العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

هل خسرت “أميركا” الشرق الأوسط؟

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

باريس – أعلن “ريتشارد هاس”، وهو أحد أهمّ الإختصاصيين في سياسة أميركا الخارجية، أنَّ “النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط… قد انتهى”. ويمكن إيجاد استنتاجه المثير للجدل والذي يتعارض بالتأكيد مع رأي الرئيس جورج بوش، في الفقرة الأولى من مقالة كتبها في عدد نوفمبر/ديسمبر من مجلّة “الشؤون الخارجية” (Foreign Affairs) الموقرة الصادرة عن مجلس العلاقات الخارجية ومقره نيويورك والذي يرأسه “هاس”.

ويقول “هاس” أنَّه في التاريخ الحديث للشرق الأوسط، يمكن إعتبار التفوّق الأميركي بمثابة الفترة الرابعة من السيطرة الخارجية. فقد تمثَّلت الفترة الأولى بالحكم العثماني الذي استمر حتَّى الحرب العالمية الأولى، ثمَّ جاء الحكم البريطاني الفرنسي بين الحربيْن وتبعته الحرب الباردة حيث تنافست كلٌّ من موسكو وواشنطن على السلطة وتقاسمتا المنطقة فيما بينهما. كما أدَّى إنهيار الإتحاد السوفياتي قبل حوالي 16 سنة إلى فترة حكمت خلالها أميركا بشكلٍ بارز وتمتَّعت بما يسمّيه هاس ﺒ”سلطة وحريّة تصرُّف لم يسبق لهما مثيل”.

إعلان Zone 4

أمَّا الآن، يقول هاس، فيشارف هذا العهد على الإنتهاء وربَّما يكون قد إنتهى بالفعل. فهو يتنبَّأ بأنَّ المنطقة ستدخل مرحلة “يكون فيها للفاعلين الخارجيين تأثيرٌ بسيطٌ نسبيًّا وتتولّى خلالها القوى المحليّة السلطة”.

هل هاس على صواب أم أنَّه يتسرَّع في إستنتاجاته؟ وهل تتأثَّر إستنتاجاته المتشائمة بأخطاء ومظاهر الإغفال وسوء الحكم المرتبطة برئاسة بوش؟ وهل يمكن لأميركا أن تستعيد سلطتها في ظلّ إدارة جديدة؟ هذه هي الأسئلة التي تهمّ المنطقة بشكل كبير.

وربَّما الأمر الأوَّل الذي يجب قوله هو أنَّ الولايات المتحدة ما تزال رغم فشلها الأخير لا تواجه منافسة خطيرة في الشرق الأوسط من قِبَل أيّ قوّة أو مجموعة قوى خارجية. وقد تتحلّى حرب العراق بجميع مواصفات الكارثة الضخمة ولكن أيّ قوّة باستطاعتها أن تنفق 500 مليار دولار وأن تنشر جيشًا مؤلَّفًا من 140,000 جندي لمدّة غير محدَّدة وعبر نصف العالَم؟

ولقد فشل الإتحاد الأوروبي، والذي أمل الجميع بأن يعمل كالطرف الموازن لقوة الولايات المتحدة، في صياغة سياسة خارجية ودفاعية مشتركة. فيتَّخذ أعضاؤه وجهات مختلفة وتنقسم آرائهم حول مسائل رئيسية مثل الحرب في العراق والنزاع العربي – الإسرائيلي وكيفية مواجهة خطر المواجهات العسكرية الإسلامية. وفي ما يتعلَّق بالعراق، إختارت بريطانيا أن تقف إلى جانب الولايات المتحدة بدلاً من شركائها الأوروبيين الرئيسيين، ما أدَّى إلى إنشقاق الإتحاد الأوروبي في الصميم.

ونظرًا للنمو الإقتصادي المذهل الذي تشهده الصين، فقد أصبحت الأخيرة منافسًا إستراتيجيًّا للولايات المتحدة وتحديدًا في شرق آسيا. وهي بالطبع منافس صعب ضمن العملية المحمومة حول العالم للبحث عن المواد الخام؛ وقد قامت بعمليات غزو عميقة إلى أفريقيا حيث يعمل حوالي نصف مليون صينيًّا – الكثير منهم في مواقع للبناء.

