العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

الخلافات بين مصرف لبنان ووزارة المال: من يحمل الخسائر؟

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

«علينا أن لا نعطّل هذا التصحيح الكبير»، بهذه العبارة ردّ حاكم مصرف لبنان رياض سلامة أمس على قرار وزارة المال القاضي بالتوقّف عن إصدار سندات الخزينة حتى إشعار آخر، وبالتالي قرر نقل جانب من التباينات الكامنة بين الطرفين إلى العلن، فما الذي يحصل بينهما؟ ولماذا؟ وكيف سينعكس ذلك على مشروع الموازنة والإجراءات الضريبية المقترحة؟ وهل الصراع هو على الخيارات أم على توزيع الخسائر الناتجة من الأدوات المعتمدة لامتصاص السيولة الفائضة؟

المعلومات التي كشفتها «الأخبار» في عددها الثلاثاء الماضي عن تراكم فائض في حساب الخزينة يبلغ نحو 6500 مليار ليرة (أو ما يعادل 4.3 مليارات دولار)، أثارت صدمة فعلية، ولا سيما أن المشاورات التي يجريها فريق رئيس الحكومة سعد الحريري لإقناع الكتل النيابية الأساسية بالقبول بزيادات ضريبية واسعة لم تتطرّق إلى هذا الأمر إطلاقاً، لأن ذلك كان سيزيد من صعوبة التوافق، وسيمنح المعترضين والمتحفّظين على زيادة ضرائب الاستهلاك حججاً أقوى لإجهاض هذه الإجراءات ومنع إمرارها… فحجم الفائض المذكور كبير جدّاً بكل المقاييس، وهو يمثّل نحو 38% من مجمل الإنفاق المحقّق في العام الماضي، ونحو 145.6% من قيمة العجز في العام نفسه التي بلغت نحو 4462 مليار ليرة، وهو بالتالي يغطّي كامل العجز المتوقّع في مشروع موازنة هذا العام، بما في ذلك الإنفاق الإضافي المتوقّع أن يبلغ 2000 مليار ليرة، وذلك من دون اتخاذ أي إجراء ضريبي استثنائي!
هكذا يقول المنطق، لمن يريد أن يلجأ إليه في ظل «الحلقة الجنونية» المستمرة لجذب المزيد من الودائع بما يفيض عن حاجات البلاد وقدرتها الاستيعابية والاضطرار إلى امتصاصها بأدوات مكلفة جدّاً على الاقتصاد والمجتمع… فالدين الفائض عن الحاجات التمويلية الفعلية بات قائماً، ويتم تسديد الفوائد عليه، سواء تم استثمار هذا الدين وإنفاقه أو لم يتم ذلك. وتكفي الإشارة إلى أن خدمة الدين العام المعلنة رسمياً ارتفعت في العام الماضي وحده من نحو 5304 مليارات ليرة إلى نحو 6087 مليار ليرة، أي بزيادة 783 مليار ليرة، وهذا على الرغم من انخفاض أسعار الفائدة على إصدارات سندات الخزينة الجديدة. ويُتوقع أن ترتفع خدمة هذا الدين بما لا يقل عن 900 مليار ليرة في هذا العام تعبيراً عن الكلفة غير المبررة لامتصاص فائض السيولة عبر وزارة المال. وهذه الكلفة لا تشمل الأداة الأخرى للامتصاص عبر شهادات الإيداع التي يصدرها مصرف لبنان من جهته، والتي بلغت ضعفي ما أصدرته وزارة المال بواسطة سندات الخزينة، وبكلفة أكبر ستنعكس مزيداً من الخسائر المتراكمة في ميزانية المصرف المركزي.

من يحمل الخسارة؟

إعلان Zone 4

❞التوزيع السابق لامتصاص السيولة كان يوزّع الخسائر بين مصرف لبنان ووزارة المال، وفي الحالتين يتحملها دافعو الضريبة❝

