العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

الحرب الأهلية اللبنانية 1975 (الفصل الاول – 8 حلقات)

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

المبحث الرابع

إعلان Zone 4

إرساء نظام المتصرفية في لبنان، وترسيخ الطائفية

تسوية طائفية، في مصلحة المسيحيين

في الخامس من أكتوبر 1860، شُكلت لجنة دولية، تمثل الدول الأوروبية الكبرى، الخمس: فرنسا وإنجلترا وروسيا والنمسا وبروسيا، برئاسة فؤاد باشا، مندوب السلطان العثماني، ووزير خارجيته. مهمتها التحقيق في “حوادث الستين”، والحيلولة دون تجددها، ورأب الصدع بين طوائف جبل لبنان، ووضْع نظام جديد لحُكمه.

وبعد أن عقدت اللجنة عدة اجتماعات، في بيروت والقسطنطينية، درست، خلالها، مختلف الشؤون، انتهت إلى عدة قرارات. كان أهمها إلغاء نظام القائمقاميتَين، ووضع نظامَين لحُكم جبل لبنان. تألف أحدهما من 47 مادة، والثاني من 17 مادة. ثم رفعت الأمر إلى الباب العالي وسفراء الدول الكبرى، الخمس، في الآستانة، للدراسة، وإقرار الأصلح.

ثم شكل الباب العالي مجلساً، لاختيار النظام الأصلح. تألف من عالي باشا، الصدر الأعظم، عن الدولة العثمانية، وممثلين للدول الخمس. واجتمع المجلس في 30 مايو 1861، فحبّذ الصدر الأعظم إقرار النظام الأول، الذي يقسم لبنان، بموجبه، إلى ثلاث قائمقاميات درزية ومارونية وأرثوذكسية. وأتاح هذا النظام خلق موطئ قدَم لروسيا، من خلال إنشاء قائمقامية أرثوذكسية، بينما رأى الجانب العثماني، أنه يؤكد سلطة دولته على لبنان. غير أن فرنسا، استطاعت أن تقنِع الحكومة الروسية، بالعدول عن التمسك بفكرة التقسيم الثلاثي. وبذلك، تغلّب الجانب المنادي بنبْذ سياسة التقسيم الطائفي، والداعي إلى توحيد الجبل تحت حُكم واحد. ونزل عالي باشا على رغبة الأغلبية، فأُقر النظام الثاني.

وعند البحث في ديانة الحاكم ومَذهبه، تقرر أن يكون مسيحياً، ينتمي إلى مَذهب أكثرية السكان. وبينما كان الصدر الأعظم يرى اختيار حاكم أجنبي، طالب السفير الفرنسي أن يكون لبنانياً. ثم انتهى الرأي إلى تنصيب حاكم عثماني، غير لبناني، لمدة ثلاث سنوات، على سبيل التجربة، ويمنَح لقب متصرف. وأُعلن، وقتئذٍ، في إستانبول، تنظيم جديد لأقاليم السلطنة العثمانية، قسمها إلى ولايات ومتصرفيات وقائمقاميات. ومن ذلك يتضح، أن المتصرف، كان أدنى مرتبة من الوالي، وإنْ كان سفراء الدول الكبرى، الخمس، قد اشترطوا، عند تعديل النظام، أن يمنح متصرف جبل لبنان، عند تعيينه، رتبتَي الوزارة والمشيرية، وهما أعلى رُتَب الدولة العثمانية.

أُقر النظام الجديد، بعد تداول سفراء الدول الكبرى، الخمس، مع الباب العالي. وهو يقضي بإنشاء نظام حُكم جديد في جبل لبنان، يعيد تنظيم إدارة الجبل، لمدة ثلاث سنوات، على سبيل الاختبار. ثم جرى تعديله، عام 1864.

وبموجب هذا النظام، تولّى إدارة جبل لبنان متصرف مسيحي، نصبه الباب العالي. وهو مسؤول أمامه مباشرة، وتولّى السلطة التنفيذية كاملة. وكان من اختصاصه تعيين القضاة، ومأموري الإدارة المحلية، ومن حقه رئاسة المجلس الإداري، الذي تألف من اثني عشر عضواً، بمعدل اثنين لكل من الموارنة والدروز والكاثوليك والأرثوذكس والمتاولة (الشيعة) والمسلمين. وقد تولى هذا المجلس توزيع الضرائب، وبيان الوارد والمنصرف، وإبداء الرأي في المسائل، التي كان يعرِضها المتصرف عليه.

وقد قسمت المادة الثالثة جبل لبنان إلى ست مقاطعات إدارية. يعيَّن في كل منها مأمور إداري، من قِبل المتصرف. ويُختار من الطائفة ذات الأكثرية العددية في المقاطعة، أو التي تمتلك فيها الأملاك العقارية الأكبر. أما المادة الرابعة، فقد نصّت على تكوين مجلس إدارة محلي، في كل مقاطعة، برئاسة مديرها. ويضم بين ثلاثة وستة أعضاء، يمثلون طوائف السكان، ومصالح الملكية العقارية في المقاطعة.

وطبقاً لما جاء في المادة الخامسة من النظام، قُسمت المقاطعات إلى نواحٍ، قُسمت، بدورها، إلى قُرى، رأس كلاًّ منها شيخ.

وحدد بعض موادّ النظام ماهية القضاء، وكيفية التقاضي. ويبدو واضحاً، أن التقسيم الطائفي للسكان، وضع بصماته على السلطة القضائية، كذلك. ففي كل ناحية، قاضي صلح لكل طائفة، ومجلس قضائي ابتدائي، في كل مقاطعة، تمثَّل فيه الطوائف الدينية الست، على غرار مجلس الإدارة، مع إضافة عضو، يمثّل المذهب البروتستانتي، وآخر يمثِّل الديانة اليهودية، إذا كان أحد المتقاضِين بروتستانتياً أو يهودياً.

تعميق الطائفية، ووجود نظامَين في جبل لبنان

استمر اختبار ذلك النظام لمدة ثلاثة أعوام، كتب المتصرف، في نهايتها، تقريراً في شأن إدارته خلالها، ضمّنه آراءه، بالنسبة إلى تعديل النظام. وكانت أول ملاحظة للمتصرف ترى، أن تطبيق بعض الموادّ، أدى إلى تعميق النعرة الطائفية، وإثارة كثير من الأحقاد، وعرقلة سير الإدارة.

