب، ولكن بصفته رئيساً للدولة، وليس رئيساً مباشراً لهاتَين المؤسستَين، لأن لهما رئيسَين مباشرَين. ورعاية الرئاسة لمجلس الوزراء، خولّت رئيس الجمهورية دعوته، استثنائياً، بالاتفاق مع رئيس الحكومة. وله عرض أي طارئ على مجلس الوزراء، خارج جدول الأعمال.

هكذا، أصبح مجلس الوزراء، مجتمعاً، هو السلطة الإجرائية. ورئيس الحكومة هو الرئيس المباشر لمجلس الوزراء. إن هذا التحول في الصلاحيات، فرض على رئيس الجمهورية استشارات نيابية ملزِمة، يشهد على نتائجها رئيس المجلس النيابي، ويسمي رئيس الجمهورية، بنتيجتها، رئيس الحكومة، ويصدر مرسوم تعيينه، منفرداً.

وبالاتفاق مع رئيس الحكومة، وهو الرئيس المباشر لمجلس الوزراء، يصدر رئيس الجمهورية مراسيم تشكيل الحكومة. بعد أن كان يعيِّن الوزراء، ويسمي من بينهم رئيساً، بصفته رئيساً مباشراً للسلطة الإجرائية المنوطة به، وحده. وكان يعيّن معاونين له في الحكم. أما اليوم، فهو ينفذ رغبة المجلس النيابي (أي رغبة الشعب) في اختيار “شركاء حكم في مجلس جماعي”. وبصفته رئيساً للدولة، مُنح رئيس الجمهورية صلاحيات، تتيح تمثيل الدولة، كل الدولة.

أما المهمة، التي أُسندت إلى رئيس الجمهورية، وهي مسؤولية المحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه، فقد أعطته صلاحية محدودة، وهي أن يرأس المجلس الأعلى للدفاع، الذي يجتمع لدى تهديد استقلال لبنان أو وحدته أو سلامة أراضيه. أمّا القيادة العليا للقوات المسلحة، فنالها لكونه رئيس الدولة، ورمز الوطن. فلم يعطِه اتفاق الطائف أي سلطة مباشرة على هذه القوات، فسلطة القرار، بالنسبة إليها، تعود إلى مجلس الوزراء (لأنها تخضع لسلطته، بحكم الدستور)، وسلطة تنفيذ القرار، تعود إلى الوزراء المختصين، والموظفين الآخرين، في نطاق القوانين.

هكذا، رسم اتفاق الطائف دور رئيس الجمهورية ومهامه وصلاحياته. فهو رئيس الدولة، ورئيس جميع مؤسساتها. ورئاسته هي رئاسة رعاية وتنسيق وتصويب، لا رئاسة مباشرة. هو حكم بين المؤسستَين الرئيسيتَين: مجلس النواب ومجلس الوزراء. يصوب مسارهما وعملهما، بموجب صلاحيات محددة، فهو حامٍ للحدود والأرض والاستقلال، يرأس المجلس الأعلى للدفاع، ويدعو، استثنائياً، مجلس الوزراء إلى الانعقاد، ويرأس جلسته. وهو ممثل للدولة برّمتها، وله، وحده، أن يمثلها بأسْرها. ويعتمد السفراء، ويفاوض الدول، ويمنح العفو الخاص.

وقد عكس هذا الواقع، في مجمله، تراجعاً لسلطة رئيس الجمهورية، الماروني، لحساب رئيس الوزراء، المسلم السُّني.

ب. مجلس النواب، وتعديلات الطائف

لم يعدل اتفاق الطائف مهام مجلس النواب، فهو السلطة التشريعية، ويمارس الرقابة الشاملة على سياسة الحكومة وأعمالها. وربما كانت التعديلات الأساسية، هي تلك المتعلقة بحل رئاسة المجلس، وبمدة رئاسته، وبإنشاء مجلس للشيوخ.