الصدمة التي أثارها نشر هذه المعلومات ـــــ الفضيحة، اضطرّت وزيرة المال ريا الحسن إلى التعجيل باتخاذ قرار كان مؤجّلاً بانتظار التوافق على مشروع الموازنة والوصول إلى تسوية مع حاكم مصرف لبنان في شأن البدائل لامتصاص السيولة وآليات مساهمة المصارف في دعم الموازنة… فسارعت، بعد التشاور مع رئيس الحكومة سعد الحريري، إلى إبلاغ مصرف لبنان في اليوم نفسه لنشر المعلومات (أي الثلاثاء) بالتوقّف عن إصدار سندات الخزينة حتى إشعار آخر، لأسباب، قال سلامة أمس، إنها تعود إلى الفائض المتوافر في حساب الخزينة، ولاعتبارات ترتبط بمشروع الموازنة… أي إن سلامة قصد أن يوضح أن هذا القرار لا يرتبط فعلياً بمبدأ امتصاص السيولة الفائضة الذي سيستمر بالأدوات الأخرى، وأهمها شهادات الإيداع التي يصدرها مصرف لبنان، وإنما يرتبط بالشكل، أي برغبة فريق سعد الحريري في المحافظة على نسبة عجز وهمية تبدو للآخرين كأنها نتيجة عملية ضبط وتشدد ماليين، وبالتالي تصبح زيادة الضرائب مبررة، بهذا المعنى، ووفقاً للشعار، الذي كان يردده رئيس مجلس الوزراء السابق فؤاد السنيورة منذ أن كان وزيراً للمال في حكومات الرئيس الراحل رفيق الحريري، عن أن «لا إنفاق إضافياً من دون إيراد إضافي». وهذا هو الشعار الذي ساهم في تفاقم أزمات الكهرباء والمياه والنقل وارتفاع أسعار الاتصالات ورسوم البنزين… وهي أزمات تفاقمت مع السنوات في ظل «معزوفة» زيادة الفائض الأولي في الموازنة، وهو الفائض الذي يجري احتسابه على أساس النفقات من دون خدمة الدين العام والإيرادات الضريبية وغير الضريبية، علماً بأن الإصرار على زيادة حجم هذا الفائض «الوهمي» يعبّر عن إصرار يثير القلق على تحميل المقيمين أعباء ضريبية تتجاوز كثيراً ما يحصلون عليه عبر الإنفاق العام، بما في ذلك مسارب الهدر والفساد والتوزيع السياسي والمحاصصة الضيّقة بين المهيمنين على كتل الطوائف والمذاهب.
المسألة تنحصر في الشكل إذاً، لأن إعلان سلامة عن مواصلة امتصاص السيولة من المصارف عبر شهادات الإيداع بعد إعلان وزارة المال التوقّف عن إصدار سندات الخزينة، يعني بوضوح أن جزءاً من الخسائر التي كانت تحملها وزارة المال في الموازنة العامّة، سينتقل إلى ميزانية مصرف لبنان، فيما التوزيع السابق لعمليات الامتصاص كان يوزّع مجمل الخسائر بين الطرفين، وهو أمر لا يعدو كونه مسألة حسابية مجرّدة، باعتبار أن الدولة اللبنانية هي التي تحمل هذه الخسائر في الحالتين، وبالتالي يحملها الاقتصاد والمجتمع عبر الضرائب والرسوم المفروضة لخدمة الدين العام وتسديد الفوائد وعبر رفع أسعار الفوائد والأكلاف عامّة.
وعلى الرغم من الجانب الشكلي لهذه المسألة، فإنّها مهمّة بالنسبة إلى الرقيب الدولي، ولا سيما صندوق النقد الدولي، الذي طالما حذّر في تقريره عن لبنان من الإفراط في تسجيل الخسائر في ميزانية مصرف لبنان وتمويله الخزينة العامّة، كما حذّر من استمرار الفوضى المالية في الموازنة.

