العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2B

Ad Zone 2B

ماذا يفعل الجنرال؟

Ad Zone 4B

كثر ممن حوله وممن ليسوا حوله يطرحون السؤال هذه الأيام: ماذا يفعل ميشال عون؟؟ هل قرر إهدار ما حققه بالتضحية والمعاناة والخسائر والأثمان، طيلة الأعوام الستة الماضية؟؟ هل عزم على هدم ما راكمه في الاستراتيجيا، من أجل محاصصة وظيفية؟؟ أم أن الاتهام المروج له لدى خصومه لم ينطلق من عدم، لجهة زعمهم بأن الجنرال يسعى إلى ذريعة في الإدارة من أجل تمايز في السياسة؟؟

يضحك ميشال عون حيال كل الاتهامات الضاربة في جدار صده هذه الأيام. يقول مقهقهاً: «فاتحا معي على الضحك بدل الغضب هالمدة». وهو يستغرق في ضحكه الطفولي، تستذكر في قسمات وجهه تضحيات المرحلة الأخيرة: منذ لحظة «التفاهم» قرر التطوع للدفع من رصيده الشخصي، لأجل ما يراه مصلحة وطنية. بعدها دفع أكثر في حرب تموز، ومن دون حساب. كان العالم يستعد لحربه الكونية على وادي الحجير وحجرات أخرى. كون بأكمله يحضر ويحشد. أما عون فحسمها في لحظات. على تلك الشرفة الصباحية، فكَّر بصوت عال: إنهم أهلي وشركائي في الوطن. إذا ربحوا المعركة فعلي أن أعيش معهم، وإذا خسروها علي أكثر أن أعيش أو أموت معهم. مع فارقين اثنين: أولاً، إذا كنت إلى جانبهم يكون حظهم في النصر أكبر، ولو بمقدار مساهمة احتضان الشعب للمقاومة. وثانياً، إذا انتصروا يكون النصر للوطن وللحق. هكذا صار عون في قلب المعركة. ترك بيته عدة ليال سراً، بعدما صارت طائرة «إم. كا» الاسرائيلية مياومة في سماء الرابية. جاء النصر في آب، وكان الجنرال مستمراً في الدفع. بعد أسابيع أطلت المحكمة، وفتح عون رصيداً آخر لها من رصيد ناسه. بعدها اعتصام وسط بيروت، ثم لحظة التخلي وقطع الطرق، بعدها دمشق وطهران، فيما الناس «راجعة» منهما، و 7 أيار والدوحة وصفقة الرئاسة… لم يفرغ رصيد الجنرال، ولم ينضب نبعه ولم يتلكأ لحظة. لكن النتائج كانت واضحة، تكفيها أرقام انتخابات 2009 مقارنة بتسونامي 2005. ومع ذلك لم يبدِّل حرفاً ولا عبسة ولا صرخة ولا حفلة غضب…

ما الذي يحصل الآن؟؟ ما حقيقة القصة؟ وهل «تحرز» بضع وظائف متواضعة في كهرباء لبنان مقابل كل التراكم السابق؟؟

تضحك الرابية أكثر حيال تلك التساؤلات. يعود خطابها إلى الأساسيات. ميشال عون يدرك، لا بل يؤمن، أن ناسه لم يعد لهم إلا مشروع الدولة حصناً ومخلصاً ومنقذاً وملاذاً. وحدهم أولئك الذين زعَّموه لا أجندة خارجية لهم. لا خيار خارج الدولة لبدائلهم. لم يعد من وجود آخر لهم أصلاً، لا بالسلاح ولا بالمال ولا بالسفارات ولا بالوصايات… لا مناص لهم إلا الدولة. من دونها يموتون كلياً. وببنائها يحفظون بعض أمل في الحياة.

ليس صحيحاً ان عون مفصول عن واقع ما يحصل في لبنان وخارجه. لا بل لأنه ملتصق بكل حركة من هذه، يفكر كما يفكر. منذ عقود طويلة كان يدرك أن ثمة عوامل لتأجيج الأزمات اللبنانية. بينها الطائفي، وبينها الخارجي الإقليمي، لكن بينها أيضاً تخلف الثقافة السياسية لدى الفرد، ونمط الإقطاع السياسي السائد، ومزرعة الشأن العام. منذ عقود كان يؤمن بأن بناء دولة حقيقية هو الفرصة الوحيدة لنقل الإنسان عندنا من انتماءاته المتخلفة المتنابذة، إلى انتماء حضاري جامع. منذ عقود كان هذا خياره، في الجيش و«الحارة» والدولة والمنفى، فكيف حين أطل ربيع الأصوليات، ودفع بقرن فتنته المذهبية إلى الداخل اللبناني؟؟ هنا صارت الدولة بالنسبة إلى عون الضرورة والأولوية والإلحاح الأقصى في آن واحد.