وكان الهدف من التعديل الأول، هو التوازن بين السلطات والرئاسات، الموزعة توزيعاً طائفياً. فالمشاركة الفعلية في الحكم، والتعاون المطلوب بين المؤسسات والرئاسات، فرضا إعطاء بعض الاستقرار والاستمرار لرئاسة المجلس، تأكيداً لإلغاء هيمنة رئاسة الجمهورية، والطائفة التي تمثل، على رئاسة المجلس، والطائفة التي تمثل.

أمّا التعديل الثاني، فحدد، حصراً، الحالات التي يمكن فيها السلطة الإجرائية طلب حل مجلس النواب. وحددت بثلاث حالات فقط: عدم الاجتماع، رد الموازنة، والإصرار على تعديل الدستور. وعدا ذلك، لا يحل مجلس النواب. مما يعزز دوره وصلاحياته ومكانته في التوازن مع السلطة الإجرائية، وفقاً لتصور النواب المؤتمِرين في الطائف.

أمّا التعديل الثالث، فيرتبط بأفق السعي الجادّ إلى انصهار وطني تام، يصدر عنه تمثيل شعبي بسيط، غير مركب.

ما أقره اتفاق الطائف، هو، إذاً، تعزيز للسلطة التشريعية، من خلال ضمان الاستقرار في رئاستها، بما يؤمن التوازن مع استقرار رئاسة الجمهورية. فقد تحول المجلس التمثيلي إلى مجلس منتخب على أساس وطني، لا طائفي، ومجلس للشيوخ، يحفظ ذاكرة الوطن وخصوصياته، ويمثل العائلات الروحية. وتنحصر صلاحياته في الأساسيات، التي تهم الوطن والدولة، بشؤونهما العامة، لا الحكم وشؤونه اليومية.

ج. مجلس الوزراء، والتمثيل العادل للطوائف

عُدّ مجلس الوزراء السلطة التي تناط بها السلطة الإجرائية. ويتمثل فيه مختلف الطوائف تمثيلاً عادلاً. أمّا صلاحياته، وفقاً لاتفاق الطائف، فهي:

(1) وضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالات، ووضع مشاريع القوانين والمراسيم، واتخاذ القرارات اللازمة لتطبيقها.

(2) السهر على تنفيذ القوانين والأنظمة.

(3) الإشراف على أعمال كل أجهزة الدولة، من إدارات ومؤسسات، مدنية وعسكرية وأمنية، بلا استثناء. وهو السلطة المقررة، التي تخضع القوات المسلحة لقراراتها.

(4) تعيين موظفي الدولة، وصرفهم، وقبول استقالتهم.

حدد مؤتمر الطائف سلطة القرار التنفيذي في مجلس الوزراء وشكله، بطريقة المشاركة بين الطوائف، وفقاً لتمثيل عادل. فبعد مؤتمر الطائف، أصبح لزاماً تمثيل جميع الطوائف في مجلس الوزراء تمثيلاً عادلاً. فأمسى غير ممكن تشكيل حكومة، يقلّ عدد أعضائها عن أربعة عشر عضواً، كي تمثّل فيها الطائفة الأرمنية. وقواعد التأليف، عرفاً: المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، والمساواة بين الطوائف الكبرى الثلاث: الموارنة، السُنَّة والشيعة، والمساواة بين طائفتَي الدروز والروم الكاثوليك، إلى جانب تمثيل جميع الطوائف الأخرى.