موقف سلامة

لقد انتهز سلامة رعايته أمس لمنتدى الاتحاد العام للغرف العربية عن «الحوكمة وإدارة المخاطر والالتزام في قطاع المال والأعمال»، ليشرح موقفه بكل وضوح. فقد أعلن أن التحكم بالتضخم والحدّ من المضاربة، على الرغم من السيولة المرتفعة، سيبقيان الهدف الأساسي لمصرف لبنان. ومن أجل تحقيق ذلك، سيتابع عن كثب تطوّر السيولة المتوافرة في الأسواق وتأثيرها على تطور أسعار الأصول والخدمات، واضعاً هدفاً بأن لا يتجاوز معدّل التضخّم 4% في عام 2010.
تحديد هذا الهدف اقترن بالإشارة إلى أن السيولة المحررة للتسليف لدى المصارف تبلغ حالياً نحو 15 مليار دولار أميركي، أي إن هذه السيولة لا تزال موجودة لدى المصارف وتحتاج إلى تعقيم وامتصاص لكي لا تتحوّل إلى عامل ضغط على المصارف ومعدّلات ربحيّتها، ولكي لا تنعكس سلباً على الأسواق وأسعار الفوائد.
وقال سلامة، بعد إعلانه قرار وزارة المال بالتوقّف عن إصدار سندات الخزينة، إن مصرف لبنان سيواصل سحب فائض السيولة من خلال إصدار شهادات الإيداع، وذلك منعاً لارتفاع أسعار الأصول والخدمات ومنعاً للمضاربة وحماية لميزان المدفوعات … إلا أنه غمز من قناة وزارة المال وما تمثّله، بإشارات واضحة إلى خطأ هذا القرار برأيه. فالسيولة المرتفعة التي تدفقت إلى لبنان منذ أيلول 2008، وتحوّل معظمها إلى الليرة اللبنانية سمح، بحسب قوله، بخفض أسعار الفوائد على سندات الخزينة بـ3%، أكانت هذه السندات بالليرة أم بالدولار، وهذا ما يقلّص كلفة الدين العام مبدئياً بنحو 1,5 مليار دولار أميركي، معتبراً أن هذا التقليص سيتحقق مع تجديد الدين تدريجاً وبعد أن تكون قد خرجت السندات السابقة بالفوائد الأعلى من المحفظات، أي إن الموازنة العامّة كانت مستفيدة من عمليات امتصاص السيولة، بحسب ما قال، لينصح بلهجة صارمة «علينا أن لا نعطّل هذا التصحيح الكبير».

موقف فريق الحريري

❞شطح: على مصرف لبنان أن يبادر إلى ممارسة مسؤولياته في إدارة السياسة النقدية وتحديد درجات تعقيم السيولة❝

إلا أن مستشار الرئيس سعد الحريري، وزير المال السابق، محمد شطح، يعتقد أن قرار وزارة المال بالتوقّف عن إصدار سندات الخزينة له ما يبرره، مشيراً إلى أن إدارة السيولة هي مهمة ثانوية قياساً على المهمة الرئيسية التي تتطلب الإجابة عن أسئلة أخرى، فالمهم أن نعلم إلى أي مدى يجب تعقيم هذه السيولة؟ أو إلى أي درجة يجب امتصاص السيولة من القطاع المصرفي؟ وأي مستوى من أسعار الفائدة مطلوب في إطار هذه العملية بما ينسجم مع متطلبات الأسواق؟
ويلفت شطح إلى أن كلفة تعقيم هذه السيولة ستترتب على الخزينة اللبنانية في كل الأحوال، إما مباشرة عبر امتصاصها من خلال إصدار سندات خزينة إضافية، وإما بشكل مقنّع عبر إصدار شهادات إيداع وزيادة ودائع المصارف لدى مصرف لبنان. وأوضح أن وزارة المال اضطرّت في الفترة السابقة إلى إصدار سندات خزينة تفيض عن حاجاتها التمويلية بهدف امتصاص السيولة الفائضة من السوق، لأن مصرف لبنان كان قد أوقف لفترة طويلة نسبياً إصدار شهادات إيداع، وبالتالي كان هناك ضرورة للقيام بذلك. إلا أن العملية أدّت إلى تسجيل فائض كبير في حساب الخزينة، وهذا يعني أن وزارة المال قامت بوظيفتها وبدورها في تأمين حاجات الدولة التمويلية، وبات لديها مبالغ إضافية احتياطية تزيد على المعدلات الموضوعة سابقاً، والتي توازي 1.5 مليار دولار شهرياً على أساس أن حاجات لبنان التمويلية تصل إلى 13 مليار دولار سنوياً.
وقال شطح إن قرار وزارة المال بوقف إصدار سندات خزينة، يعني أن على مصرف لبنان أن يبادر إلى ممارسة مسؤولياته التقليدية في إدارة السياسة النقدية، أي تحديد درجات التعقيم والتوقعات المتصلة بذلك وبرامج الإصدارات وحجم الكتلة النقدية في الأسواق… وفي هذا الإطار تأتي مهمة التعقيم من ضمن تنفيذ السياسة النقدية لتجنب أي انهيارات في القطاع المصرفي، «وهو ما اعتاد مصرف لبنان على فعله».
ويرى شطح أن النتائج المحتملة لتعقيم السيولة من قبل مصرف لبنان عبر إصدار شهادات الإيداع قد تؤدّي إلى خفض أسعار الفائدة على الودائع، فالمصارف مضطرّة لأن تستقطب الودائع بمستويات فائدة منخفضة لتحافظ على ربحيّتها والاستفادة من هامش نسبي بين سعر الفائدة على الوديعة والعائد على التوظيف في شهادة الإيداع، ما سيخلق تزاحماً بين المصارف تتراجع من خلاله الفوائد المدينة.
(شارك في هذا التقرير: محمد وهبة وحسن شقراني)

