العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2A

Ad Zone 2A

أنا وهي والقمر…!

Ad Zone 4B

على يمنةٍ مني، ومن شرقي القبيلة، وقف متسمراً في سمائه على زاوية 45 وكأنه يريد أن يحط جانحيه إلى أرضنا التعبةِ كثيراً، بل كأنه يريد مجالستي، محادثتي بما أَنوي القيام به في الصباح الباكر، وأنا متوجّهٌ إلى العاصمة بيروت. حدقت به وحدقت حتى رسمت له عينين وأَنفاً ولحية….!

حاولت أن أستبين جنسه، ذكراً أم أنثى، بعدما أعدت التركيز، ولكني لم أستطع ذلك، وحاولت أن اقرأ تعابير وجهه فيما أنا مقدم عليه: هل هو مبتسم وفرح، أم مكفهر وغاضب…!. كان كالبدر ،كان وجهاً حقيقياً، كان يريد أن يقول أشياء وأشياء…!. لم يكن على عجلة من أمره، وهو يحارب بعض الغيمات الشاردة من أواخر ليالي أيلول البارد على غير عادة عبر نسيماته الرطبة، والتي تهب كل حين….، وكأنه يناضل ويتوسل لو يستطيع أن يلامس الأرض ويجالسني…!. فهمت عبر إيحاءاته المتكررة بأن لديه الكثير كي يقوله لي وأنه حزين لعدم قدرتِه على تقمص هيئة البشر….!.

ولأني أعشق أيلول، وأعشق فيه رحيل وهجرة طير الوروار، من كل عام وأنتظرها حتى باتت تستأنس انتظاري….!؛ أستمع إليها وأترنم بصوتها، تحدثني، تقول لي، وتُخبرني بما أتمنى لو يعرفه الآخرون…!.

ورفيقي مازال يمنتي، ويقترب أكثر فأكثر، لكنه لا يقوى على مفارقة سمائه ومستمراً في بعثِهِ لي بعض الإشارات والإيحاءات…!.

و بعد سمرٍ طويل امتدَّ حتَّى ساعات متقدمة من ليلي المسافر؛ ولأني يجب أن أستيقظ باكراً كما عودت طيوري المهاجرة صبيحة كل يوم وأنا أرتشف قهوتي قبل أن يتنفس الصباح ويلوثه ضجيج هذه الحياة العاثرة، ولأني يجب أن أتدثَّرَ رحلتي إلى العاصمة، إلى وادي الشجر المقدس، حيث الحجارة البيضاء البراقة،

استأذنت منه لآخذ سويعات قليلة من النوم، على أمل لقائه باكراً…!. وهكذا حصل، لأجده ينتظرني وما زال يقول ويقول ما جاء لقوله…!.

أعددت قهوتي سريعاً، وعدت حيث أجلس على شرفتي وأحدق به يمنةً، وأسترق سماع صوت الوروار وهي تثيرني وترقص لرفيقي رقصة حسناء غجرية حول النار…!.

وعاد من جديد يرمقني…!، أحاول فهمه، وأحاول تفسير ما تقوله عيناه…!؛

وأخذتني عقارب الزمن إلى السابعة من ألقِ ذلك الصباح، عندما ارتجف فنجانُ القهوةِ في يدي، معلناً بدايةَ وقت الانطلاق، حيثُ يجبُ أنْ أمضي…!.

دخلت الغرفةَ لأرتديَ ملابسي، وأستعد كي أنطلق، لم أرَ أثاث منزلي وملابسي، كان ما زال معي يحدثني ويحيرني، ويربكني حيناً، ويبعث فِيَّ الرضا حيناً آخر…!.

رفضت أن أستقل غير باصٍ مُتوجِّهٍ إلى بيروت، لعدم توافر مقعد للناحية اليمنى، حيث رفيقي ومُحَدِّثي يقبع هناك في عالمه الرحب…!.

وما هي إلا لحظات، حتَّى تمَّ لي ما أريد، وما يجعل من رفيق دربي محدثاً لبقاً لا يزعجه التواصل معي…!.

ومضى الباص، ومضيت أنا ورفيقي…، أحدق في وجهه وفي عينيه، وهو يسبح في فضائه، يجوب التلال ويحطم الغيمات، وأنا أبتعد معه عن مدينتي، ضيعةً ضيعة، ومدينة مدينة، حتى وصلت إلى شتورا، لأفتقده ويغيب وراء الجبال العالية، وخلف تلك الانحناءات القاسية…!.

اعتراني الحزن والكآبة ولبست ثوب الحياة…!. تساؤلاتي تزداد، وتزداد معها التفاتاتي يمنة ويسرى؛ باحثاً عنه بين التلال…!؛ وتزايد الغيم الذي تعالى كثافة وضباباً…!.

استسلمت لشرودي، وبت أقلب صفحات سمر الأمس، وما أوحت به عيناه اللتان ما زالتا تحدقان بي وبعقلي وقلبي…!.

وعدت أحلل إيحاءاته ووجهه الآتِي من عرجون قديم…!.

أحتاج إليه الآن، كما لم يكنْ من ذي قبل، بعدما وصلتُ جوارَ النورس والبحر، حيث تلك الصخور التي عبثت بي ذات يومٍ من ثمانينيات القرن الماضي، جارفةً بعضاً من جسدي الأسيل حينذاك، وأنا أصيح ملءَ صوتي وآهاتي من شدة ملوحة الحياة والأيام…!.

وجدتُ نفسي الموعودة، وانطلقت بها حيث وادي الشجر المقدس _ “ال آيا نبا”

كانت فرحة، يعتريها الشوق والحنين، وكانت هي تلك النار المشتعلة لرقصة الغجرية في نيروزها…!.

وكانت تستعد وتستعد منذ أيام وسنين، كي تجد ذاتها المقهورة والمحطمة عبر الجداول الراحلة بين الجبال والوديان…!.

سألتني: كيف حالك؟ وكيف كانت رحلتك؟؛

وبدأت أحدثها عن تلك العينين والأنف واللحية…!.

قاطعتني، ثم عادت وقالت : أسألك عن صحتك وعن رحلتك؟.

وعدت أحدثها عن الوروار وما تخبئه ليالي أيلول من سمرٍ وأسرار …!.

وضعت أذنها على صدري، وراحت في شرودٍ طويل، وأنا أحتضن نفسي وهي تستمع إلى ذاتها لتخبرني كم :أنَّ شعورها جميل، حين نما إلى إحساسِها: كأنها في تلك الغرفة المسماة: “عناية مشددة”، وهي تقرأ دقات قلبي المتعب،

وأنا آخذها حيث أمي والقمر…!.

 

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.