كما أن أهم إنجاز إصلاحي في مؤتمر الطائف، هو تقرير الصيغة الجماعية للحكم، استناداً إلى قاعدة المشاركة والعدل، وتقرير الانتقال من سلطة الفرد إلى سلطة المؤسسة: من دولة الرؤساء إلى دولة المؤسسات. وإمعاناً في الحرص على أن يتحول الحكم إلى حكم مؤسسي، وضع مؤتمر الطائف قواعد للحكم الجماعي، تكفل تحوله إلى حكم مؤسسي. ففرض مقراً خاصاً لمجلس الوزراء، وأميناً عاماً له. كما فرض وضع محضر لجلساته، يوقعه رئيسه. كذلك، وضع أصولاً لانعقاد جلساته، واتخاذ القرارات فيه، تتمثل في ضرورة وضع جدول أعمال محدد، وانعقاد الجلسة بنصاب ثلثَي أعضاء المجلس، لأن الأمور الأساسية والخلافية، يقتضي إقرارها أكثرية الثلثَين.

وقد درست هذه النصوص بعناية فائقة، في مؤتمر الطائف، اقتناعاً بأن مقتضيات الوفاق، واستمرار العيش المشترك، والحفاظ على خصوصيات لبنان الوطن النهائي، تقتضي كلها دراية كبرى بتأليف الحكومات وممارساتها للحكم.

ويمكِن القول، إن اتفاق الطائف قلّص صلاحية رئيس الجمهورية، كرئيس للسلطة التنفيذية، فأصبح دوره تمثيلياً، بل صار رئيساً للدولة، ورمز وحدتها. وهو إن بقي القائد الأعلى للجيش، ورئيس مجلس الدفاع، فإن نفوذه فيهما مرتبط بقرارات الحكومة.

وقضى اتفاق الطائف، ألاّ يترأس رئيس الجمهورية جلسات مجلس الوزراء بشكل دَوري، مثلما كان يحدث قبل عام 1989، بل عندما يرغب فقط، ولا يحق له التصويت، ولا يمتلك في قرارات الحكومة، إلاّ حق النقض (الفيتو)، لتأجيلها. وأمسى غير قادر على اتخاذ قرار، منفرداً، بتعيين رئيس الحكومة، بل هو ملزَم بالتشاور، في هذا الشأن، مع مجلس النواب. ولا يحق له عزل، أو إقالة الحكومة.

وفي المقابل، تعاظم دور رئيس الحكومة؛ فهو الذي يرأس جلسات مجلس الوزراء، وهو المسؤول عن تنفيذ السياسة العامة للحكومة، ويوقع كل المراسيم، باستثناء مرسوم تعيينه. ولكن يحق لمجلس النواب إقالته. كما جرى تدعيم دور رئيس مجلس النواب، فرفعت مدة ولايته من سنة إلى أربع سنوات، أي طيلة دورة كاملة للمجلس. وبما أنه يشرف على المشاورات الإلزامية لرئيس الدولة مع النواب، لتشكيل الوزارة، فقد أصبح “صانع الملوك”، أي رئيس الدولة، ورئيس الحكومة.

ويتولّى الثلاثي الأكبر في لبنان، والذين يطلق عليهم الرؤساء الثلاثة، رئيس الدولة، رئيس الحكومة، رئيس مجلس النواب، تعيين المائة والعشرين شخصاً، الذين يشغلون أرفع مناصب الإدارة، على أن يكون المعيار الأساسي للاختيار طائفياً.

على هذا النحو، استمرت الطائفة المعيار الأساسي، الذي يحكم الحياة السياسية، ومن ثم، النخبة في لبنان. وبينما كان الميثاق الوطني اللبناني، عام 1943، قضية بين طائفتَين، هما “الموارنة” و”المسلمون السُّنة”، فإن ميثاق الطائف استبدل بثنائية الحكم الماروني ـ السُّني، جهازاً جماعياً، يتألف من كل الطوائف، وعليه اتخاذ قرارات “توافقية” بينها. وقاد ذلك التغيير النسبي في وزن الطوائف، الاجتماعي ـ السياسي، بدوره، إلى رفع عدد أعضاء مجلس النواب، من 99 عضواً، قبْل الطائف، إلى 108 أعضاء، في مطلع مايو 1991، وإلى 128 عضواً، في يوليه 1992.

إعلان Zone 5

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.