العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

إسلاميّو شمال أفريقيا ونموذج تركيا

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

أُعدم معمر القذافي. المشهد الليبي انتقل الى لوحة جديدة. لن يكون ثمة نقاش حقيقي بشأن كيفية إعدام الرجل، ومن قرر ذلك. هو مقاتل ليبي قرر التخلص منه في لحظة غضب. أو هو قرار أُبلغ الى المقاتل الذي أطلق رصاصة أخيرة على رأس العقيد وأرداه. الصورة بالنسبة إلى من يعيش اليوم على أرض ليبيا هي صورة البلاد الخارجة من حرب أهلية ولو قصيرة. وقرار تجاوز حقبة القذافي اتخذ فعلياً عند الشعب الليبي، بمعزل عن كل التدخل الذي قام من جانب الخارج. أما مستقبل ليبيا، فلن يطابق الشعارات البراقة لدول الناتو، التي دمرت المدن والأحياء، وقتلت من قتلت، بل سوف يكون رهن قدرة الليبيين على تجاوز كل معاني المرحلة الماضية. وعلى تجاوز تجارب الحكم والانقلابات والثورات في شمال أفريقيا العربي منذ عقدين حتى الآن.

تونس تخضع لأول اختبار ديموقراطي صعب. ونتائج التصويت الجارية سوف تُقرأ عند بقية الشعوب المنتفضة، أو تلك التي لم تنه بعد ثورتها، مثل مصر تحديداً. وسوف يكون شكل حضور التيار الإسلامي في إدارة الدولة، هو المؤشر على المدى الذي تتقدم صوبه الدول العربية في المرحلة المقبلة. ليس مبدأ وصول إسلاميين الى الحكم خطأ، ومجنون وقمعي ومتحجر من يرى في المبدأ أنه خطأ. وتكرار تجربة الجزائر يأخذ البلاد الى حرب أهلية، لأن الإسلاميين فازوا في الانتخابات، هو جنون أيضاً. أو محاولة الاعتداء على ديموقراطية، كما حصل في الأراضي الفلسطينية، على أثر فوز حركة حماس، هو جنون أيضاً، لكن المؤشر الأهم بالنسبة إلى مواطني هذه الدول، لا إلى الغرب، هو أن تكون الجهات الصاعدة سياسياً، ولا سيما الإسلاميين منها، قادرة على الاستفادة من تجربتها السابقة.

في هذه الحالة، لا يمكن أياً من هذه القوى ادعاء انقطاع صلة الرحم بينها وبين حركة «الإخوان المسلمين» أو الحركات الجهادية والإسلام الحركي، التي انطلقت في ثمانينات القرن الماضي، والتي قامت إما تأثراً بانتصار ثورة الإمام الخميني في ايران، او تماشياً معها، لكن بثوب عقائدي آخر. وبالتالي، فإن العالم العربي، الذي يعيش مرحلة التغييرات الأكبر منذ قيام إسرائيل، وتعاظم نفوذ الغرب الأميركي عندنا، سوف يكون أمام نماذج عدة للتعامل معها، إلا أن النموذجين الأكثر حرارة وحضوراً على صعيد الدول، هما نموذجا إيران وتركيا. والفوارق على صعيد المرجعية الفكرية او الفقهية بين البلدين، لا تلغي تشابه عملية بناء الدولة القوية، والقادرة على مواجهة التحديات، والساعية الى بناء اقتصاد قوي رغم كل الضغوط، وعلى انتزاع هامش جدي من الاستقلالية الاقتصادية، الذي يوسع هامش الاستقلالية الثقافية والسياسية، فيتيح لهذه الدول رسم استراتيجيات لا تتجاهل الآخرين، لكنها تحتفظ لنفسها بخصوصياتها.

القاعدة الأهم بالنسبة إلى تركيا وايران، ليست فقط القاعدة الفكرية او السياسية، بل في كيفية التعامل مع شعب كبير، وكبير جداً، وربما يوازي مجموعه مجموع الشعوب العربية كلها، وإقناع هذا الشعب، بتحمل صعوبات كبيرة. وإذا كانت ايران ليست هي الآن قبلة المنتفضين الجدد، وخصوصاً الإسلاميين منهم، فإن تركيا تمثل عنواناً بارزاً في النقاش لدى هؤلاء، لكن لتركيا ما يخصها دون الآخرين.

