العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2B

Ad Zone 2B

16 أيلول: أوان المراجعة

Ad Zone 4B

قبل 31 سنة، خرج شبّان بكلّ وعيهم، وبكلّ حوافزهم، وبما ملكت أيديهم، وقالوا للاحتلال الإسرائيلي إنه احتلال، وإن مقاومته واجب وقَدَر، وإنها حقيقة لها نتائجها الحقيقية.
في تلك الأيام، لم يكن للمقاومة هوية غير الهوية الوطنية، حيث الانقسام القائم بفعل الحرب الأهلية لم يكن ليولّد توافقاً، أو إجماعاً على اعتبار إسرائيل عدوّاً ودولة احتلال، وبالتالي اعتبار مقاومتها أمراً مشروعاً وواجباً وطنيّاً.

في تلك الأيام، خرج الناس انطلاقاً من وعيهم السياسي، الحزبي، العقائدي، الوطني، الإنساني والفردي، وباشروا أوسع حركة مقاومة، تعاقَب عليها عشرات الألوف من الشباب والصبايا، سقط منهم الكثير الكثير شهداء في مواجهات بطولية، ومرّ الألوف على كلّ أنواع المعتقلات، ولا يزال منهم مَن يعاني إعاقة بسبب وحشية العدو، واستطاعت قرى وبلدات ومدن أن تغسل جسدها مرّات ومرّات بدماءٍ أبقت الناس في حالة حبّ مع مقاومة، صارت اليوم أغلى ما تملك في عالمنا العربي.
لا نعرف بعد مَن هو الإنسان، الجهة، الفريق الذي يتمتع بكل مواصفات المقاوم، والذي سيشرع في إعداد توثيق تاريخي علمي، يليق بهذه التجربة المفتوحة على آفاقٍ أكبر يوماً بعد يوم، ولا نعرف مَن هو الذي سيقدر على صياغة الفلسفة السياسية التي تقنع الناس، عندنا ومن حولنا، بأنّ المقاومة ضد إسرائيل ليست عملية محدودة بمكان أو بإنسان، وأنها معركة مفتوحة بحكم انتشار العدو وحُماته، وأنها معركة مكلفة بحكم حجم المهمة المركزية في استعادة فلسطين كل فلسطين، وأنها معركة لا تتطلّب في كثير من الأحيان الصبر فقط، ولا الحكمة فقط، بل الشجاعة على التصدي لمواقع خلل مركزية، كما هي الحال في سوريا اليوم.
في حالتنا اليوم، هل لنا أن نطرح السؤال الكيدي: ماذا لو كانت جبهة المقاومة الوطنية على قيد الحياة؟ ماذا كانت لتفعل في مواجهة التحديات الماثلة أمامنا؟
طبعاً، يعتقد البعض أنّ السؤال سيكون خاصاً باليسار حصراً، لأن بين الناس في جيل اليوم مَن يعتقد أنّ جبهة المقاومة كانت حكراً على اليسار فقط. لكن السؤال موجّه إلى كل مَن فكّر يومها، وناضل يومها، وقاوم يومها، وإلى كل مَن لا يزال يرى في إسرائيل، في كيانها، وفي المشاريع الخادمة لها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وإلى مَن يرى في الولايات المتحدة والغرب الاستعماري العدو الأول، الذي لا يزال مصدر الخطر الحقيقي الرئيسي على بلادنا وشعوبنا وحياتنا وحرياتنا …
في سياق متّصل، سيكون السؤال أكثر كيدية، عندما يتعلق الأمر بالمراجعة الحقيقية: ماذا فعلنا نحن في مواجهة النكسة؟ وماذا فعلنا في مواجهة مَن نقول إنه عمل على إقصائنا وإبعادنا عن هذه الساحة، وماذا فعلنا لنحترم التزامنا مقاومة الاحتلال ومناصرة الشعب الفلسطيني المقهور، وبالتالي فإن السؤال الأكثر كيدية: هل فقدنا المبادرة؟
مع الأسف، هذا هو الجواب. وهو يشرح كل علامات الأسى والتعب والإحباط التي يعيشها جيل وأكثر، وهو ما يشرح ارتفاع منسوب الخلافات حول كل شيء، حول أدوات التفكير، وحول أدوات التحليل، وحول أولوية هذا على ذاك، وحول حقيقة المصالح التي نمثّل، وهو ما يشرح بالضبط حالة العزلة التي جعلت تياراً يسارياً شعبياً واسعاً يتحوّل إلى مجموعة أفراد لا حول لهم ولا قوة، مثل مجموعة عاطلين من العمل، يعيشون في منزل واحد، أو في حيّ واحد، أو يقصدون المقهى نفسه، وسيرتهم الذاتية صراخ وصراخ وصراخ!
إنّ العجز عن إنتاج مبادرة جديدة يعيدنا إلى المراجعة الحتمية التي إنْ لم تحصل فلا مجال لأيّ تقدّم، ولا لأيّ إصلاح حقيقي. والمراجعة تعني ببساطة أنْ يعلن جيل بأكمله استقالته من مهمة التصدي لهذه المهمة، وأن يتحلّى بقليل من التواضع، فلا ينطق باسم الكل، وأن يتحدث عن نفسه حصراً، وأن يرفض بقوة كل محاولة من ذاته أو من الآخرين للتمسّك بدور الأبوّة أو حتى دور الأخ الأكبر.
والمراجعة تعني أن يترك لجيل آخر أن يثبت حاجته إلى هذه الأفكار، ولكي يقنع ناسه بأن ما يظنه الأفضل هو حقّاً ما يحتاج إليه الناس، وليترك له بناء تجربته من الصفر أو من الصفر العاشر بعد الألف، لكن ليبدأ من نقطة، وليطحن نفسه بنفسه، وليحطم الأواني كلها إذا تطلّب الأمر. وإذا ما كانت الحقيقة حاضرة في أوراقه، فستنتج ما يجعل الناس تلتفت إليه، بوصفه شيئاً جديداً له صلة بماضٍ جميل، وأنه يمثّل عنصراً جديداً، ربما يقود إلى ما هو أفضل.
بعد 31 سنة على هذه التجربة يخرج شبّان في عمر الصبا، وقبلهم أو معهم، رجال دخلوا المرحلة الأخيرة من حياتهم، وإلى جانبهم يقف محاربون متقاعدون، وهم يحتفلون بشيء عظيم، وهم يرون في ما هو قائم من مقاومة امتداداً حقيقياً وطبيعياً لهم.
ببساطة، مَن يحتفل اليوم مسروراً وصادقاً بذكرى انطلاقة جبهة المقاومة، هو نفسه مَن لا يزال يؤمن بأن إسرائيل تمثّل العدو الأول، وهذا يعني انحيازاً إلى موقف يمكن أن يكون أساساً للمراجعة ولبناء الخيار الجديد …

■ ■ ■

عندما يكون القمر صديقاً، نشعر بالحاجة إليه في لحظة قاتمة. ثم نناجيه الابتعاد في لحظة الخطر. وعلى الطريق الطويلة، يحقّ لك الصمت، والنظر إلى الأرض وإلى الأمام. ولك حرية الاختلاء بنفسك، كأنها المرة الأخيرة قبل الرحيل. في هذا المسير، تقول لذاتك ما تعتقد أنه ما يجب أن يقال فقط، وما تقوله تحفظه في صندوقك الأسود، الذي لا مجال لفتحه حتى بعد رحيلك …
لكن الخشية على الأحلام، هي التي تعيد في لحظة أصوات الخطى وطرقات القلب وصوت هواء في أمكنة، ستظلّ منها ولها، ولو إلى حين!

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.