العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

3 رسائل بابوية منتظرة: المنطقة وسوريا ولبنان

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

ثلاث دوائر متحلقة تلخص أدبيات خليفة بطرس في زيارته لبيروت: لبنان، سوريا، والمنطقة. في الدائرة الأوسع لا شيء مخفيّ، بل إرشاد رسولي مقتبس بكليته من التوصيات الـ44 لسينودس الشرق الأوسط. أما سورياً فترقب، خصوصاً بعد تباينات عدة في مواقف أوساط روما من أحداث دمشق. يبقى لبنان وكنيسته ومسيحيّوه، هنا قد يكون الكلام الجدي ما لن يعلن في الخطب، بل خلف الأبواب الموصدة…

جان عزيز

إعلان Zone 4

على مسافة عقد ونصف من زيارة سلفه الطوباوي يوحنا بولس الثاني، يأتي «مبارك» السادس عشر إلى لبنان. خمس عشرة سنة غيّرت كل شيء في هذا البلد. سنة 1997 كان البلد تحت احتلال إسرائيلي ووصاية سورية. وقيل إنه كان أكثر أمناً وممسوكاً أكثر. اليوم صار لبنان سيداً مستقلاً، ويقال إن فوضاه وقلقه وكل هواجسه مستقلة وسيدة أيضاً. يومها جاء البابا قبل سنة من نهاية ولاية رئيس عيّنته سوريا ومدّدت له. اليوم يأتي بابا آخر قبل سنة من نهاية ولاية رئيس آخر، عيّنته سوريا نفسها قائداً للجيش، و«عينه» خارج الدوحة وأخواتها رئيساً، ويفترض ألا يكون أحد قادراً على التمديد له. يومها جاء المناضل البولوني فويتيلا إلى بيروت، فيما فرنسا شيراك تطلب من اللبنانيين عبر خطاب رسمي من قلب عاصمتهم، أن يقبلوا ببقاء النظام السوري عندهم حتى جلاء عملية السلام في المنطقة، ولو أدى ذلك إلى تدمير بلدهم. اليوم يأتي اللاهوتي الألماني راتزنغر، فيما فرنسا ساركوزي وهولاند توحي إلى بعض اللبنانيين بالهجوم على النظام السوري في سوريا، ولو أدى ذلك إلى تفجير بلدهم وكل المنطقة. يومها كانت أصوات هامشية ترفض الزيارة احتجاجاً على إقامة علاقات دبلوماسية بين روما وتل أبيب. اليوم أصوات مماثلة تُسمع، فيما ممثليات تل أبيب المعلنة أو المعروفة بلا إعلان، تفرخ كالفطر في كل العالم الإسلامي. يومها كان الحريري الأب ناشطاً بشراسة لشطب بند المطالبة بإعادة انتشار جيش الأسد الأب في لبنان، كما صدر في «النداء الأخير» لآباء المجمع خريف سنة 1995. وكانت حقيبته الشهيرة المعلق بها أحد مستشاريه الورعين، تتنقل مثل المكوك في جادة «كونسيلياسيون» لتحقيق ذلك. أما اليوم فصار الحريري الابن مستأسداً للمطالبة باندثار الأسد الابن من سوريا نفسها، ولو صارت رتبته بلا حقيبة، بعدما وضب حقائبه مبارحاً وطنه الثاني لبنان. ويومها كانت أخبار البابا محظورة البث في لبنان، بأمر من وزير إعلام غازي كنعان، فريد المكاري ما غيره. اليوم صار المكاري نفسه بوقاً لصوت روما وباريس ولندن وواشنطن، وحيث يمكن صوته أن يصل أو يوصل… يومها كان عون منفياً، وجعجع معتقلاً، وبكركي على مشارف ثمانينها. أما اليوم فعون هنا، وجعجع كذلك، والصرح متجدد… ومع كل ذلك ثمة انطباع لدى كثيرين أن الوضع قبل عقد ونصف كان أفضل.
هذا المشهد المقارن، يقول عارفون بدروب روما، يعرفه البابا، ويعرف خلفياته وأسبابه. وهو ما سيحاول الإحاطة به في ثلاثة أيام، وثلاث خطب رئيسة، بين حريصا وبكركي وبيروت. فعلى مستوى المنطقة موقفه معروف، رغم إشكاليته: انتماء المسيحيين إلى هذا الشرق، ونزاعية وجودهم فيه نتيجة الفكر الإلغائي لدى بعض الآخرين، وضرورة حل تلك الإشكالية بالحوار وثقافة الاختلاف والسماح والاعتراف والاحترام. وقد يرى البابا في تطورات المنطقة في العامين الماضيين فرصة وخطراً في آن واحد. فرصة أن يحضر الأزهر قداس ميلاد الأقباط في القاهرة، أو خطر أن يرفض بعض مجلس الشعب الثوري المصري الوقوف حداداً على غياب البابا شنوده. فرصة أن يُعاد بناء كنيسة القديسين المحروقة بمؤامرة النظام السابق، أو خطر أن تُحرق قرية دهشور بظلامية النظام اللاحق. فرصة أن تبني المنطقة صروح ثقافتها وعصرنتها وحداثتها على قاعدة حرية الضمير المطلقة، أو أن تهدم أضرحتها كما في ليبيا، على قاعدة قرونسطيتها المؤبدة.
