العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

بين قلب الشرع وجرح الشعار … الألسن نفسها

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

في الأسبوع الأول من شهر تشرين الأول سنة 1999، وصل إلى مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت، مريض في حاجة ماسة إلى عملية جراحية في القلب. لم يكن مريضاً عادياً، إذ لم يلبث اسمه أن قلب أوضاع المستشفى ومنطقته والعاصمة وحتى البلد. كان فاروق الشرع، وزير خارجية سوريا يومها. بعد نحو ساعة على إدخاله المستشفى، انتشر الخبر من البوريفاج إلى كل صالون وقصر. وفي غضون دقائق، تحول ذلك الصرح الإنجيلي محجة لطبقة كاملة من كل الطوائف. كأنهم استعادوا إيمانهم فجأة، على وقع مفاجأة استشفاء السيد الوزير. بعضهم كاد يأتي حافي القدمين، تعبيراً عن نذر تشفع من قلبه الوفي للقلب العليل. البعض الآخر قيل إنه شوهد يزحف على سلالم المستشفى وفي أروقته وردهاته، وإذ سئل عن سبب تعفير الجبهة والبطن، تلعثم قبل أن يعزوه إلى ممارسة طقوسية قديمة لديه، تهدف إلى تطهير الجسد والروح، وإسقاط تلك الحالة النرفانية على قلب المريض العزيز…

الذين يتذكرون تلك الأيام «الخلاصية» من الجسم الطبي أو الإداري للمستشفى، يجزمون بأن نصاباً وزارياً ونيابياً كاملاً كان مؤمناً 24 ساعة في اليوم، وسبعة ايام في الأسبوع، بين بوابة الباركينغ وقبضة «زحافة» مريض «الأخوّة والتعاون والتنسيق». كان يمكن مجلس الوزراء أن يُعقد هناك في أي لحظة. وكان يمكن جلسة نيابية لإقرار تعديل دستوري أن تجد ثلثيها الضروريين حاضرين غير نضرين على دوام ثواني الاستشفاء ومن ثم النقاهة، لوزير «تلازم المسارين» في ذلك الزمن. حتى قيل إن الداخلية فقدت ديوانيتها طيلة مدة العلاج «الشرعي»، وإن وزيرها المر صار يتوسط لدى الأطباء للتعجيل في صحة الوزير وعافيته، خوفاً من أن يفقد ركاب أربعائه كسرة الخنوع على باب سراياه القديمة، إذا ما استذوقوا الكسرة نفسها على باب حمام الشرع.

إعلان Zone 4

أما في محيط الجامعة، فتضاعفت الحركة الاقتصادية. وشهدت المنطقة الممتدة من طلعة جنبلاط إلى نزلة الألمان نمواً اقتصادياً لا يزال معارضو الحكومة الحالية يذكرونه كرقم قياسي، مع أنه مسجل في عهد إميل لحود وسليم الحص. محلات الأزهار في المحيط صارت تنفق مخزونها فجراً، فضلاً عمن لم يحتجها أصلاً، ممن دأب على استيراد زهوره الندية لتمني الشفاء الفوري، فوراً من أمستردام وكيتو بطائراته الخاصة. وحده سمير قصير، كتب بصراحته الجارحة، في «نهار» جبران يومها، حقيقة ما كان يعيشه المتذللون كما المنتفضون.

ولم تلبث حالة التماهي في المرض أن بلغت المناطق. حتى قيل إن ضابط الاستخبارات السورية في أحد المراكز في طرابلس، لحقته شظايا الأزهار والهدايا وطلبات الصلاة والشفاعات. كان اسمه، محمد الشعار.

الضابط نفسه، صار اليوم وزيراً للداخلية في سوريا نفسها. وهو نفسه من وصل إلى المستشفى نفسه في بيروت نفسها، للعلاج من حروق بالغة أصابته من جراء انفجار استهدفه في مقر وزارته في دمشق. فجأة لا زهرة، ولا من يزهرون، بل طوق أمني، ومطالبات باعتقال المستشفي، بكل التهم الممكنة.

في المنطق الإنساني الانفعالي الرد ــ فعلي، المسألة مفهومة. فحين تسمع الروايات التي ينقلها المعنيون عن كيفية تعاطي ضباط استخبارات الجيش السوري معهم ومع كراماتهم وأعراضهم، لقاء وجود المهانين في السلطة وتمتعهم بأنعامها والمغانم طيلة عقد ونصف عقد، قد تفهم ردود فعلهم الحاقدة الثأرية الانتقامية الكيدية والمتشفية اليوم، لكن ماذا عن «التوزيع العادل للمسؤوليات عن تلك الحقبة»، كما رحل جوزف سماحة وهو يطالب، بين صفاقة الوصي وصغارة العميل؟ وحتى في المنطق الحقوقي الدولي، الأمر مفهوم. كل متهم بجرائم كبرى عرف في لحظة ما مطالبة خارجية بملاحقته. وهو ما عرفه بينوشيه وشارون وليفني وكثيرون، لكن الإضافة اللبنانية المتميزة، أن أياً من هؤلاء لم يشهد تكالباً عليه في الزمن المنقلب عليه، ممن كانوا هم أنفسهم عبيده الطوعيين، المتكالبين معه في زمنه.

ربما المفارقة نفسها هي ما دفعت سمير قصير أيضاً إلى الاكتشاف بعد جلاء الجيش السوري، كم كان نظام الوصاية واهياً، وكم كان ثوار الثواني الأخيرة من «انتفاضة الاستقلال» مقصرين في الممانعة والمقاومة.

في المرتين، يوم جاء الشرع، ويوم جاء الشعار، كانوا هم أنفسهم. الذين استضعفوا في المرة الأولى أمام «رجل مريض»، والذين يستقوون اليوم أمام رجل جريح، هم أنفسهم. وفي المرتين، خربوا لبنان وخربوا سوريا أيضاً. في المرة الأولى استدرجوا احتلالاً للجيش السوري، واستداموه. وفي المرة الثانية ينذرون باستدراج احتلال آخر لجيش سوري آخر.

ثمة مثل شارعي معروف في لبنان، يمكن اقتباسه في هذه الحالة محوَّراً: تتغير الصفات بين «مريض» أو «جريح»، بين وزير خارجية أو داخلية، بين متقلب أو منقلب من استضعاف وامتهان إلى استقواء واستعلاء، لكن الألسن هي نفسها.

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.