العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2B

أحمد الأسير… لا شيء يشبه سلفيي السلاطين

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

تجربة الشيخ أحمد الأسير لم تُصب حالة في حدّ ذاتها. الحركات السلفيّة في لبنان ناشطة منذ سنوات عدّة. تأثرت كثيراً بالحدث العراقي إثر الغزو الأميركي عام 2003، وشرعت في الانضمام الجماعي إلى تجمعات وبرامج عملانية تحاكي تنظيم القاعدة الذي احتل حيّزاً كبيراً في وجدان هذا الصنف من الإسلاميين بعد أحداث عام 2001.

هناك ما يميّز حركة الأسير عن سائر المجموعات، سواء منها المنتشرة بقوة في المخيمات الفلسطينية أو التي احتلت حيّزاً شعبياً في مناطق عدة من صيدا وإقليم الخروب والبقاع، الأوسط والغربي والشمالي، وبعض أحياء العاصمة. عناصر التمايز تستند إلى طبيعة الرجل نفسه، الشاب الصيداوي الذي تأثر بالفكر الدعوي ـــ التبليغي، ومضى في عمل مثابر ودؤوب طيلة أكثر من عقد، وحوّل مسجده الصغير في منطقة عبرا إلى مركز تجمّع لعشرات الشبّان الآتين من أحياء المدينة الفقيرة والغنية على حدّ سواء، إضافة إلى آخرين من الفلسطينيين المقيمين في صيدا أو في مخيماتها.

ابتعد الأسير في المرحلة الأولى عن المقاربة السياسية المباشرة. كانت له تعليقات، لكنها ظلّت في الهامش. أبدى إعجابه بنجاح حزب الله في تحقيق انتصار عام 2000، لكنه لم يمنح الحزب البركة الشرعية. وصل به الأمر إلى حدّ وصف السيد حسن نصر الله بأنه قائد لديه كاريزما خاصة، لكنه لم يتعامل يوماً معه كرجل دين، أي إنه سعى طوال الوقت إلى تحييد العناصر العقائدية ــــ الدينية لأنصار حزب الله عن فعل الانتصار على إسرائيل.

الأمر نفسه فعله مع أسامة بن لادن وأنصاره. رفض أحمد الأسير مباركة أعمال القاعدة، احتجّ على أعمال التكفير أو ضرب المدنيين، بل هو جاهر أمام مريديه بأن الجهاد العسكري لم يحن أوانه بعد، وأن الأولوية هي للجهاد العقائدي الذي يستهدف مساعدة الناس على التعرّف إلى الدين، والاقتناع بواجباتهم الدينية، وهو نجح خلال سنوات في إرسال العشرات من كوادره ومريديه إلى ما يتعارف عليه في أوساطهم بـ«الخروج»، أي قيام مجموعة منهم بالتوجه صوب بلدة أو قرية أو حي في مدينة، والمبيت في المسجد هناك، وتمضية الوقت في الصلاة وقراءة القرآن والاستماع إلى أحاديث وروايات دينية، ومن ثم القيام بزيارات إلى منازل الناس في تلك القرى والأحياء، وطرق الأبواب، والتعريف عن الهوية بأنهم دُعاة تبليغ لمصلحة الدين الحنيف، ومحاولة مجالسة أهل البيت وعرض أفكارهم.

الشيخ الأسير نفسه عرض نفسه خلال فترة معيّنة مرشداً اجتماعياً لمَن يرغب. كان سريع التجاوب مع طلبات من أهالي يريدون مصالحة أبنائهم، أو يرتّبون أمور بيوت تواجه مشاكل بين الأزواج، أو تقديم النصح في كيفية التعامل مع شؤون الحياة. وكانت هذه العناوين جوهر خطبه ودروسه في المسجد الذي صار مع الوقت يضيق على رواده، فاشتهرت المحلة حيث يوجد بأن طريقها الموصل إلى المسجد تغلق أيام الجمعة بحشود المصلين. وفي المناسبات الدينية، مثل ليالي القدر، كان الشارع يقفل بالبشر فقط.