والحق، أن طبيعة الأرض اللبنانية، جعلت من جبالها ملجأ لكثير من الأقليات الدينية، التي عمدت إلى التقوقع على نفسها، بعيداً عن هذا الحُكم أو ذاك. إلا أن التنوع الطائفي، على ما انطوى عليه من اختلافات مذهبية، لم يمنع من نشوء زعامات إقطاعية، قادت تجمعات طائفية مختلفة، مما جعل الطابع الاقتصادي ـ الاجتماعي، يتعدى الحدود الطائفية، وهو ما كان يؤدي إليه تنافس الأمراء وكبار المشايخ. وهو ما كان يتأكد، كذلك، حين يتضامن الزعماء الإقطاعيون، من أجْل مواجَهة عدوّ مشترك، وكلما اتحد الفلاحون، من دروز ومسيحيين ومسلمين، دفاعاً عن قضية إقطاعية.

غير أن ذلك كان يمثل ظواهر اجتماعية طارئة؛ إذ استمرت كل طائفة، دينية أو مذهبية، تعيش في معزل عن الأخرى، لاطّراد نمو العوامل الطائفية وتعددها، بعد أن افتقدت الزعامات الطائفية القدرة على التفاهم، نظراً إلى تعدد الاتجاهات الطائفية، واشتد التعصب الطائفي، حتى جنحت كل طائفة إلى التطرف، فضلاً عن ازدياد المفاهيم الطائفية. ومما زاد التباعد بين الطوائف، أن بعضها تملكت خصائص، ميّزتها عن غيرها. فبينما نجد أن البيئة الجبلية، أثرت في مَن لجأوا إليها، من الشيعة والدروز والموارنة، فجعلت منهم قوماً أشداء، ذوي نزعات فردية، غذتها العصبيات العشائرية، كان السُّنة والروم، سكان مدن، يختلفون، بالطبيعة، عن سكان الجبل. ولدى انتقال المفاهيم الطائفية إلى الصراع الطبقي، في ظل الإقطاع، بدأت الدول الأجنبية تتدخل في شؤون لبنان الداخلية، معتمدة على الطائفية، سبيلاً إلى تحقيق مآربها، خاصة أن الأصول الإقطاعية، تأثرت تأثراً كبيراً بتمتع كل منطقة بمناعة طبيعية، تجعلها تشكل ما يشبه الوطن المحلي الصغير.

ولم تكن مسألة تعميق النعرة الطائفية، هي الملاحظة الوحيدة، التي أبداها متصرف لبنان على نظام 1861، في تقريره المشار إليه. وإنما كان هناك مآخذ أخرى، ناقشها سفراء الدول الكبرى، الخمس، في مؤتمرهم، في الآستانة، عام 1864، الذي عقدوه للنظر في حاجة نظام 1861 إلى التعديل، إلى جانب مهام أخرى، تتعلق بحُكم جبل لبنان. كما بحث المؤتمر مسألة تقسيم المقاطعات إلى نواحٍ، تقطن بها جماعات متجانسة، ما أمكَن التجانس، ُتقسم، بدورها، إلى قُرى، لا يقلّ عدد سكان الواحدة منها عن 500 نسمة. ويرأسها شيخ، ينتخبه سكانها، ويعيّنه المتصرف. بينما في القُرى المختلطة، يكون لكل طائفة وافية العدد من السكان، شيخ خاص، لا شأن له إلا بأبناء طائفته. وانتهى البحث إلى إلغاء هذه الفقرة من نظام 1861. ولتخفيف حدّة الطائفية، أقر مبدأ انتخاب أهالي القرية الكبيرة شيخاً واحداً، من أبناء الطائفة الأكثر عدداً. أما القرية الصغيرة، فيعيّن شيخها المتصرف نفسه.

كذلك، رأى المؤتمرون إلغاء مبدأ تعيين قاضي صلح لكل طائفة، في كل ناحية؛ إذ إنه يستدعي تعيين عدد كبير من القضاة، فضلاً عن أنه يرسخ الطائفية في البلاد. ومع الاتفاق على تخويل شيخ القرية بعض المسؤوليات القضائية، أُقر مبدأ تعيين أعضاء المحاكم، بدلاً من انتخابهم من قِبل رؤساء الطوائف. كما وافق السفراء على تطبيق مبدأ التحكيم في المنازعات، التي كانت تنشب بين سكان الجبل والأجانب، تخفيفاً لإجراءات الترافع أمام محكمة بيروت التجارية.

كما عدّل المؤتمر توزيع أعضاء مجلس الإدارة، بشكل يراعي النسبة العددية للموارنة. فتقرر أن يضم المجلس اثني عشر عضواً، بينهم مارونيان، ينوبان عن قائمقاميتَي كسروان والبترون. وثلاثة أعضاء عن قائمقامية جزين، أحدهم ماروني، والثاني مسلم، والثالث درزي. وأربعة عن قائمقامية المتن، أحدهم من الموارنة، والثاني من الروم، والثالث من الدروز، والرابع من المتاولة (الشيعة). وعضو درزي عن قائمقامية الشوف. وآخر من الروم الأرثوذكس عن قائمقامية الكورة. وثالث من الروم الكاثوليك عن مديرية زحلة. ثم فصِل الجزء الشمالي من لبنان (جبّة بشري والزاوية وبلاد البترون ) ليشكل قائمقامية قائمة بذاتها، يحكمها قائمقام ماروني.

ويؤخذ على هذا النظام، أنه جعل حاكم البلاد غريباً عنها. غير أن الظروف، التي سادت بعد “حوادث الستين”، حتمت ذلك. فلم يكُن في وسع الدول الكبرى، الخمس، أو الباب العالي، تعيين حاكم لبناني، ينتمي إلى أي من الطوائف المتصارعة. كما أن فكرة تعيين حاكم عربي، غير لبناني، لم تكن واردة، وقتئذٍ، بالنظر إلى أن تحقيق حِيدَة هذا الحاكم، في رأي أهل البلاد، كان أمراً صعباً.

موقف الدول الأوروبية والدولة العثمانية، من نظام المتصرفية

مَرَّ لبنان بمجموعة من المراحل، قاد كل منها إلى الأخرى. فقد كان لبنان تحت سيادة الباب العالي، وكان يعرف باسم “الجبل”، الذي تمتع بنوع من الحكم الذاتي. واستمر هذا الوضع حتى نهاية 1840، حين انتقل لبنان إلى مرحلة جديدة، عاش، خلالها، في ظل نوع من الحكم، يخضع فيه الفرد خضوعاً كاملاً للدولة، على الرغم من تمتعه بالحكم الذاتي. غير أن هذا الخضوع، أصبح محدوداً، بعد 1840. ثم تأكد ذلك، بصدور بروتوكول عام 1861، لتستمر هذه المرحلة الجديدة نحو نصف قرن، تمتع لبنان، إبّانها، بمؤسسة ديموقراطية، تمثلت في مجلس الإدارة، ويرعاها ضمان أوروبي. وفي هذه المرحلة، أُرسيت أُسُس السياسات الطائفية، التي تميزت بها الديموقراطية اللبنانية.