——————————————————————————–

الحجم الفعلي لدين الدولة

بحسب جمعية مصارف لبنان، ارتفع الدين العام الإجمالي (المعترف به رسمياً) إلى 77024 مليار ليرة (ما يعادل 51.1 مليار دولار) في نهاية عام 2009، بالمقارنة مع 70888 مليار ليرة (ما يعادل 47.02 مليار دولار) في نهاية 2008. وبذلك يكون الدين العام الإجمالي قد ازداد بقيمة 6136 مليار ليرة (ما يعادل 4.1 مليارات دولار) وبنسبة 8.7% في سنة واحدة، مقابل ازدياده بقيمة 7538 مليار ليرة (5 مليارات دولار) وبنسبة 11.9% في عام 2008.
إلا أن هذه الأرقام لا تعكس حقيقة الدين العام المترتّب على الدولة بالمفهوم الواسع، فهناك دين مترتّب على مصرف لبنان، وهو غير معلن ولا يُصرّح عنه. إلا أن بعض المصادر تقدّره بنحو 14 مليار دولار، ضمنها قيمة شهادات الإيداع التي يصدرها لامتصاص السيولة، علماً بأن ودائع المصارف لدى مصرف لبنان بلغت حتى نهاية عام 2009 نحو 35.5 مليار دولار، فيما موجوداته بالعملات الأجنبية بلغت في الفترة نفسها نحو 29.6 مليار دولار، وبلغت محفظته من الأوراق المالية نحو 29.1 مليار دولار… وهذه المؤشّرات يمكن أن تساعد في محاولة معرفة حجم الديون المتراكمة على مصرف لبنان.
تضاف إلى ذلك متأخرات على الحكومة للموردين والمستشفيات والأطباء والمدارس المجانية وفروقات للموظفين واستملاكات ومستحقات للمتعهدين وقروض معقودة عبر مجلس الإنماء والإعمار وغير مسجّلة ومساهمات غير مسدّدة للضمان الاجتماعي ومؤسسة ضمان الودائع وتشابكات معقّدة بين حسابات القطاع العام، بما في ذلك سلف خزينة وفواتير لمؤسسة كهرباء لبنان ومؤسسات المياه ووزارة الاتصالات… وهذه كلّها تقدّر بنحو 8 مليارات دولار.
كل هذه الأرقام تعني أن دين الدولة الفعلي يصل إلى 75 مليار دولار فعلياً، إلا أن البعض يتجاهل هذا الواقع ويصرّ على ابتداع طرق حسابية تخفف من وطأته، كالدين السوقي الذي يقتصر على الدين المتداول في السوق كسندات دين، أو الدين الصافي بعد تنزيل ودائع القطاع العام لدى المصارف، الذي بلغ نحو 66502 مليار ليرة (44.33 مليار دولار) في نهاية عام 2009، مسجلاً بذلك زيادة قدرها 3940 مليار ليرة (2.62 مليار دولار) ونسبتها 6.3% قياساً على نهاية 2008.
تجدر الإشارة إلى أن الدين المحرر بالليرة المعترف به رسمياً ارتفع بقيمة 5965 مليار ليرة (3.97 مليارات دولار) في عام 2009 مقابل زيادة قدرها 7634 ملياراً (5.08 مليارات دولار) في عام 2008، بينما سُجّلت زيادة بسيطة في الدين المحرر بالعملات الأجنبية بما يوازي 167 مليار ليرة في عام 2009 بكامله وانخفاض بسيط قدره 96 مليار ليرة لهذا الدين في عام 2008.
ويمثّل الدين العام المحرر بالليرة نحو 58.4% من إجمالي الدين العام، وتبلغ حصّة المصارف منه نحو 60.7%، وحصّة مصرف لبنان نحو 23%، وحصّة القطاع غير المصرفي نحو 16.3%.
أمّا الدين العام المحرر بالعملات الأجنبية، فيتوزّع بين الحكومات بنسبة 4.7%، وقروض باريس 3 بنسبة 2%، ومؤسسات التنمية الدولية بنسبة7.1%، أما سندات «يوروبوندز» فتبلغ حصّتها 84.7%، وارتفعت حصّة السندات الخاصة بالاستملاكات إلى 1.4%، أما حصّة «مصادر أخرى خاصة» فتبلغ 0.1%.

