العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2B

Ad Zone 2B

لو أن الحريري من طينة أخرى…

Ad Zone 4B

بين احتفال أشرف ريفي بمقتل آصف شوكت و«هدية» ثوار دمشق إلى سعد الدين الحريري، تتيقَّن أكثر فأكثر أننا ذاهبون نحو الكارثة، بعيون مفتوحة وقلوب مغلقة مقفلة موصدة على موروثات من عمر قرون وغيبيّات وأساطير. كارثة من نوع وهم الانتصار، في بلد لا ينتصر إلا على نفسه ولا يهزم إلا ذاته. كارثة من النوع الذي يبدأ بأفكار التشفي والحقد المتفجر من المكبوتات السحيقة، وينتهي بادعاء ساعات التخلي وكبت أحقاد جديدة، في انتظار «يوم أبرك وظرف أفضل»، كما كتب يوماً المفتي الراحل حسن خالد…

ذاهبون إلى كارثة لأن شخصاً، على سبيل مجرد المثال، مثل ابن الحريري، لا يعرف أنه يحتاج إلى من يطمئنه إلى غده، ولا يعرف كيف يطمئن حلفاءه، قبل أن يطمئن الخصوم.

فلو كان ابن الحريري مثلاً من طينة أخرى، غير طينة جيل الغادجيت وورثة الملاعق الذهبية ومسامري الآلات الإلكترونية على أنها بشر، أو أرقام البورصة على أنها ديموغرافيا… لو كان من طينة أبيه على الأقل، لكان الآن في بيروت. ولو مختبئاً في غرفة تحت الأرض. على طريقة حسن نصر الله أو سمير جعجع. ولكان قد أطل من بيروت ليقول لناسه وحلفائه أولاً: لا، لسنا نحن من يراهن على استثمار الدم السوري، لنعيد نبش الرايات المضرّجة بدماء ناسنا ومسؤولياتنا منذ قرون لم نتعلم منها شيئاً ولم ننس منها شيئاً. لا، لسنا استمراراً في السياسة ولا في الطائفة ولا في المذهب، لفريقنا الذي وقف ذات يوم من عام 1975، معلناً أنه يتخذ من البندقية الفلسطينية جيشاً له ضد أبناء وطنه. لا لشيء، إلا لأنه توهم يومها أن «الثورة الفلسطينية» قادرة على أن تشكّل له رافعة تاريخية تؤمن له ثأراً على مستوى النظام واستئثاراً على مستوى الحكم. ولا لشيء، إلا لأن خصمه كان مجموعة من «عباقرة» الموارنة الذين انتظروا أكثر من نصف قرن من الزمن، ونصف ناسهم من القتلى الجرحى والمهجرين والمهاجرين، ليقتنعوا بمناصفة عدد نوابهم لقاء ثلثهم الديموغرافي… وللمناسبة، هي «العبقرية» المارونية نفسها، التي قد تنتظر أن تكمل «على اللي بقيوا»، قبل أن تقتنع بالمطالبة بالدولة المدنية الكاملة والشاملة فوراً، وبضمانات دستورية إجماعية، بدل التشدق بميثاقيات «الطائف» الخاوية ومعادلاته الحصصية المعتورة والمختلة…

ولو أن الحريري الابن من طينة أخرى، لكان قد تابع من بيروت أيضاً: لا، ولسنا استمراراً في التكتيك ولا في المناورة لفريقنا الذي ركب الدبابة السورية ذات يوم من عام 1990، ضد جيشه وشعبه وبلاده ودولته. لا لشيء أيضاً، إلا لأن قراءته للسياقات الإقليمية والدولية يومها، جعلته يعتقد أن الوصاية السورية ستضمن له إقامة نظام «السنية السياسية المقنعة»، تماماً مثل مارونية فؤاد شهاب السياسية المقنعة أيضاً: السيادة للخارج، والإدارة لنا. مع فوارق كبيرة بين شخصية عبد الحميد غالب وغازي كنعان، والأهم بين شهاب نفسه والحريري الأب… الفريق الذي دمر لبنان بوقوفه مع سوريا وهي على أرضنا، ثم كاد يدمر لبنان ثانية، بوقوفه ضد سوريا وهي خارج أرضنا… ولكان الحريري قد فاجأ شارعه باعتذار من بيروت. اعتذار منها على تعهير مفتاحها، وسرقة وسطها، ومسخ ذاكرتها ونبذ فقرائها خارج المدينة المسوّرة للمحظيين. واعتذار خصوصاً على إلغاء علة وجودها كساحة اندماج لأبناء الوطن، لا ماخور عربدة لباعة الأوطان وتجار الأوهام ومحترفي رقيق الإنسان. ولكان بمقدور الحريري الابن أن يجهر بصوت عال: لست مسؤولاً عن أي من تلك الموبقات، ولن أقع فيها. حتى ولو بدا لبعضكم أن وهماً جديداً مزدوجاً بدأ يتشكل في الأفق، في أن تكون بندقية فلسطينية ما معي مجدداً، وبندقية سورية ما، معي أيضاً.

لو أن الحريري الابن من هواة الفكر والتاريخ والثقافة والاجتماع والشأن العام، لكرر هذه الأيام، كل يوم من بيروت: أنا لا أدّعي طمأنة أحد. أنا أبحث عن اطمئنان لنا جميعاً. فحين أرى خالد مشعل ضاحكاً لعوفير برانشتاين، وفي رعاية أمير مؤمني المغرب وحكومة «إخوانه»، لا تعود تطمئنني أي بندقية فلسطينية. فكيف إذا كانت على باب صيدا، وفي يد «أسير». وحين أشاهد البيانوني متتلمذاً على صهيونية برنار هنري ليفي، لا أعود أركن إلى أي ثائر سوري، فكيف بمسلح ملتح… وحين أخبر كيف أن وائل غنيم جرفته ثورة الميدان الذي فجره، فيما هيئة الأمر بالمعروف تبقر بطون الرجال على ضفة النيل… ووالدة البوعزيزي صارت خلف قضبان الثورة، الثورة نفسها التي أشعلها ابنها بجسده. كأنما لتحترق هي مرتين… وعبد الفتاح يونس يغتال في ليبيا حين يتأكد نصر ثورته بالذات… عندها أتيقن مجدداً أنني أحتاج إلى من يطمئنني إلى غدي، لا أن أطمئن خصماً على خلفية يوم مضى.

لو أنه من طينة أخرى… فرضية مستحيلة؟؟ إلا إذا تذكر الحريري نفسه أن السياسة هي أحياناً فن المستحيل.

 

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.