وكان للسياسات الدولية ثقلها، في توجيه كل مرحلة من مراحل التطور في لبنان. ففي عام 1840، دأبت الدول الأوروبية الكبرى، وفي مقدمتها فرنسا، على التدخل في شؤونه الداخلية. واعتمد عليها لبنان، بدوره، للتخلص من المصريين. كما كان لهذه السياسات أثرها في الدولة العثمانية، منذ عهد سليم الثالث، وخليفته محمود الثاني؛ إذ اطّردت حركة التطور، واتسعت الإصلاحات، التعليمية والعسكرية والإدارية. ناهيك ازدياد المركزية. وفي الوقت نفسه، تخطّى لبنان كونه سنجقية، تابعة لوالٍ من ولاة الدولة العثمانية، وبات ينعم باستقلال ذاتي، تضمنه الدول الأوروبية الكبرى.

ارتأى سفراء الدول الأوروبية الكبرى، المؤتمرون في الآستانة، عام 1864، دعم نفوذ الطائفة المارونية، في النواحي الإدارية، نظراً إلى غالبيتها العددية. غير أنهم وجدوا أن نزع الصفة الطائفية عن دوائر الانتخاب، يضمن أكثرية مارونية، الأمر الذي لم يتفق مع اتجاه بعض الدول الممثلة في المؤتمر. فتقرر إعادة تشكيل مجلس الإدارة، بشكل سمح باشتراك أربعة من الموارنة في عضويته، وثلاثة من الدروز، واثنين من الروم الأرثوذكس، وواحد من الروم الكاثوليك، وآخرين، سُني وشيعي. كذلك ضوعف قضاء كسروان، مركز الموارنة، بما يسمح بتعيين قائمقام ماروني آخر، في مناصب الإدارة العليا. يضاف إلى ذلك تعيين وكيل أو نائب، لدى مجلس الإدارة، ينتخب من الموارنة.

لم يكُن تعميق الطائفية في مصلحة سكان البلاد. إذ آثر كل من المؤتمرين مصلحته على مصلحة اللبنانيين. فسعى إلى الاعتماد على إحدى الطوائف، سبيلاً إلى مدّ نفوذ بلاده، وترسيخه في لبنان. فانتصر الإنجليز للدروز، في تطرف شديد، لا يقلّ عن تعصب الفرنسيين للموارنة.

وبينما سعت فرنسا، في عقب “حوادث الستين”، إلى إنشاء دولة عربية، تحت زعامة عبدالقادر الجزائري، ونشطت إلى ظهور كيان سياسي عربي، منفصل عن الدولة العثمانية، فكرت الحكومة الإنجليزية، على الرغم من سعيها إلى الحفاظ على الأملاك العثمانية موحَّدة، في أن تصبح سورية شبه مستقلة، على غرار مصر، وأن يطبق في جبل لبنان نظام خاص من الحُكم، على أن يكون ذلك في إطار التبعية للدولة العثمانية. غير أن الحكومة العثمانية، رفضت هذا الاتجاه. وتزداد الصورة وضوحاً، بالنظر إلى تلك الفكرة، التي روّجت لها روسيا، في تلك الأثناء، وموقف فؤاد باشا منها. ذلك أن روسيا، حاولت انتهاز التضارب بين باريس ولندن والآستانة، فطرحت فكرة إنشاء قائمقامية أرثوذكسية، سعياً إلى إيجاد موطئ قدم لها في لبنان، أسوة بإنجلترا وفرنسا. إلا أن الفكرة الروسية لم تتحقق، على الرغم من موافقة فؤاد باشا عليها.

وقد حاولت فرنسا، خلال الفترة من 1861 إلى 1914، أن تكون صاحبة اليد الطولى، في إطار ما سمي بسياسة الإمبريالية الجماعية، التي كانت، وقتئذٍ، توجِّه الحكم والسياسة الداخلية في لبنان، مما أظهر تياراً قوياً، ضد قوى الإمبريالية الأوروبية، تبنّاه السلطان العثماني، عبدالحميد الثاني، وجمعية الاتحاد والترقي. وكان لبنان هدفاً لسياسة هذا التيار. فخلال حُكم هذا السلطان، كان نظام المتصرفية، لا يزال يتلمس طريقه إلى الاستقرار. غير أن السلطات العثمانية، جهدت في سعيها إلى إعادة قبْضتها على لبنان، حتى وقع انقلاب عام 1908، الذي قوبل بترحيب كبير، في مختلف ولايات الدولة العثمانية، لأنه نادى بالمساواة المطلقة، وبإحياء النظام البرلماني، الذي كان قد دعا إليه مدحت باشا، عام 1876. وهو يقضي بأن ينتخب العثمانيون نواباً في مجلس الأعيان ومجلس المبعوثان، العثمانيَّين. غير أن الكنيسة المارونية، قاومت هذا الاتجاه، بشدة. كما أيدت الحكومات الأوروبية لبنان، على أن يكون بمعزل عن التمثيل في مجلس البرلمان العثماني، بل إن سكان المتصرفية، استبعدوا فكرة حمْل هوية عثمانية.

وعقب اندلاع الحرب العالمية الأولى، وقبْل دخول الدولة العثمانية طرفاً فيها، وبينما كان كل من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، تتملّق إستانبول، بادرت الحكومة العثمانية، في أكتوبر 1914، إلى إلغاء البروتوكول المطبّق منذ عام 1861، واستبدلت به النظام المتَّبَع في الولايات العثمانية.

القِوى اللبنانية

استقبل اللبنانيون بروتوكول 1861 بالاستياء؛ إذ اقتطع جزءاً كبيراً من أرض لبنان، كما أنه أقر تعيين حاكم أجنبي عليهم. وقد رفض الزعيم الماروني، يوسف كرم، شيخ إهدن، في لبنان الشمالي، الاعتراف بهذا البروتوكول، ورفع لواء الثورة، عام 1866.