——————————————————————————–

ضغوط صندوق النقد الدولي على مصرف لبنان

سبق لبعثة المصرف البريطاني «Barclay’s» أن حذّرت في تقريرها الأخير عن لبنان من تضارب مصالح بين مصرف لبنان ووزارة المال. فقد أشارت إلى أن موازنة 2010 تفرض تعاوناً أكبر بين الوزارة والمصرف لمواجهة المشاكل الهيكليّة التي تعوق خفضاً إضافياً لبنية الفوائد، وهذا الأمر يبدو صعباً لأنه سينعكس على مسار عمليّة تدعيم الوضع المالي لمصلحة الوضع النقدي.
وأوضحت البعثة أن الحاجة إلى زيادة الإنفاق على البنى التحتيّة تضغط باتجاه زيادة الإيرادات وترشيد النفقات. وبالتالي، فإن الفشل في ذلك سيؤدّي إلى «الحدّ من الخفوضات الإضافيّة في سعر الفائدة ويُبقي الحاجة إلى تعقيم الرساميل الوافدة»… إلا أن إجراءات امتصاص السيولة، التي تدفقت إلى لبنان في خضمّ الأزمة الماليّة، هي إجراءات مكلفة على ميزانية «المركزي» وموازنة الحكومة وتسليفات القطاع الخاص.
وكان صندوق النقد الدولي قد حذّر بدوره في تقريره الأخير، في ختام برنامج ما بعد الحروب والكوارث (إيبكا) الذي أداره حتّى حزيران الماضي، ممّا سمّاه «انزلاقات» يعبّر عنها تخطّي استدانة الحكومة الصافية من «المركزي» السقف المحدّد في البرنامج بنسبة 44%، وهذا الأمر عكس، وفقاً للصندوق، «سحباً لودائع الحكومة لدى «المركزي» وشراء الأخير سندات خزينة إضافيّة».
ويشير التقرير إلى تفضيل المصارف التجاريّة شراء شهادات إيداع لخمس سنوات عالية الفوائد التي يصدرها «المركزي» أساساً لأغراض تعقيم السيولة، عوضاً عن شراء سندات خزينة لمدة 3 سنوات ذات فوائد أدنى.
انطلاقاً من ذلك، يمكن فهم سبب الخلافات بين وزارة المال ومصرف لبنان، إذ إن كلاً منهما يسعى إلى تجميل حساباته على حساب الآخر، فيما المشكلة نفسها قائمة بمعزل عن الجهة التي ستقبل بتسجيل الخسائر على ذمّتها.
فوقف إصدار سندات الخزينة سيؤدّي إلى زيادة إصدارات شهادات الإيداع، ما يعرّض المصرف المركزي لمزيد من الانتقادات حول هذه المسألة. إذ إن خطوة المصرف المركزي تكون هنا ذات حدّين نظراً إلى اضطراره للمحافظة على مستوى السيولة الذي يجنّب ارتفاع الضغوط التضخّميّة.