لقد خاضت تركيا في القرن الماضي معركة الخروج من إطار استعماري محكوم بعقلية سلاطين الخلافات الإسلامية، الى دولة مدنية تسلط عليها العلمانيون، لكنهم لم يقدروا على محو ذكر التدين العقائدي والسياسي فيها. وكلما نمت هذه الدولة، نمت القدرات السياسية للقوى الحية فيها. وهنا استعادت الحركة الإسلامية دوراً كبيراً، تمثل في صعود سريع انتهى قبل نحو عقد الى احتلال السلطة بصورة كاملة، لكنه احتلال لم يقدر على تغيير وجه البلد. بدت تركيا مثل الدول الضاربة في التاريخ، قادرة على حفظ كل تغيير إيجابي، وبدت قوية قادرة على اتباع سياسات مختلفة. وهو الأمر الذي يحفظ للدول مكانتها، إذا احتفظت لنفسها بمسافة عن الآخرين.

تركيا محط إعجاب إسلاميين كثيرين الآن، من راشد الغنوشي وحزب النهضة في تونس، الى قسم كبير من إسلاميي الخليج العربي غير الوهابيين، الى بعض النماذج المطلة برأسها حديثاً في شمالي أفريقيا، الى هوى عند إسلاميين في بلاد الشام، في سوريا ولبنان وفلسطين. إن تركيا هذه، تقدر على أن تبقى النموذج كدولة مدنية، تحسّن أحوال أهلها، لكنها تعود الى صورتها القاتمة، إن هي فكرت في استعادة الماضي الغابر، ذلك الذي كان لسنوات طويلة أشبه باستعمار حقيقي. وكل النقاش الذي قام في تركيا بعد الحرب العالمية الأولى حول ما اذا كانت فكرة دولة الخلافة هي الخطأ أم أن النموذج الذي اتبع هو الخطأ، لا يفيد في شيء. هو مثله مثل نقاش الشيوعيين في العالم إثر سقوط الاتحاد السوفياتي، بين تيار يندد بالنظرية غير القابلة للحياة، وتيار مندد بالنموذج الذي اتُّبع فكان قاسياً في سعيه الى غلبة الجماعة على الفرد، فتحولت الجماعة الى مجموعة نافذة، وغاب الفرد بكل خصائصه. فكان انهيار جدار برلين من دون كثير عناء.

تركيا اليوم، تواجه الاختبار الذي يعيدنا الى المربع الأول، المتعلق بالسؤال الأكبر: هل يمكن دولة كبرى ممارسة دور الرعاية من دون تحولها الى دولة وصاية؟ وهل يمكن دولة كبيرة، أن تكون داعماً من دون أن تجعل من تدعم تابعاً؟

إن السلوك التركي في منطقتنا اليوم لا يبشر بخير. واستراتيجية داوود أوغلو بـ«صفر مشاكل» حصدت مئة نقطة من المشاكل في جولتها الأولى. من روسيا الى ايران، الى العراق الى سوريا والى دول في البلقان. عدا السلوك الاستعماري بوجهه القاسي إزاء التعامل مع المسألة الكردية. لا ينتبه الأتراك وهم يشنون حرب الإبادة ضد أي فصيل كردي معارض، الى أنهم يبيدون شعبهم. ثم يعظون الآخرين بشأن الحرية وحقوق الإنسان. ويفعلون ذلك الآن باسم الإسلام نفسه الذي يرغب فيه كثير من الشعوب العربية التي تخوض حالياً مواجهات مع حكامها.

أخطر ما في التجربة التونسية والليبية والمصرية، ليس في أن تختار شعوب هذه الدولة من تريده حاكماً لها، إسلامياً كان او ليبرالياً او علمانياً او خلاف ذلك، بل في اعتبار نموذج تركيا مفيداً للتعميم، لأن فكرة الاستعمار والإقصاء والفوقية والتصرف بمنطق المتفوق حضارياً وأخلاقياً على الآخر، هي التصرف الذي يقود الى شيء واحد خبرناه جميعاً واسمه: الدكتاتورية!

تُرى، هل بقيت فلسطين على خريطة اهتمام هؤلاء اليوم أم ماذا؟

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.