خلال سنوات قليلة تنوّعت المصادر البشرية لمريدي مسجد بلال. قسم من العائدين إلى الدين وشعائره فضّلوه على غيره، وتحديداً فضّلوه على المراكز الدينية المنخرطة في السجال السياسي الداخلي، وفضّلوه على المساجد الواقعة تحت سلطة دار الفتوى، حيث يقرأ الشيخ هناك ما يُكتب له أو يُكلّف به، وفضّلوه على التجمعات الخفية، ذلك لأنهم ربما كانوا يبحثون عن الأمان النفسي، لا عن تنظيم جديد. والشيخ الأسير نفسه لم يسع يوماً إلى مناقشة المريدين أو الوافدين إلى مجالسه في اقتناعاتهم السياسية أو في انتماءاتهم الحزبية، وهو كان شديداً في رفض المشاركة المباشرة أو غير المباشرة في كل الحملات السياسية المواكبة للانتخابات وغيرها…

لكن الشيخ الأسير كان يجمع يوماً بعد يوم عشرات الأسئلة والشكاوى المتصلة عملياً بما يجري في البلاد. وعندما اغتيل الرئيس رفيق الحريري، لم يدخل تعديلاً جوهرياً على سلوكه. بل حتى هو قال من باب الاحتمال، إنه لا يستبعد أن تكون «القاعدة» خلف الاغتيال. لم يأخذ الأمر على طريقة الاستثمار السياسي. لكن الصدام السياسي العنيف الذي وقع في البلاد، وتعاظم الحساسيات الشيعية ـــ السنيّة، جعلته يقف أمام أسئلة لا يمكنه تجاهلها، حتى وقعت أحداث 7 أيار. يومها سارع الأسير إلى دعوة الناس إلى الهدوء، ومن ثم شُغل في سماع الخبريات اليومية عن هذه الحادثة أو تلك. صار المسجد يضجّ بالكلام عن «قهر أهل السنّة على يد حزب المقاومة».

لماذا سوريا؟

حتى اللحظة، لا يملك أحد جواباً شافياً عن سبب الانتقال المباشر من جانب الأسير إلى العمل السياسي، ربطاً بما يجري في سوريا. بعض المريدين تحدثوا عن تأثر الشيخ بالثورات العربية التي أوصلت الإسلاميين إلى مواقع متقدمة. والبعض الآخر لفت إلى أن الشيخ السلفي غير معجب أبداً بمسيرة الإخوان المسلمين، ولا بالقيادة الرسمية الدينية للسنّة، ولا هو أصلاً معجب بتجربة آل الحريري، وأن المواجهة الحادة في سوريا، جعلته يقف على رجليه ويرفع الصوت. لكن الجميع من حوله لا يجيبون عن سبب توجيه الحملة على حزب الله، وضمناً السير في ركاب التوتر السنّي ـــ الشيعي. طبعاً، ارتاح الشيخ الأسير إلى حجم التجاوب مع خطابه. قواعد تيار المستقبل في صيدا صارت أقرب إليه. اكتشف مساعدو آل الحريري في المدينة أن الرجل يسحب البساط من تحتهم. الأمر لا يتعلق بفقراء المدينة، بل حتى بالعائلات الغنية، وبكل من هو عرضة للاحتقان. سواء المباشر ضد حزب الله، أو ضد النظام في سوريا. وخلال أسابيع قليلة، حتى اللحظة، وجدت الجماعة الإسلامية، إلى جانب دار الإفتاء وآل الحريري، أنهم في مواجهة خصم من نوع جديد. وكل الكلام عن التطرف والغلو لا ينفع الآن. إن ناسهم الذين جرت تعبئتهم على خلفيات مذهبية ضد حزب الله، وسياسية ــــ مذهبية ضد النظام في سوريا، يجدون في ما يقوله الأسير العنوان.

بعد خروجه من دائرة التبليغ في جانبه الدعوي الديني، بدا الشيخ الأسير واجهة لمرحلة جديدة من النشاط السلفي. ليس مهماً ردود الفعل القائمة والتي ستتواصل، لكن المهم بالنسبة إلى من يهمه الأمر، سواء من جماعة الحريري، أو من جماعة الدولة، أو من جماعة سوريا وحزب الله، الاقتراب من الرجل لفهمه، والتدقيق في حكايته، وعدم الركون إلى أخبار عن تمويل مجهول أو قيادة خفية. ومن يخطئ في فهم حيثية الرجل سيكون عليه العمل كثيراً لفهم ما ستؤول إليه تجربته.

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.