❞عندما استفاض مصرف لبنان في إصدار شهادات الإيداع أصدر صندوق النقد تأنيباً قاسياً❝

ومن المعروف أنّ زيادة مستوى الكتلة النقديّة بهامش كبير وغير متوازن مع معدّلات الفائدة والطلب يؤدّي إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات، وهذا ما شدّد عليه سلامة أمس. ومن هذا المنطلق حدّد «أن أحد أهداف العام الجاري عدم تجاوز نسبة للتضخم قدرها 4%»، وهذا ما أدّى إلى اتساع الهوّة الناشئة مع وزارة المال في شأن كيفيّة التعاطي مع السيولة الفائضة التي تدفّقت إلى البلاد منذ اندلاع الأزمة الماليّة العالميّة خريف عام 2008، مع انهيار مصرف «Lehman Brothers» في أيلول من ذلك العام.
هذه الهوّة ظهرت منذ فترة غير قصيرة، واتسعت مع ظهور بوادر اللجوء إلى إجراءات ضريبية واسعة لتغطية الإنفاق الإضافي للحكومة، فقد اضطر سلامة إلى الاعتراض على زيادة الضريبة على ربح الفوائد من 5% إلى 7%، معتبراً أن ذلك سيؤثّر سلباً على الأهداف النقدية، كما بدا غير متحمّس لزيادة الضريبة على القيمة المضافة أيضاً، خوفاً من آثارها التضخّمية، وإن كان لم يعترض عليها كلياً. وحاول سلامة أن يعزز من الإغراءات لوزارة المال لكي تستمر في احترام أولوياته عبر الوعد بإقناع المصارف بالاكتتاب في سندات خزينة خاصّة بفوائد متدنّية تقارب الصفر في المئة، على غرار ما حصل بعد باريس 2، كما وافق على تكرار عملية حسابية دفترية تقضي باحتساب فروقات سعر الذهب لديه لكي يتم من خلالها تمويل مشاريع استثمارية تريد الحكومة تنفيذها، علماً بأن هذه العملية استخدمت مرتين في السابق لإطفاء جزء من الدين الذي يموّله «المركزي»، وتعرّض لانتقادات شديدة باعتبار الذهب مجمّد، ولا ربح فعلياً ناتجاً من ارتفاع سعره.
لم تنفع هذه الإغراءات في تعديل الإجراءات الضريبية التي يقترحها فريق الرئيس الحريري في مشروع موازنة العام الجاري، وبالتالي بات المصرف المركزي مضطراً إلى تسجيل كلفة امتصاص السيولة في ميزانيته وحده، وهذه عمليّة لها أثرٌ غير مستحبّ من جانب مصرف لبنان والجهات الدوليّة على حدّ سواء. لماذا؟
عندما استفاض مصرف لبنان في إصدار شهادات الإيداع، أصدر صندوق النقد تأنيباً قاسياً يتّهم فيه المصرف المركزي بـ«تشويه سعر الفائدة وتحريفه». وعندما توقّف المصرف عن إصدار الشهادات في تمّوز 2009 (علماً بأنه عاد إلى إصدارها في كانون الأول الماضي) أثنى الصندوق على هذه الخطوة وأطلق في الوقت نفسه تقويمه الصريح: إجراء عمليّات سحب السيولة عبر شهادات الإيداع ساعد على جذب التدفّقات ومراكمة الاحتياطات ودعم الثقة خلال الأزمة الماليّة العالميّة، غير أنّ ذلك الأمر خفض الطلب على سندات الخزينة مع رفع مستوى الضغوط على موازنة مصرف لبنان.
وتجدر الإشارة إلى أنّ المصرف المركزي كان قد خفض معدّل الفائدة على شهادات الإيداع (فترة استحقاق تبلغ 5 سنوات) في تلك الفترة إلى 9% أي بواقع 100 نقطة مئويّة على امتداد شهرين ونصف شهر. وعلى الرغم من ذلك، شدّد الصندوق على ضرورة إجراء خفض إضافي، يتمّ على أساس تدريجي، لمعدّلات الفائدة.
واقترح الصندوق في إطار هذه الاستراتيجيّة أن يعتمد المصرف، في إطار امتصاص السيولة، على «محفظته الواسعة من سندات الخزينة». ومن شأن ذلك أن يحتوي، وفقاً للصندوق، «تراجعاً مفرطاً في معدّلات الفائدة ويسمح لمصرف لبنان بعكس الزيادة في الإقراض الصافي للحكومة».
وحذّر صندوق النقد من أنّ «هذه الاستراتيجيّة ستساعد على الأرجح على خفض كلفة تعقيم (السيولة)، غير أنّ هناك أهميّة لافتة لاستراتيجيّة متوسّطة المدى يتّبعها مصرف لبنان ويقوّي من خلالها موازنته».