لكن يبقى السؤال: بأي صيغة أو لهجة سيعبّر «حارس عقيدة» روما منذ عقود طويلة، عن هذه المواقف؟ هل يقولها باللغة الإشكالية التي استخدمها في محاضرة غيتسبورغ قبل ستة أعوام، أو بعفوية أحد الأساقفة المشرقيين الذي أثار عاصفة في سينودس الشرق الأسوط قبل عامين، حين صارح إخوته بمعاناة أهله ومؤمنيه؟ أم يطرح المسألة بلغة أكثر تغليفاً؟ يجيب أحد الخبراء: لا يمكن خليفة فويتللا أن ينسى كلام سلفه إلى أساقفة العالم في 25 تموز 1991، حين قال: «على الكنيسة، وبشجاعة كاملة، أن تكون صوت من لا صوت لهم. عليها أن تضع ذاتها دوماً في خدمة حقوق الإنسان. عليها أن تجهر بذلك قولاً وعملاً أمام الأفراد والشعوب والدول من دون أي خوف».
وفي هذا السياق بالذات ستكون مقاربة البابا للوضع في سوريا. فعلى مدى سنة ونصف من الأحداث الدموية المأساوية في بلد «طريق بولس» وشام شاوول، كثرت تأويلات موقف روما. حتى إن تسريبات وتلفيقات دسّت في وسائل الإعلام، كما أن بعض رجال الدين، من المنتظمين أو من «الفوضويين»، حاول كل من جهته ووجهة نظره تعميد موقف الكنيسة بموقفه الخاص. فالأب باولو ديلو مثلاً، غير المنتسب إلى أي كنيسة رسمية، جاهر بمعارضته للنظام، بينما نُسب إلى القاصد الرسولي في حلب المونسنيور جوزيبّي ناتزارو قوله في 7 آذار الماضي إن «المعارضة مسيّرة منذ البداية»، وإنه «في الشرق الأوسط تُرتكب أسوأ الانتهاكات في جوّ من الصمت الشامل، وعلى الرغم من ذلك تصوّت الدول التي ترتكب هذه الانتهاكات لقرارات الأمم المتحدة ضد سورية، فأين هو صوت الضمير؟».
لكنّ العارفين بثوابت روما يؤكدون أنها لم ولن تخرج عن الإطار _ الموقف الذي حدده البابا مطلع هذه السنة. فهو كان أعلن في 9 كانون الثاني الماضي، أمام السلك الدبلوماسي المعتمد فاتيكانياً، دعوته إلى «فتح حوار مثمر في سوريا، يشجعه وجود مراقبين مستقلين»، وإلى «وقف سريع لإراقة الدماء». وهو الموقف الوحيد العملي الممكن تكراره في بيروت، من ضمن أدبيات السلام وحقوق الإنسان وحريات الشعوب ووقف الحروب.
يبقى لبنان، حيث سيكون عنه كلام في العلن، وآخر بعيداً عن الإعلام. في الشق الثاني، يؤكد عارفون أن البابا سيكون حازماً في إقفال الأبواب أمام محاولات «الحرتقة» على بكركي، التي أطلقتها جهات سياسية مسيحية وأخرى غير مسيحية وحتى غير لبنانية، للتشويش على الصرح وديناميته لدى روما. ولم يستبعد هؤلاء أن يكون لقداسته إيحاء أو إشارة واضحة بهذا المعنى، بمعنى: الأمر للراعي، اصمتوا وانضبطوا. والأمر المذكور ينسحب على الكثير من الملفات الكنسية العالقة، ضمن بنى الكنيسة المتعددة، ولا يزيد العارفون في التفاصيل.
لكن الأهم لبنانياً يبقى في السياسة. فمنذ عقود طويلة كان معروفاً أن في روما حيال مسيحيي لبنان والشرق نظريتين. واحدة تقول باعتبارهم «مختبر» تعايش مع غير المسيحيين، وفق مقولة الكاردينال كازارولي الشهيرة في السبعينات، والتي غالباً ما رفضها مسيحيّو لبنان وحمّلوها وزر مصائبهم، فيما تقول نظرية ثانية باعتبار وجود المسيحيين في هذه المنطقة، بمعزل عن أي آخر كان، هدفاً نهائياً في حد ذاته، انطلاقاً من مسوغات تاريخية وسوسيولوجية، وحتى لاهوتية، على طريقة الإيمان بنور الشرق الضروري لعودة «السيد». وهي النظرية «الميغالومانية» التي يرى كثيرون، في الغرب وفي روما نفسها، أنها سبب مصائب مسيحيي المنطقة وتغربهم وزوالهم. بين النظريتين يفترض أن يمشي البابا «مبارك»، بحيث يُفهم مؤمنيه أن المقولتين معاً قد تخطاهما الزمن. فلا أنتم حافظتم على حجم يسمح لكم بنظرية الوجود المستقل، ولا العالم الإسلامي في حاجة إليكم بعد ليتفاعل مع العالم ويختبر قدرته على التواصل معه أو التعايش، في زمن العولمة وعصر المعلوماتية. بعض التواضع، وبعض العقل، والكثير من المحبة… قد تكون تلك مكونات الوصفة السحرية التي يبحث عنها قداسته لأهل الأرز وثورة الأرز ووطن الأرز، الذين من شدة تشددهم، خلطوا بين الأرز والأرزّ، فالفارق ليس غير شدة.

 

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.