العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2B

Ad Zone 2B

عن صيدا وأحوال السنّة [1] قبل الأسير وبعده

Ad Zone 4B

إلى إبراهيم توتنجي

حالتي، كبقية أبناء صيدا، لا تسرّ هذه الأيام. لكلٍّ منا سببه. إذ ليس بالإمكان تجاهل ما يحصل في واحدة من أجمل الأمكنة على أرض لبنان، ولا تجاهل حال بقية الأهل الطيبين، البسطاء والأقوياء بأكثر مما يظن الآخرون. ناس عانوا وتحملوا، ونسبت إليهم محاسن مدن منعت عنهم ليل نهار.

كلام لا بد من قوله، مهما كان ردّ الفعل عليه، ومهما اجترت آلة الكذب من تخيلات وأفكار مجنونة، ومهما سيطر الغلوّ مكان العقل، فصار الانفعال يتحكم بالإنسان، ومهما اعتقد بعض الموهومين أن بمقدورهم إعادة عقارب الساعة إلى الخلف، أو التصرف مثل الجالس على بقية جدار، ينظر إلى المارّة يشيرون إليه بأنه كان في ما مضى من علية القوم!

في صيدا اليوم، لا أحد يهتم لمن خسر. في صيدا اليوم، غالبية لا تهتم لمصير أحمد الأسير. لكن في صيدا اليوم، صراخ وأنين.

ناس تتوه على وجوهها كمن استفاق على نبأ مجزرة. ناس تختفي خلف الجدران، لا تريد رؤية وجوه الآخرين، ولا تريد للآخرين رؤية وجهها. ناس تكاد تمزق أجسادها غضباً، تُطلق الكلام غير المفهوم، شيء من الهذيان بحثاً عن لحظة انتقام. لكن، لا أحد يقدر على رسم صورة الميت، ولا على حصر صورة القاتل. العزاء يلفّ المكان، ولا من دعاء يرتفع لإنزال السكينة على قلوب الآمنين.

في صيدا اليوم أزمة هوية حقيقية. نجحت سنوات العبث بتشويه العقل، ونجحت غواية المال الأسود في انتزاع القلب من مكانه أيضاً. صار أبناء القرية الكبيرة يشعرون بالخوف على أنفسهم من أنفسهم. لا يعرفون من هو الصديق ومن هو الخصم. ولما اعتلى أحمد الأسير المنصة، لم يدعه أحد إلى فعل ذلك. لكنه الفراغ، الفراغ الذي يجتاحه الهواء في حالة الموت الجماعي. ولما أُنزل الأسير عن المنبر عنوة، أو هو أنزل نفسه بأن أطلق النار على رأسه، عادت المدينة إلى فراغها، والبديل في لحظة الغضب، هو الصراخ. الصراخ فقط.

لكن بين الجمع من يحاول رفع صوته إلى أعلى من صوت الناس الحقيقيين. هناك من تعوّد مصادرة كل شيء، يعود إلى لعبته القذرة اليوم. يحاول مصادرة وجع الناس، بادعاء أبوتهم. وهو نفسه من صادر حقهم الأسمى في الاستقلالية. وهو نفسه ما زال يتزعم حفنة من الانتهازيين. وهؤلاء كانوا على الدوام أعداء أي آخر، لا يلبس مثلهم، ولا يقف مثلهم، ولا يأكل مثلهم، ولا يطابق سلوكه سلوكهم، ولو على سبيل التقليد والرياء. وهؤلاء هم الذين ينتحبون اليوم، لكن مثل الندابات اللواتي ينلن مقابل صراخهن في المآتم. هؤلاء لا يعرفون أن المدينة وأهلها ما عادوا يصدقون كلمة تصدر عنهم، وما عاد الناس يشعرون بصدق تأوّه أحدهم. هذه الحفنة اسمها «تيار المستقبل»، وهي التي باتت تعيش على فتات الآخرين، لا قوت لها إلا في السباب والتحريض والكذب، بعدما باتت عاجزة عن أي فعل، حتى عن شراء الذمم!

حتى قبل ساعات قليلة من المواجهة المجنونة التي أنهت «تظاهرة الأسير»، لم يفهم أحد حقيقة الرجل. لم يرد أحد أن يفهم هذه الظاهرة أصلاً. هو الدرس الذي غاب عنه الجميع، وقرروا التعامل معه على أنه من شذاذ الآفاق، وأنه مخلوق غريب وعجيب، وأنه لا صدق في ما يقوله أو يبحث عنه. ولذلك لم يكن أحد ليتصور أنه سيسير وصولاً حتى لحظة الجنون القصوى!

مشكلة الأسير الأبرز، أنه كان – على ما يقول «الصيادنة» – غشيماً في السياسة. لم يكن يعرف حدود الموقف، ولا يعرف حدود المنطق في بلاد العجائب. وهو بدأ يتوه عندما اعتقد أن مناصرة الناس له تعكس إيماناً بقيادته، علماً بأنه ظل حتى الأسابيع الأخيرة مرحَّباً به كناطق باسم مجموعة من الناس، يسودها الوجوم والالتباس، ووجدت نفسها، من دون مراجعة دقيقة أو سؤال، في وجه خصم كُبِّرت صورته على طريقة أفلام الكارتون، لم يعد يرى هؤلاء غير المقاومة خطراً عليهم الآن وفي المستقبل وفي كل حين!

مشكلة أحمد الأسير تكمن في عدم فهمه حقيقة أبناء مدينته، ولذلك أخطأ التقدير يوم غادر موقع الداعية، الذي حوله خلال عقد من الزمن إلى مرجعية شعبية من دون تطبيل أو تزمير. لم يكن الرجل يؤمّ المصلين فقط. وقوته بين أنصاره أنهم شاهدوه إلى جانبهم، يستقبلهم ويذهب إلى بيوتهم وأشغالهم مساعداً في حل مشكلاتهم. وصار هؤلاء يقصدون مسجده الصغير، يستمعون إلى دروسه التي تحثّ على الابتعاد عن كل شيء عنيف. صار المسجد يضيق به وبمريده، وكان الجمع يتمدد كل يوم جمعة نحو الطرقات المحيطة به.

لكن الخطأ القاتل يرتكب مرة واحدة. وهو فعل ذلك، يوم قرر أن يتحول في لحظة واحدة، إلى داعية ثائر ومنتفض، فوجد نفسه في ملعب ليس له، وصار يستعجل فصله الدرامي الأقسى، حتى خرج من يعلن انتهاء الحكاية.

لكن ما بقي من الموقعة ليس إلا ركاماً، مجرد ركام. لكنه ليس ركام الحجر فقط، بل ركام يسكن نفوس غالبية صيداوية لا تعرف إن كان عليها الاحتفاء بغياب مغامر، أو البكاء جراء فوز خصم تتعاظم قوته يوماً بعد يوم. حتى صار أبناء المدينة يرقصون حول سؤالهم الصعب، عن غدهم، وسط مشاعر الخيبة والخشية، والخوف والخنوع.

صيدا اليوم لا تقف عند الحدث لتنتحب، بل هي تعيد فتح الباب أمام السؤال الأعمّ عن أحوال السنّة في لبنان والمشرق العربي، حيث تشرئب الرؤوس أو تنحني، كلما جاء خبر من الشام!

غداً: بين الظلم والخطأ

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.