العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

انطلاق معركة النسبية

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

في الانتخابات التي جرت في تونس قبل أيام، كان نظام الاقتراع الوسيلة الفضلى لاحتساب قدرات القوى السياسية كافة. ولو جرى اعتماد النظام الأكثري، لكان التيار الإسلامي، المتمثّل في حزب «النهضة» أو «المنشقين عنه في العريضة الجديدة» قد استولى على غالبية كبرى في الجمعية التأسيسية، ولكانت القوى الأخرى قد باتت من دون تمثيل، وعندها كان هناك مَن سيفرح ويعلن أن التيار الإسلامي يتمتع بشعبية ساحقة في تونس، وأن التيارات الأخرى غير موجودة، ولكانت الهيئة المنتخبة ستتصرف من دون مشاركة فعلية من قبل الآخرين.

نظام الاقتراع النسبي أتاح تمثيلاً قد لا يكون مثالياً، وخصوصاً أن نسبة الإبعاد لم تتوافر ضمن صيغة جدية، كذلك فإن البعض هناك اشتكى من غياب محكمة دستورية تستقبل الطعون، فيما اشتكى آخرون من أن فريق الموظفين الذي سيشرف على مراكز الاقتراع هو من الفريق الذي عيّن إبّان الحكم السابق. وهذه الشكاوى هدفها التحذير من التلاعب.

لكن حقيقة الأمر أن النظام النسبي أعاد الاعتبار إلى قيمة كل صوت، وهو ما دفع المواطن التونسي إلى التوجّه بحماسة نحو صندوق الاقتراع، مدركاً قيمة صوته، وأن النظام النسبي يتيح له اختيار مَن يدعمه أو يراه ممثلاً له، من دون اضطراره إلى تسويات مع هذه الجهة أو تلك. كذلك فإن النظام النسبي يلزم الناخب باختيار من يمثله فقط عكس النظام الأكثري الذي يتيح للناخب اختيار مَن يمثّله ويضيف إليه مَن يوفّر له مصلحة مباشرة، ويضيف ثالثاً من صنف الذين يهدّدون بقطع الأرزاق، ويضيف رابعاً من جماعة السلطة ونفوذها وأدواتها، ويضيف خامساً أهل بلدته أو مدينته أو عشيرته أو غير ذلك.. ما معناه أن النظام النسبي أسقط العناوين التي تقود عادة إلى الرشوة والفساد وبالتالي إلى التزوير الحقيقي، لا ذلك التزوير الخاص بقوائم المنتخبين أو الخاص بعمليات فرز الأصوات.

ثم إن نتائج انتخابات تونس أظهرت الأحجام الحقيقية أو الأقرب إلى الحقيقة لغالبية القوى. وإذا كان حزب «النهضة» قد حصل على النسبة الأعلى من المقاعد، رغم أنه نال كمية أكبر من الأصوات، فهذا يعني أنه لو اعتمد النظام الأكثري لكان «النهضة» قد ضاعف عدد المقاعد الخاصة به.

الإشارة إلى الحدث التونسي هي باعتباره الحدث الديموقراطي الأبرز في العالم العربي منذ عقود طويلة، وهو بالتأكيد أهم من حدث الانتخابات التشريعية في فلسطين، وهو الحدث المتّصل بحسابات معقّدة من نواحٍ عدّة. لكن حدث تونس جاء في لحظة سياسية تونسية خاصة، تمثّلت في خلع رئيس حكم البلاد بالقهر والفساد وظل تابعاً للغرب، وتمثّلت في كون العرب جميعاً، والمسلمين عموماً، والغرب أيضاً، نظروا إلى الانتخابات في تونس على أنها الاختبار الأول لنتائج الانتفاضات الشعبية العربية.

عندنا في لبنان انتظار لحدث مشابه. ليس متوقّعاً عندنا انتفاضة شعبية عامّة، وليس عندنا نظام أو رئيس يمكن إسقاطه في الشارع، وطبيعة الاصطفاف السياسي تمنع انقلاباً أو ما شابه، حتى الحركة المدنية، غير الطائفية التي حصلت أخيراً، دلّت على ضعف الإمكانيات لإحداث تغيير شامل. بل أشارت إلى عمق الأزمة، وإلى أن تجاوز مشكلات النظام الطائفي ونتائجه يحتاج إلى مرحلة انتقالية، وأن أهم خطوة في هذه المرحلة هي تعديل آلية انتخاب المجلس النيابي، وتحديداً نظام الاقتراع، لأجل إحداث تغيير في التركيبة السياسية لجميع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية في البلاد.

ولأن اللبنانيين جرّبوا منذ قيام بلدهم نظاماً واحداً للاقتراع اسمه النظام الأكثري، فإن النتائج السياسية لا تزال كارثية، ومعمّقة للانقسامات، ولا بد للبنان من الاندفاع بقوة نحو النظام النسبي. طبعاً، سيخرج عندنا مَن يقول إن تركيبة تونس لا تشبه تركيبة لبنان على صعيد التوزّع الطائفي والمذهبي، وكأن هؤلاء يعتقدون أن الفوارق بين التيار اليساري والتيار العلماني والتيار الإسلامي وتيار السلطة هي فوارق أقل حدّة من الفوارق بين مسلمين ومسيحيين وبين شيعة وسنّة. وأصحاب الرأي الداعي إلى الإبقاء على النظام الأكثري هم بالضبط مَن يحتاج لبنان إلى التخلّص منهم ومن نفوذهم، ومن آليات سيطرتهم ونفوذهم على الدولة وعلى حياة الناس.

حتى اللحظة، تبدو المعركة على قانون الانتخابات في مراحلها الأولى. ورغم استعجال الحكومة طرح الأمر على النقاش، توحي الطبيعة السياسية بأن الحسم مؤجّل إلى وقت لاحق. وهو ما يفسح في المجال أمام معركة قاسية بين تيارين؛ واحد يريد إقرارها دونما تراجع لكسر الاصطفافات القائمة، وآخر يريد منعها لإبقاء الأمور على ما هي عليه. وكل فريق ينظر إلى الأمر من زاوية التموضع السياسي للكتل البارزة، ولكن الكل يعتقد أن التطورات في المنطقة، وخصوصاً في سوريا، سوف يكون لها أثرها الحاسم على الوجهة العامة، خصوصاً إذا ما كانت الحكومة الحالية هي نفسها الحكومة التي ستشرف على الانتخابات المقبلة.

على أن كل تهويل من قبل رافضي النسبية إنما هو صراخ الخوف من إبعادهم عن السلطة، وكل استجابة لهذا الصراخ هي انغماس في لعبة الخوف والموت الدائم.

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.