——————————————————————————–

مؤتمر نقابي لمواجهة زيادة الـ TVA

أعلن الاتحاد العمالي العام أنه سيعقد «مؤتمراً نقابياً وطنياً عاماً» بهدف وضع خطة تحرك عمّالية وشعبية واسعة لمواجهة سياسة فرض الضرائب، رافضاً زيادة الضريبة على الاستهلاك، ولا سيما الزيادة المطروحة من قبل رئيس الحكومة على القيمة المضافة بنسبة 50% من 10% إلى 15%، إذ إنها ستنعكس سلباً على الفقراء، فيما هناك 6500 مليار ليرة (4.3 مليارات دولار) موجودة في حساب فائض الخزينة بكلفة 500 مليار ليرة سنوياً من دون أي وظيفة فعلية.
عقد المجلس التنفيذي للاتحاد جلسةً أمس، أعلن نتائجها رئيس الاتحاد غسان غصن، مشيراً إلى «ما رشح عن موازنة عام 2010، إذ ينذر بأنّ الحكومة استدارت لتعود إلى نهج من سبقها من حكوماتٍ أمعنت في إفقار مواطنيها ودفعت بخيرة شبابها إلى الهجرة». فمن أبرز مضامين هذه الموازنة «استمرار السياسات الضريبية الجائرة باعتمادها على ضريبة القيمة المضافة التي يحمل وزرها ذوو الدخل المحدود الذين يمثّلون الشريحة الأوسع».

❞البدائل الضريبية متوافرة مثل الضريبة على الربح العقاري وعلى اليخوت❝

وعدّ موضوع زيادة الـTVA من «أخطر ما يجري تداوله وما يسعى إليه رئيس الحكومة سعد الحريري »، مشدداً على أن زيادتها من 10% إلى 15%، أي بنسبة 50% مرّة واحدة، مرفوض أصلاً، إذ إن هذه الضريبة مثّلت في نهاية عام 2008 ما نسبته 32% من مجمل الواردات الضريبية، وبالتالي فإن الزيادة ستكون باتجاه زيادة إيرادات هذه الضريبة إلى ما يفوق 50% من واردات الخزينة، ما سيركّز الثقل الأكبر من العبء الضريبي على الشرائح الاجتماعية المتوسطة والمحدودة الدخل والفقيرة، إضافة إلى القطاعات الإنتاجية، في المقابل ستكون القطاعات الريعية والعقارية والمالية معفاة أو شبه معفاة من الضريبة.
ويعتقد غصن أن سعي الحريري لتسويق هذه الزيادة الضريبية مع ممثلي الكتل النيابية بحجّة «الخيارات المحدودة» سيؤدّي إلى نتائج كارثية وفقاً لدراسات أعدّتها كلية الاقتصاد في الجامعة الأميركية بالتنسيق مع وزارة الشؤون الاجتماعية، في إطار مشروع بناء القدرات للحدّ من الفقر، إذ أظهرت أنّ زيادة الـT.V.A إلى 15% سيؤدي إلى المزيد من الانخفاض في الإنفاق الاستهلاكي لكلّ الأسر بأكثر من 16%، وستبلغ نسبة اللبنانيين الذين يعيشون تحت خط الفقر المدقع 16%، أي إنّ أكثر من مليون ونصف لبناني لن يتمكنوا من توفير غذائهم.
غير أن البدائل الضريبية متوافرة، بحسب غصن. فالضريبة على الربح العقاري قادرة وحدها على تحقيق إيراداتٍ بما لا يقلّ عن ألف مليار ليرة، فيما المطلوب أن تصل إلى 1.2 ألف مليار لسدّ العجز المتراكم كل عام، فضلاً عن أن فائض حساب الخزينة تحوّل إلى «سرقة موصوفة، فهو يشمل 6500 مليار ليرة، أي ما يوازي 4.3 مليارات دولار، يدفع اللبنانيون كلفة خدمتها 500 مليار ليرة سنوياً.
ومن البدائل أيضاً، رفع معدلات الضريبة المقطوعة على الشركات، بما فيها سوليدير، بنسبة 30%، واعتماد الضريبة الموحّدة على مجمل الدخل، واستحداث ضرائب تطال مظاهر الثروة، كامتلاك القصور والفيلّات واليخوت والطائرات الخاصة واستهلاك الكافيار.

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.