وبدأت الصراعات بين القوى، المحلية والدولية، حول اختيار حاكم مسيحي لجبل لبنان. وتبنّت فرنسا مرشحين: مجيد شهاب ويوسف كرم. ورفضهما القنصل الإنجليزي، لأن تعيين الشهابي متصرفاً، ونفوذ الشهابيين، سيؤديان إلى نمو مكانة فرنسا. أما يوسف كرم، فكان قد عمل مع قوات الحملة الفرنسية، التي وصلت إلى بيروت، بقيادة بوفور، إثر “أحداث الستين”. ناهيك علاقته الوطيدة بالكنيسة المارونية. كما أنه كان يلقَى المساندة من جانب اليسوعيين، أو “الجزويت”. غير أن بوفور، كان ضد تعين يوسف كرم متصرفاً، إذ اعتقد أن حاكم الجبل، يجب أن يبتعد بنفسه عن التعصب الديني.

وكان يوسف كرم قد تولّى، عام 1860، منصب قائمقام المسيحيين، وأصبح يتطلع إلى منصب حاكم لبنان. غير أن فرنسا، كانت تشعر أن تعيينه في ذلك المنصب، لن يحقق مصالحها، خاصة أن موقفه أصبح معقداً، منذ أن بدأت القلاقل في كسروان، على يد مؤيدي طانيوس شاهين، الذي اتحد مع الأمير مجيد شهاب، الطامع في الحلول محل يوسف كرم، في منصب قائمقام المسيحيين. فاستخدم القائمقام القوة ضد رجال شاهين، مما وضعه في موقف المناوئ لفرنسا، التي كانت تميل إلى إحياء الإمارة الشهابية. فاستقال يوسف كرم، ثم اتُّفق على تعيين داود باشا، مرشح الدولة العثمانية، متصرفاً على لبنان. وبدأت، بذلك، مرحلة تاريخية جديدة، كانت القوى المتحكمة في توجيهها، تتمثل في محاولات الباب العالي التخلص من نظام المتصرفية، وموقف متصرفي لبنان من القناصل الأوروبيين. وفضلاً عن ذلك، واجَه تطبيق نظام المتصرفية مشاكل عدة، آثارها يوسف كرم، والكنيسة المارونية، وبيت شهاب، في إطار العصبيات المذهبية.

انقسام طائفي حول اختيار المتصرف

اختير داود باشا متصرفاً للبنان. وكان السفير الفرنسي أول من أيد اختياره. وكان عليه أن يواجِه بعض المسائل ذات الحساسية. منها أنه هو نفسه، كان أرمنياً كاثولكياً، فهو يخشى ألاّ يتعاون معه المسلمون. كما أن العصبيات المسيحية، حاولت أن تضطلع بدور في اختيار أول حاكم مسيحي، من داخل البلاد. ولذلك، رأت أن المتصرف حاكم عثماني، أجنبي، يَحسُن التخلص منه. أما الحكومة العثمانية، وهي التي رشحته لهذا المنصب، فكانت تواقة إلى القضاء على بروتوكول 1861، حتى يعود لبنان إلى سيطرتها.

ولكن قناصل الدول الأوروبية، كانوا يحبّذون تنصيب حاكم مسيحي، لا يدين بالولاء لأي دولة أوروبية كبرى. وكان داود باشا، يدرك ذلك تماماً. بيد أنه كان يدرك، كذلك، أنه تولّى منصبه بعد تدخّل أوروبي ذي طابع فرنسي، مما يعطي أولوية متوقعة للقنصل الفرنسي، في توجيه دفة الأمور في البلاد، فضلاً عمّا للقنصل من صِلات قوية بالكنيسة المارونية، والزعامات المارونية. بينما ضعفت ارتباطات القنصل الإنجليزي بالزعامات الدرزية، فضلاً عن هجرة كثير من الزعماء الدروز إلى حوران، ومَن بقي منهم في الجبل، كانت أوضاعهم الاقتصادية متردّية.

وكان على داود باشا مواجَهة نتائج “حوادث الستين”. والتدخل العسكري الفرنسي، والأزمة التي نشبت بين الموارنة، الذين ساءهم أن يساويهم بروتوكول 1861 بسائر العصبيات، وبين الروم، الكاثوليك والأرمن. وهو ما يفسر الريبة، التي لمسها داود باشا، عندما استقبلته طوائف الجبل، وبخاصة الموارنة، حين تسلُّمه مقاليد الحكم. بل إن الروم، بفرعَيهم، الأرثوذكس والكاثوليك، لم يروا في داود باشا إلا موظفاً عثمانياً، ينتمي إلى الأمة الأرمنية المناوئة لهم.

دور الموارنة وكنيستهم

كانت الكنيسة المارونية ضد داود باشا. وكانت تحدوها رغبة أكيدة في تعيين متصرف مرشح من قِبلها. هذا على الرغم من أن المفاوضات، التي انتهت إلى توقيع بروتوكول 1861، كانت تمثل انتصاراً للسياسة الفرنسية، الساعية، منذ عام 1840، إلى إيجاد سلطة مسيحية واحدة في الجبل، تتمتع بالاستقلال عن والي صيدا ووالي دمشق، وترتبط مباشرة بالآستانة، وتضمنها الدول الأوروبية الكبرى، الخمس. فإن فرنسا رأت أن موارنة الجبل، سوف تُهضم حقوقهم، في ولاية مترامية الأطراف، يحكمها حاكم مسلم. كما أدى تعيين داود باشا حاكماً على الجبل، إلى رضاء المسيحيين عن الآستانة، خاصة أنه منح رتبة مشير. وكان لذلك رد فعل معاكس بين المسلمين. وبحصوله على لقب مشير، أصبح موقفه قريباً من موقف حكام الولايات. كما أن ارتباطه مباشرة بالباب العالي، أنقذ البلاد من تجاوزات الموظفين العثمانيين وتعسفهم.

وإزاء مخاوف الكنيسة المارونية من عودة الحكم العثماني، والجنود العثمانيين، إلى الجبل؛ تلك المخاوف، التي أحسَن داود باشا استغلالها ـ استكان الموارنة، راضين بذلك الامتياز، الذي أحرزوه بمقتضى نظام المتصرفية، إضافة إلى أن كنيستهم، كانت مسيطرة على مقدرات النصف الشمالي من لبنان. ومع أن المتصرف أَخفق في أن يكتسب ثقة الكنيسة المارونية؛ إذ كان متهماً بممالأة العثمانيين، إلا أن وجوده، كان يمثل حلاً وسطاً بين عودة الصراع الطائفي، وتمتع لبنان بنوع من الإدارة الخاصة.

