العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

الشاعر والوحش

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

بيني وبينك أنسي، قهرني رحيلك. وزرع في نفسي حزناً قاسياً كحدّ السيف. وحين غمَرتُك للمرّة الأخيرة وطبعتُ على جبينك العالي قبلة، أظنّك سمعتني أهجو ذلك الوحش الذي غدَرك، وجعلَك تُبكّر في الرحيل، وكنا لا نزال نفكّر في ما يلي في هذه الدنيا الفانية، وفي هذا الهجير الصحراوي، وسط ضحالة مريعة.

 

يا رفيق الزمن الجميل، يا صديق الأيام الصعبة، ستسامحني لأنني لست الآن في وارد الحديث عن الشاعر المُتمرّد، والكاتب المُبدع، والظاهرة التي شكَّلْت نجمتها وأنت في أول الطريق مع ذقن وشاربين وشعر طويل وصوت يرنّ مثل النحاس، وصيت لعنترة الكلمة سبق صيت عنترة السيف.

ولا عن ذلك الأبيّ الأنوف الأنيق الجميل الذي كُنتَه وحافظتَ عليه وعلى خصاله كلها، حتى خلال صراعك ونِزالك مع ذلك الوحش. فغلَبتَه مرّة، ثم مرّتين. ثم ضقت ذرعاً به.

همّي الآن، كل ما أرغب فيه وأودّه الآن أن أحكي مع أنسي. أُنسي ورسولاته بشعور طويلة حتى الينابيع. وبعشق تهتف له الأمكنة والليالي والصباحات، من سوق الطويلة إلى شارع الحمراء إلى باريس إلى الحمراء ثانية. فإلى الوحدة الصارمة الشروط. إلى الغربة التي لم نستفق منها إلا بعد اندثار كل الأوهام وكل ما ضحكنا له ضحك طفلين معاً، وكل ما طرّزناه على الأوراق والصفحات والجدران، وبشتى الألوان والألحان.

ثم إلى أمّنا الخالدة في نفوسنا وأجسادنا وأقلامنا وكلماتنا، السيّدة الأولى التي تختصر حركة الدوران للزمن والفصول والأعمار، والتي تُدعى “النهار”.

لا أدري كيف حملت حالي بعد عودتي من وداعك، وسرت في اتجاه المكان الذي كان يقيم فيه مقهى “لاروندا”، حيث كنا نتجمّع لننطلق صوب مطعم مروش لنملأ بطوننا فولاً مدمّساً. غير أنني لم أهتدِ إلى معالم ذلك المكان. فزعلت، ويمّمت وجهي صوب سوق الطويلة حيث كانت تجثو تلك القرميدة التي استضافت “النهار” ردحاً من البدايات الصاخبة، وحيث كان مكتبك يلاصق مكتبي، فلم أجد معْلَماً واحداً من زمننا.

أين ذلك السلّم الطويل بدَرَجاته التي كانت تقاصصنا في الصعود والهبوط؟ كأن كل شيء تحوّل ذكريات من الأطلال.

لن يكون من السهل بَعْثرة كل هذه السنوات التي أمضيناها معاً، وبمرّها قبل حلوها. ولكن حتى المرّ منها كان يُضحكنا.

لقد كان عنده الكثير ليقوله ويكتبه ويترنّم به، ويجعله يشعرنا بأن الدنيا، دنيانا على الأقل، لم تصبح ظلاماً كلها، ما دام أنسي الحاج لا يزال شاهراً قلمه، وشاهراً ضحكته التي تنشر الفرح على مسافات بعيدة. لكن الوحش أبى إلا أن يغدره.

حين تناولت قلم “البيك” لأحكي معك كتابةً، وجدتك تحضر بكل ما في أرجائك من غضب وسخرية وشجاعة.

أحبّك أنسي، وسأظلّ أتفقّد أماكننا الضائعة إلى أن تتعب الشيخوخة من الضجر والفراغ.

 

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.