غير أنَّه لم يتمّ بعد التعامل مع شَراكات الصين وحلفائها على أنَّها سلطة مكشوفة يمكن للولايات المتحدة أن تبرزها من خلال أساطيلها المائية الهائلة وقواعد شبكتها العسكرية العالمية وتفوّقها التكنولوجي.

وبدوره تطوَّر إقتصاد روسيا نتيجةً لموارد الغاز والنفط ولكنّها ما تزال غير قادرة على إستعادة النفوذ الكبير الذي كانت تتمتَّع به في الشرق الأوسط كمزوِّدٍ للسلاح وكحامي لسلطة العديد من الدول العربية.

أمَّا في ما يتعلَّق بالفاعلين المحليين، والذين يتوقَّع هاس أنَّهم “سيتمتَّعون بالسلطة” قريبًا، فمن الصعب أن تعلم بمَن يفكِّر. فهم في أغلب الأوقات غير متفقين مع بعضهم البعض وحتّى أنَّ العرب غالبًا ما يكونون أكثر إنقسامًا من الأوروبيين. فلم يتمّ حتّى اليوم استثمار ثروتهم النفطيّة، أي ممتلكاتهم الماديّة الأساسية، لأيّ غاية سياسية محدَّدة.

وتشكِّل إيران تحدِّيًا أكبر للسلطة الأميركية ولكن يبدو أنَّ مطامحها إقليمية ودفاعية على نحوٍ صِرف. فهي تسعى للخروج من العزلة المتكلَّفة التي فرضتها عليها الولايات المتحدة، كما تريد أن يتمّ الإعتراف بها كقوّة خليجية أساسية وكحامي للشيعة في كلّ مكان. وعسكريًّا، تسعى إيران إلى مواجهة أو منع أيّ هجوم عليها بدلاً من هجومها على الآخرين، وذلك من أجل تجنُّب الدمار أو التخريب الذي تعرَّضت له العراق.

أمَّا فيما يتعلَّق بالفاعلين غير التابعين للدولة مثل “حزب الله” و”حماس”، فهما لا يقعان في موضع التحدّي مع الولايات بأي شكلٍ من الأشكال. فخلافهما هو مع إسرائيل ومع ما سمحت الولايات الأميركية لإسرائيل بالقيام به في لبنان وفلسطين، كما أنَّ مطامحهما تنحصر ضمن مجتمعيْهما الخاصَّيْن. فإذا تمَّت معالجة شكاويهما الحقيقية سوف يتوقفان عن تشكيل أيّ نوع من الخطر.

وبما أنَّ الولايات المتحدة لا تواجه منافسًا خطيرًا في المستقبل القريب سواء من الداخل أو من الخارج، فهل بإمكانها إستعادة سلطتها؟ وليس هناك شكٌّ أنَّ الولايات المتحدة لا تتمتّع بشعبية في العالم المسلم والعربي، حتَّى أنَّها تُعتَبر مَحَطّ كراهية وبغض في الكثير من الأقطار. ولو تمكَّنت الجماعات العسكرية من ضربها فلن تتردَّد في فعل ذلك.

ويتوق الكثير من العرب إلى عهد الرئيس “آيزنهاور” الذي وضع حدًّا للهجوم الإنكليزي-الفرنسي-الإسرائيلي على السويس في العام 1956. كما يتوقون إلى رئاسة “جيمي كارتر” الذي تمكَّن، وعلى الرغم من قيامه بنصف المهمّة من خلال إقامة سلام مصري-إسرائيلي، من بذل جهدٍ فعَّال لحلّ النزاع العربي -الإسرائيلي بشكلٍ تام.

فماذا على الولايات المتحدة أن تفعل لكي تستعيد الثقة والمصداقيّة؟ ربَّما عليها البدء من خلال إدراك أخطائها الكثيرة.

ولعلَّ الخطأ الأكبر على مدى الخمس وعشرين سنة الماضية كان السّماح لإسرائيل بتوسيع مستوطناتها على الأراضي الفلسطينية. فليس هناك عائقٌ لحلٍّ سلمي للنزاع العربي الإسرائيلي ولتوحيد إسرائيل في المنطقة أكبر من المستوطنين الذين يقارب عددهم النصف مليون نسمة في الضفة الغربية والقدس الشرقية. ولقد أدَّى التآكل القاسي لفلسطين العربية إلى إنشاء حركة “حَماس” المسلحة، كما أحدَثَ عدائيّة تجاه الولايات المتحدة عبر العالَم المسلم والعربي.