ولكن موقف المتصرف، على الرغم من ذلك، كان أقوى من موقف الكنيسة؛ إذ إنه يمثّل حكومة، تحتوي جبل لبنان، ولا يمثّل طائفة بعينها. وبذلك، لم يكن عسيراً عليه، أن يتَّهم خصومه من الموارنة، بأنهم كانوا يرغبون في وجود قائمقامية طائفية مارونية، تجعل البلاد عرضة لصراع جديد. بينما كان المتصرف يعمل من أجل المتصرفية، ككل. وقد اتخذ خطوات تدعم موقفه، منها  في مصلحة أهل البلاد عامة، مثل اعتراضه على إخضاع صادرات البلاد من التبغ، لنُظُم الاحتكارات العثمانية.

ولكن كان في مقدور الكنيسة، أن تثير كثيراً من الشغب ضد المتصرف. وخير دليل على ذلك، قضية نفْي المطران بطرس البستاني، وعواقبها، الناجمة عن خصام بينه وبين رستم باشا، ثالث المتصرفين، الذي دام حكمه نحو عشر سنوات (1873 ـ 1883).

وعلى الرغم من أن رستم باشا، تمكّن من تنظيم الإدارة على الوجه الأكمل، فإنه لم يستطع القضاء على تدخّل الكنيسة في شؤون البلاد. وكان حريصاً على مراعاة امتيازاتها. إلا أنه حينما رأى أن يقتصر نشاط الأساقفة على رسالتهم الروحية، ثارت الثائرة ضده. وقد استغل مطران دير القمر، بطرس البستاني، ومطران بيروت، يوسف الدبس، وقوف البطريرك إلى جانب المتصرف، لإثارة المشاغبات ضد المتصرف والبطريرك معاً. وظَل الخلاف يتفاقم، حتى استهلت السنة الخامسة من ولاية رستم باشا، حين بدأ البستاني يثير العامة، عسى أن تستبدل الآستانة المتصرف. ولدى استفحال الخطر في المناطق المختلطة، بين الموارنة والدروز، طلب رستم باشا من الباب العالي إبعاد البستاني. فسمح بنفْيه إلى القدس.

كان إبعاد المطران الماروني، بطرس البستاني، سابقة في الجبل. فكان طبيعياً أن يحدِث ذلك رد فعل قوياً عند بعض الأهالي، الذين تثيرهم العصبيات المذهبية. أما الإكليروس الماروني، فقد عَدّ نفْي المطران البستاني، ضربة موجَّهة إلى نفوذه.

والحق، أنه لو طبق المتصرف بروتوكول الجبل، مع القوانين المتعلقة به، وتلك السارية في السلطنة العثمانية، لحرمت الكنيسة ورجالها من جميع الامتيازات. وكان المطارنة على علم بهذا الأمر. غير أن أساليب الإثارة، وكتابة الشكاوى الجماعية، والمنشورات، جعلت الحكومة العثمانية تعيد النظر في إبعاد المطران. وكانت الكنيسة المارونية، تطالب بمنْح الحرية للمطران المبعَد، وبعودته إلى دير القمر. وتفاقم الأمر، إلى حد اضطر الحكومة إلى استدعاء رستم باشا إلى الآستانة، في 3 فبراير 1879، للتداول في وضع حدّ للصعوبات، التي آثارها نفْي البستاني. ويبدو أن مساعي فرنسا، في العاصمة العثمانية، اتجهت نحو عزْل المتصرف؛ إذ كان عليها أن تختار بين إرضائه وإغضاب الإكليروس الماروني. وأخيراً عاد المطران المبعَد، بموجب قرار، اتخذه رستم باشا، في 10 أبريل 1879، أثناء وجوده في الآستانة.

وتوضح الأحداث التاريخية، التي واكبت عزل المطران البستاني ونفْيه ثم إعادته، مدى قوة الضغوط، التي كان من الممكن أن تمارسها الكنيسة المارونية. على الرغم من أن نظام 1864، نزع من الإكليروس بعض الامتيازات، التي منحهم إياها بروتوكول 1861، ومنها أن الوكلاء وأعضاء المجالس، كان يعيّنهم، بموجب التمثيل الطائفي، البطريرك والمطارنة.

وكان لا بدّ من وضع حدّ بين السلطة الزمنية وسلطة الكنيسة، وتنظيم المسألة الكنسية المعقدة. فنزع نظام 1864 من المؤسسات الكهنوتية حق حماية العلمانيين أو رجال الدين، الذين تلاحقهم النيابة العامة. غير أن النظام نفسه، أبقى على استقلال الكهنة القضائي، باستثناء الحالة، التي يكون أحد أطرافها علمانياً، إذ أوجب أن تنظر فيها المحكمة المدنية. إلاّ أن هذا الاستقلال القضائي، جعل الكنيسة دولة داخل الدولة، ووفّر لها قوة منظمة، في مواجَهة السلطة المدنية، خاصة أن دائرة الأوقاف، اتّسعت إلى حدّ أنها أصبحت تشكل خطراً على اقتصاد البلاد، فأغرت الكهنة بالدخول في صراعات مع حاكم الجبل.

الــدروز

أما الدروز، فكانوا قد يئسوا من استعادة سيادتهم السابقة، واستكانوا لتردي إمكاناتهم الاقتصادية. فاكتفوا باستمرار زعامتهم المحلية، التي تركزت في بعض الأُسَر الدرزية الكبرى، وبعدم المساس بتقاليدهم، المذهبية والاجتماعية.

وكان نظام المتصرفية عاملاً جوهرياً، في فصل منطقة حوران الدرزية عن دروز لبنان. ففقدوا الدور القيادي، الذي مارسوه من قبْل، في عهد الإدارة المصرية، وفي خلال “حوادث الستين”. ولذا، لم يظهر لهم دور واضح في تطور أحداث لبنان، خلال عهد المتصرفية.

أما العامل الثاني الذي قلّل من شأن الدروز، فهو انخفاض المستوى الثقافي. إلى جانب ما كتبه الموارنة عن أنفسهم، وقِلة من كتب عن الدروز.

وظل وجود الدروز في الجبل مقصوراً على منطقة الشوف، باستثناء دير القمر، التي طُردوا منها نهائياً. أما في شمالي الجبل، فظلوا في مَواقعهم التقليدية، في منطقة عاليه وما حوْلها.