فجأة شرقطت في الكهرباء. ليست مسألة مياومين معتّرين، ولا مناكفة مع بري، ولا بازاراً انتخابياً مبكراً. كل الرهان الإصلاحي والتغييري هنا، في الإدارة والتشريع والميثاق.

تعالوا نحكي في الإدارة، فهل يعقل لأي مؤسسة خاصة أو رسمية أو مشتركة، في أي مزرعة من مجاهل العالم، أن تقبل تطويعاً قسرياً ضمن جهازها الوظيفي، من دون سقف ولا ضوابط ولا رقم ولا عدد؟؟ ألا يعني ذلك تهديماً لمبدأ المؤسسة ومفهومها؟؟ فكيف إذا كانت الخطوة الكهربائية مقدمة لسلسلة مماثلة رُفع كتاب إلى ميقاتي بها، من نوع «السلبطة» على الدولة وتهديمها بنحو 7 آلاف منتفع جديد؟؟

ثم تعالوا نتكلم في أصول التشريع وسلامة العملية البرلمانية، هل يعقل ما حصل في المجلس الاثنين؟ حتى نواب الحريري قالوا «مسخرة». هل هكذا يكون التصويت؟ كما قال سامي الجميل متحدياً: فلتعلن رئاسة المجلس اليوم، ما كان تصويت هذا النائب أو ذاك؟؟ ثم هناك مخالفة دستورية. ها هي المادة 67 من الدستور واضحة: «للوزراء أن يحضروا إلى المجلس أنّى شاؤوا، وأن يُسمعوا عندما يطلبون الكلام». هل طُبقت؟ أكثر من ذلك، ما هي فلسفة المادة 84 من الدستور حين تقول: «لا يجوز للمجلس في خلال المناقشة بالميزانية وبمشاريع الاعتمادات الإضافية أو الاستثنائية، أن يزيد الاعتمادات المقترحة عليه في مشروع الموازنة أو في بقية المشاريع المذكورة، سواء كان ذلك بصورة تعديل يدخله عليها أو بطريقة الاقتراح»؟؟ أليس المقصود بهذا المبدأ الدستوري هو عدم إنهاك السلطة التنفيذية بنفقات تفرضها عليها السلطة التشريعية فرضاً؟ أليس الهدف هو ألّا تؤدي شعبوية الديموقراطية إلى تهديم فاعلية الحكم؟ وهذا أساس في فصل السلطات، كما أسهب في شرحه جورج عدوان. في المقابل، ما الذي حصل في ساحة النجمه؟ فرضُ أعباء مالية على الدولة بلحظة، مع تكريس هذا العرف الكارثي والمنذر بالقضاء على البلد ونظامه الديموقراطي، إذا ما تعمم أو تكرر.

يبقى المستوى الميثاقي للأزمة. نعم الميثاق أيضاً على المحك هنا. تكفيه مقارنة بسيطة تضج بها الرابية هذه الأيام: قبل أسابيع قليلة كان ثمة مشروع قانون آت من الحكومة إلى المجلس، لإقرار اعتماد مالي بـ8900 مليار. وقف فؤاد السنيورة معترضاً، فأوقف نبيه بري كل شيء. جمَّد المشروع والجلسة وحكومته وحكومة حلفائه، لأن ممثلاً لجماعة ميثاقية اعترض، وكان في ذلك على حق. يوم الاثنين الماضي، كان في المقابل ثمة اقتراح من نواب، ضد مشروع للحكومة، ووقفت كل الكتل المسيحية تصرخ مناشدة سماع رأيها، لكن النتيجة كانت: صُدق… كأنما هؤلاء لا يمثلون، أو كأنهم لا يمثلون جماعة من الفئة الأولى في البلاد، أو كأن صوت ميشال موسى يكفي لتغطية الخطوة فاتيكانياً!!

في الرابية يُقال لميشال عون هذه الأيام: ناسُك وناسُنا مكسورون جنرال. عندما جاء من يحطم مقر مؤسسة الكهرباء في الجميزة بالذات، لم يهتم شاب واحد منا بمواجهة سكاكينهم. كمال حايك الآدمي والكفؤ، لم يجرؤ على اتخاذ إجراء بحسم أجر يوم واحد لمعتدٍ واحد من زمرة قليلة تلطت بالمياومين المعترين. ناسنا مكسورون، وأنت مسؤول بعض الشيء عن كسرتهم. فإذا كنت لا تقبل إيواء الأزعر والتحاقه بك، ولا تقدر على حماية الآدمي وتحصين حقه، فكيف ستكمل من هنا؟ وكيف ستضمن استمرارية مشروعك للغد؟؟

ماذا يفعل ميشال عون اليوم؟ هو يعتقد انه يحاول تصحيح التواءات باتت خطيرة. ورهانه على ناسه، وعلى كل الناس، وعلى سيد من قهر اسرئيل مرتين، بحفنة من أشرف الناس… يحاول اليوم عون، حيث لا يُعذر الآخرون، لا اليوم ولا في أي يوم.

 

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.