وهناك خطأ آخر تمَّ إرتكابه في عهد رئاسة “رونالد ريغن” وهو السماح لإسرائيل بغزو لبنان في العام 1982، ما أدَّى إلى مقتل أكثر من 17,000 لبناني وفلسطيني. حتّى أنَّ الولايات المتحدة حاولت أن تكافئ إسرائيل مقابل ذلك الغزو من خلال إجبار لبنان على التوصّل إلى سلام مستقل كان ليضعه ضمن المظلة الإسرائيلي. وعندما فشلت تلك المحاولة، سمحت الولايات المتخدة لإسرائيل بالبقاء في جنوب لبنان لمدّة 18 سنة أي حتّى العام 2000، وأدَّى ذلك الغزو والإختلال إلى إنشاء حركة “حزب الله” المسلحة.

وتمثَّل الخطأ الثالث بالفشل في إعادة إقامة علاقات ودّيّة مع إيران في السبع وعشرين سنة التي مرَّت على ثورة آية الله الخميني، بالإضافة إلى مساندة العراق في الحرب الطويلة والوحشية بين العراق وإيران (1980-1988). وعوضًا عن ذلك، ونتيجةً لغضب الولايات المتحدة من إعتقال وحجز دبلوماسييها مدّة 444 يومًا عند بداية الثورة الإيرانية، سمحت الولايات المتحدة لنفسها بالبقاء في حالة عداء شديدة من أجل تحقيق نفوذ إقليمي ضخم؛ وهي الآن تدفع ثمن ذلك الخطأ من خلال التحدّي الإيراني حول المسألة النووية.

أمَّا الخطأ الرابع الذي يجعل الأخطاء الأخرى تبدو صغيرة فهو ردّ فعل أميركا المتهوّر والمفرط تجاه الهجمات الإرهابية التي حدثت في 11 أيلول/سبتمبر 2001. فقد تبيَّن أنَّ الحرب التي شُنَّت على العراق بناءًا على إفتراضات زائفة كانت مجرَّد خطأ فاجع. فكانت تلك الحرب نتيجة رغبة وليدة اللحظة بتلقين العرب درس حول قوّة أميركا العسكرية، كما أنَّها كانت نتيجة طموح أميركا بالسيطرة على موارد العراق النفطية الهائلة. وعلاوةً على ذلك، كان العامل الأساسي وراء الحرب، وربَّما العامل الأساسي في عقول موظَّفي الحكومة الأميركية الذين يؤيّدون الإسرائيليين، هو محاولة تطوير بيئة إسرائيل الإستراتيجية من خلال سحق دولة عربية هامّة.

لم تكتفِ الحرب – و”الحرب على الإرهاب” التي هي جزء منها- بتبديد موارد أميركا الماديّة والبشريّة بل أدَّت أيضًا إلى إحداث ضرر هائل، وربَّما غير قابل للإلغاء، في مكانة أميركا الأخلاقية.

ماذا يجب على الولايات المتحدة أن تفعل الآن؟ يجب أن تستعيد إستقلالية سياستها الخارجية من خلال تحرير نفسها من ضغوطات جماعات المصالح الخاصّة أو الجماعات التي تحاول التأثير على أعضاء المؤسسات التشريعية. كما عليها أن تعاقب المسؤولين عن إنتهاكات حقوق الإنسان، وذلك مثل التعذيب. ويجب عليها أن تعلن تاريخًا محدَّدًا لإنسحابها من العراق، هذا بالإضافة إلى بذلها كلّ الجهد المطلوب واعتماد جميع الوسائل من أجل حلّ النزاع العربي الإسرائيلي على أساس العدل والمساواة.

سوف تنتهي رئاسة جورج بوش بعد سنتيْن؛ فهل سيتمكَّن من التصرُّف أم أنَّ تنبُّؤ هاس سيصدق وسينتهي النفوذ الأميركي؟

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.