واضطر الدروز إلى مسايرة داود باشا، لأسباب عدة. أهمها الفرقة بينهم وبين المسيحيين، بعد “حوادث الستين”. وقضاء نظام المتصرفية على نظام الإقطاع، الذي كانوا، في ظله، مستقلين عن الآستانة. وقضاء النظام الجديد على مركزهم، الاجتماعي والعسكري، في الجبل. إضافة إلى أنهم أصبحوا مجزّئي الأوصال؛ إذ خرجوا من الحرب الأهلية بلا قيادة، بعد نفْي أغلب زعمائهم، وفقدوا كيانهم السياسي، القائمقامية الدرزية، وبات عليهم أن يخضعوا، في ظل نظام المتصرفية، لحاكم مسيحي. ومما زاد في ضيقهم الدفين، تمتُّع الكاثوليك والأرثوذكس بما تمتَّع به الموارنة، وهم الذين كانوا يقفون في وجههم موقف الند للند.

إن تقسيم سكان الجبل إلى ست طوائف، بموجب بروتوكول 1861، حمل الدروز على إدراك ميزة الحماية، التي يكفلها لهم المتصرف، لو أنهم استكانوا للنظام الجديد، على الرغم من احتراسهم منه، لكونه مسيحياً.

الشيعة

طالما شعر الشيعة بأن نظام المتصرفية قد ظلمهم، إذ فصَلهم عن متصرفية لبنان. بيد أن شيعة البقاع أَنِسوا إلى خروجهم من نظام حُكم، يرأسه مسيحي. ولكن، خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بات الشيعة يعانون ضغط الحُكم السُّني، العثماني. وكراهيتهم لنظام الحكم العثماني، وللرئاسة المسيحية لنظام المتصرفية، حملتهم، فيما بعد، على رفض ضمهم إلى دولة لبنان الكبير، بل طالبوا بنوع من الاستقلال عن نظام الانتداب.

الروم الأرثوذكس

أما الروم الأرثوذكس، فقد كانوا في مستوى ثقافي، أقلّ مما كان عليه الموارنة. كما أنهم لم يتمتعوا بمظاهرة دولة كبرى، كما الموارنة. لذلك، فقد استكانوا لنظام المتصرفية، لعجزهم عن مقاومته، من ناحية، ولأنه لم يتعرض لتقاليدهم الاجتماعية، من ناحية أخرى. إلا أنهم أصبحوا عرضة لنشاط الجمعيات التبشيرية، البروتستانتية والكاثوليكية. ونجحت الجمعيات التبشيرية البروتستانتية في تحويل عدد منهم إلى المذهب البروتستانتي. يضاف إلى ذلك، أن روسيا فتحت قنوات معهم، وإن كان ذلك على نطاق محدود، بالنسبة إليهم. إلا أن ذلك لم يجعل منهم قوة معادلة للموارنة. ولذلك، لم يكن لهم دور في مقاومة نظام المتصرفية، إلا بالقدر الذي يحدّ من التفوق الماروني فقط.

دور التعليم والبعثات التبشيرية

وصل إلى لبنان، في أوائل القرن التاسع عشر، البعثات التبشيرية الكاثوليكية، وهي فرنسية، والبعثات التبشيرية الإنجيلية (البروتستانتية)، وهي أمريكية، في الأغلب، إضافة إلى المؤسسات التبشيرية البريطانية. وكان لكل من هذه البعثات دورها في ترسيخ الطائفية.

اتّبع المبشرون الأمريكيون نظاماً تبشيرياً، يختلف عن أمثاله، البريطاني، والهولندي والأسباني؛ إذ إن البريطانيين والهولنديين والأسبان يبعثون بالمبشرين بعد الجنود، بعكس المبشرين الأمريكيين، الذين اتجهوا نحو أزميرIzmirوغيرها، بعد التجار، دون أهداف سياسية قوية، واضحة. ومن ثَم، فقد كان الطابع الروحي، الذي أُضفي على المبشرين الأمريكيين، غير مشكوك فيه، خاصة أنهم وصلوا في ظروف التوافق الأوروبي في المنطقة، فضلاً عن أن المؤسسات الروحية، البريطانية والأمريكية، كانت متشابهة إلى حدّ كبير، وأن الانفصال السياسي، بين الأمريكيين والإنجليز، لم يصاحبه انفصال في مؤسساتهما الروحية.

وكانت البعثات التبشيرية البروتستانتية الأمريكية الأولى، تهدف إلى:

إعلاء شأن البروتستانت في الشرق.

تحويل المسلمين واليهود إلى البروتستانتية.

غزو العقيدة الإسلامية في عقر دارها.

نشر البروتستانتية.

جمع المعلومات عن منطقة الشرق، العربي والإسلامي، حتى فارس.

وكانت العقبات التي وقفت في وجه نشاط البعثات التبشيرية الأمريكية، في المنطقة، تكمن في:

جهل اللغات كافة، المنتشرة في الشرق.

الطوائف بعضها من بعض. وحذرها جميعاً الفكر المذهبي الأجنبي، الوارد.

نظام المِلَل، الذي منح كل طائفة من الطوائف الدينية، حق حماية نفسها من تعديات أي طائفة أخرى، الأمر الذي عوق نشاط البروتستانت.

وقد حققت الإرسالية الأرثوذكسية الأمريكية بداية حسنة، في حقل التعليم، خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر؛ إذ أنشأت عدداً من المدارس الخارجية، ومعهداً داخلياً في بيروت، وآخر في عبيه، وبضع مدارس في أنحاء من جبل لبنان، انتظم فيها عدد من التلاميذ، يراوح بين 300 و400 تلميذ.

وكان الأسلوب الأول، الذي اتخذه المبشرون الأمريكيون وسيلة لاستمالة أهل البلاد، هو تعليم اللغة الإنجليزية. فأقبل التلاميذ على تعلّمها، فانتشر أمر النشاط البروتستانتي، مما دعا الإكليروس المحلي إلى مقاومته، فتشتت التلاميذ، الذين التحقوا بالفصول الأمريكية. غير أن المرسَلين الأمريكيين، افتتحوا مدرسة لتعليم اللغة الإيطالية، في مقر البعثة التبشيرية الأمريكية في بيروت، بدأت بتعليم سبعة تلاميذ، وما لبث العدد أن ازداد. واتّسع نشاط البعثة، على الرغم من مقاومة الإكليروس، الماروني والأرثوذكسي، على حدّ سواء. وبذلت الجهود للحؤول دون تعليم الأولاد في المدرسة البروتستانتية. غير أن تلك الجهود باءت بالفشل؛ إذ كان أبناء طائفة الروم الأرثوذكس وتلاميذها، أكثر جرأة على بطريركهم من جرأة الموارنة على كبيرهم. وعلى ذلك، دأبت المدرسة في نشاطها، مستهدفة نشر التعاليم الإنجيلية، من وجهة النظر البروتستانتية، وتطوير جهود البعثة التبشيرية، وتعليم العربية المحلية والإيطالية. وبعد تحقيق هذا النجاح، اتجهت البعثة التبشيرية الأمريكية إلى توسيع مجال نشاطها، إلى ما وراء بيروت، إلى القُرى العديدة داخل البلاد.

وقد تصور بعض أعضاء البعثة التبشيرية الأمريكية، أن جانباً من الدروز، كان على استعداد للتحول إلى البروتستانتية. واتخذ المبشر الأمريكي بيرد، من القرية الدرزية، عاليه، مركزاً للتبشير بين الدروز. كما زار المبشر سميث، عدة قُرى درزية، ليتحقق من حاجتها إلى مدرسين. غير أنه لم يرغب في التنصّر سوى قلّة قليلة جداً من الدروز. وما كان إقبال الدروز على أفراد البعثة التبشيرية الأمريكية، إلاّ وسيلة، وليس غاية. وانتهى الأمر بأن تخلّص الدروز من المبشرين ومن المدرسين الأجانب.

على الرغم من كثرة المدارس البروتستانتية الأمريكية، وجهودها الدائبة، خلال العشرينيات والثلاثينيات من القرن التاسع عشر، فإن اللبنانيين، الذين اعتنقوا البروتستانتية، كانوا قلة، نظراً إلى العقبات، الخارجية والداخلية، التي اعترضتها، إذ تزامنت الحربان الأهليتان، الأمريكية واللبنانية، فتدنّى الإمداد بالأموال. فضلاً عن أن بعثات تبشيرية أوروبية عديدة، كاثوليكية وبروتستانتية، بدأت، منذ عام 1860، تتوافد على البلاد، منها البعثة الكاثوليكية الرومانية، والبعثة البريطانية ـ السورية. وكانت “الجزويت” أقوى تلك البعثات، إذ شمل نشاطها المدن الرئيسية في لبنان، ابتداء من عام 1831.

أما الفاتيكان، فقد خشي النشاط التبشيري الأمريكي، البروتستانتي، فسارع إلى حثّ البطريرك الماروني، والقاصد الرسولي إلى الشام وفلسطين، على أن يحُولا دون استمرار النشاط التبشيري الأمريكي. وكذلك ضيّق الموارنة على نشاط البعثة التبشيرية الأمريكية، على المستويات، الحكومية والشعبية والمذهبية.

في الوقت نفسه، كان قناصل فرنسا، في صيدا وبيروت، يبعثون تقارير وافية حول نشاط المبشرين الأمريكيين، محذِّرين من أخطاره على النفوذ الفرنسي في المنطقة. وكان رد الفعل الفرنسي متمثلاً في تنشيط البعثات التبشيرية الكاثوليكية في المنطقة، على أُسُس أوسع نطاقاً، خاصة في مجالات التعليم.

ولم يكفِ المبشر الأمريكي، هنري جيسوب، عداؤه لنظام الدولة العثمانية، فجاهر بعدائه للإسلام نفسه، بكل تعصب وحماسة. وفي عام 1879، ألقى كلمة في “جمعية عمومية” للكنيسة، البرسبتارية (Presbyterian Church)، في ساراتوجا Saratoga، في الولايات المتحدة الأمريكية، بلوَر فيها فلسفته، في شأن أهداف البعثات التبشيرية. ودعا إلى الإفادة من الوسائل، السياسية والتبشيرية والتعليمية، لتنصير المسلمين. وكان يضع الأساليب السياسية قبْل الأساليب، التبشيرية والمذهبية. وعُدَّ ذلك تغييراً أساسياً في فلسفة التبشير. وكان المبشرون يرون أن ارتباط الدولة العثمانية بالإسلام، وجعله الدين الرسمي للدولة، هما العقبة في طريق انتشار التبشير بين المسلمين. ولذلك، دعا جيسوب إلى “حماية بريطانية” على الولايات العثمانية الآسيوية، عملاً على التخلص من تلك العقبة؛ إذ إنه قدّر أن تلك الحماية، ستجعل التحول إلى النصرانية أمراً مشروعاً، فضلاً عن أن نشاط الجمعيات التبشيرية، سيفتح الطريق أمام المسيحيين، الإنجليز والأمريكيين، إلى السيطرة، سياسياً، على البلاد الإسلامية. وكان هذا المبشر (1888)، يرى أن الشرق العربي، كان يقع تحت “السيادة الإنجليزية”، بينما كانت الولايات المتحدة الأمريكية، “تمتلك” عقول أهل سورية وقلوبهم.

وبعد مؤتمر برلين (1878)، الذي ظُن أنه حفظ للدولة العثمانية كيانها، أو ما تبقى منه، كانت البعثات التبشيرية الأجنبية، تدعو إلى القضاء عليها. ومع هذه الدعوة، انتشرت فكرة أن فرنسا وبريطانيا، كانتا ستتوليان إدارة سورية. وعندما ألقي القبض على اثنين من المدرسين الأرمن، كانا يعملان في مدرسة للمبشرين الأمريكيين البروتستانت، بتهمة توزيع منشورات معادية للدولة العثمانية، ثارت ثائرة الإنجليز والأمريكيين، حتى اضطر الصدر الأعظم إلى العفو عنهما، وانتهى الأمر بأن أُخرجا، بعد ذلك، من البلاد.

ولمّا صدرت تعليمات الباب العالي، بالتوسع في التعليم ذي النظُم الحديثة، ونشط العثمانيون في فتح المدارس، على اختلاف مستوياتها ـ رأت البعثات التبشيرية ذلك خطراً شديداً على نشاطها. وكان اعتراض البعثات التبشيرية شديداً على المادة 129، من قانون التعليم العثماني، إذ كانت تفرض أن يكون معلمو المدارس، العائدة للبعثات التبشيرية، ذوي مؤهلات، تعترف بها وزارة المعارف العثمانية، وأن ترسل نسخ من المناهج والكتب، التي تدرَّس في تلك المدارس، إلى وزارة المعارف، أو فروعها في مراكز الولايات العثمانية، حتى تصدر الموافقة عليها، أو تحذف غير الملائم منها. ولا شك أن الهدف من وراء ذلك، تمثّل في التخلص من أي مناهج، تتعارض مع سياسة النظام العثماني وأخلاقياته وأهدافه. وحينما أقدمت الحكومة العثمانية على إغلاق أربع مدارس، تابعة للبعثة التبشيرية الأمريكية، خالفت تلك التعليمات، شنّ المبشرون الأمريكيون حملة شعواء، على ما أسموه بعدوان الدولة على بناء الكنائس والمدارس والمستشفيات. وتحركت القوى البروتستانتية، مع أن المسألة لا تزيد على كوْنها إجراءات معتادة في الدولة العثمانية، وسواها من الدول. ودعت الحكومة البريطانية إلى العمل على إيقاف “الاضطهاد التركي” للمسيحيين. كما دعت ألمانيا ودول أوروبية أخرى إلى الضغط على الدولة العثمانية، من أجل “تحقيق” حرية العقيدة “وحمايتها”. وهكذا، كان أسلوب البعثات التبشيرية في الحفاظ على مقومات نشاطها، وفي الحصول على امتيازات جديدة، من طريق إثارة القضايا، التي لا تمتّ بصِلة إلى المسألة التي كانت مثار الخلاف. وكانت هذه القضايا تثار بذكاء، وتستهدف إثارة المشاعر ضد الدولة العثمانية، في مختلف أجزاء أوروبا وأمريكا، حتى تضطر السلطات العثمانية إلى الرضوخ.

وقد عمدت السلطات العثمانية إلى إغلاق عدد من المدارس، التابعة للبعثة التبشيرية الأمريكية، تنفيذاً للمادة 129 من قانون المدارس، الأجنبية والخاصة، لأن المبشرين الأمريكيين البروتستانت، كانوا قد عملوا على تأسيس هذه المدارس في مناطق، أغلبية سكانها من المسلمين، بينما كان العثمانيون يسمحون للبعثات التبشيرية بتأسيس مدارسها، في المناطق ذات الأكثرية المسيحية. وكانت البعثات التبشيرية، غير الأمريكية، تراعي تطبيق هذه السياسة. وكان المبشرون الأمريكيون يثيرون مشاعر الإنجليز والأمريكيين، ضد ما أسموه “بالتعديات العثمانية على المسيحية والمسيحيين”، وعلى التدخل التركي “الشخصي”، في أعمال البعثات التبشيرية ونشاطها، مثل ادعائهم:

إبعاد إحدى البعثات التبشيرية عن إربد (شرق نهر الأردن).

رفض إقامة كنيسة ثانية للبروتستانت، في صيدا.

“إصرار” الأتراك على منع حرية العبادة، بإغلاقهم مدرستَين في قريتَين، في منطقة بانياس.

عدم شرعية إغلاق المدارس المُقامة في قُرى، تقع بين طرابلس وحماه.

رفض السلطات العثمانية بناء مستشفى، في الناصرة.

وكان عالي باشا، وزير خارجية الحكومة العثمانية، قد وجّه مذكرة مسهَبة إلى بولور، السفير البريطاني في الآستانة، في 30 نوفمبر 1865، جاء فيها:

منح الخط الهمايوني طوائف الدولة العثمانية كافة، ضماناً للحرية المذهبية، هو أقوى من ذلك الضمان، الممنوح في بعض الدول الأوروبية.

يوفر الخط الهمايوني حماية كل طائفة من عدوان طائفة أخرى عليها.

تُفرض عقوبات شديدة في بريطانيا على من يتعرّض لحقيقة المسيحية، فلماذا تحرم الدولة العثمانية الحفاظ على عقيدتها، بِسَن التشريعات الملائمة؟

تخلّت البعثات التبشيرية عن الأسلوب الهادئ، وعمدت إلى استغلال الحاجات، الاقتصادية والاجتماعية، في إغراء العامة والبسطاء بالتحول عن عقيدتهم، وهو أسلوب كفيل بإثارة المشكلات الطائفية، في كيان متعدِّد الطوائف.

التوزع السكاني الطائفي، أثناء الانتداب

كان مسيحيو الجبل يطالبون بدولة لهم في الجبل، مستقلة، أو تحت حماية فرنسا. وقد وافقت هذه الرغبة أمنية فرنسا، تجزئة سورية إلى خمس دويلات: واحدة في لبنان، وأخرى في حلب، وثالثة في وسط سورية، ورابعة في دمشق، وخامسة في جبل الدروز.

ولكن عندما تأكد الفرنسيون استحالة تحقيق هذه الأمنية، بسبب معارضة المواطنين السوريين، قررت الدولة المنتدبة، أن تنشئ دولة لبنان الكبير، وذلك لكي تضمن مصالحها، السياسية والاقتصادية، وتوفر، في الوقت عينه، للدولة الجديدة، حدّاً أدنى من الأسباب الاقتصادية لاستمرارها. وهكذا، قضت مصالح فرنسا على الرغبة المسيحية، من جهة. وأهملت، من جهة أخرى، إرادة المسلمين.

في 23 مايو 1926، أعلن المفوض السامي الفرنسي، هنري دو جوفنيل، دستور لبنان الكبير. وفي خلال الفترة، الممتدة من عام 1926 إلى عام 1943، كان رؤساء دولة لبنان الكبير يعيَّنون وينتخبون. كما عُلِّق الدستور، من 9 مايو 1932 حتى 22 نوفمبر 1934، ومن 21 سبتمبر 1939 حتى 18 مارس 1943. وبعد أن كان قيام هذا الكيان مرفوضاً من المسلمين والمسيحيين، أصبح الطرفان يقبلانه، للسببَين التاليَين:

المسيحيون، الذين يتملكهم الحنين إلى جبل لبنان، استطاعوا، بعد أن اطمأنوا بسيطرتهم على الدولة الجديدة، أن يتكيفوا معها، وهي المؤيَّدة من الفرنسيين، والتي يبررها ما تحققه لهم من مصالح.

أما المسلمون، الذين اقتُطِعت مناطقهم من الوطن الأم، والذين يَعُدّون أنفسهم جزءاً لا يتجزأ من سورية والعالم العربي، وعلى الرغم من أنهم لم يلتحقوا بسهولة بالكيان الجديد ـ فقد قبِلوه، معتقدين أنهم سيتمكنون من الاضطلاع فيه بدور مهم.

وفي عام 1943، بين التاسع والعشرين من أغسطس والخامس من سبتمبر، جرت انتخابات نيابية، فاز فيها دعاة الاستقلال. وانتخب، على أثرها، بشارة الخوري رئيساً للجمهورية اللبنانية، في سبتمبر 1943، وكان ذلك إيذاناً بانطلاقة الحركة الاستقلالية.

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.