العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2B

Ad Zone 2B

بكركي واليرزة في عبارة واحدة: هل ماتت الدولة؟

Ad Zone 4B

ما هو هذا السر، أو تلك المصادفة، في أن يتكرر معنى واحد، في موقفين لافتين، في لحظة قد تكون مصيرية؟

في غضون خمسة أيام، كان بيان صادر عن اليرزة، وعظة ملقاة في بكركي، وكان تقاطع في الفكرة والدلالة بينهما، وربما في الهاجس والدافع وخلفية المقاربة والمعاناة.

ففي 5 حزيران الجاري، وإزاء الأحداث المزمنة في مدينة طرابلس، وفيما كانت وحدات الجيش تنفذ انتشاراً بين متاريس الحقد الأهلي ونار القرون السحيقة، صدر عن اليرزة بيان يشرح الخطوات المتخذة. غير أن اللافت فيه عبارة تقول: «تؤكد قيادة الجيش أنها ستتخذ ـــ بنفسها ـــ كافة الإجراءات الحاسمة».

وفي 10 حزيران، كان البطريرك بشارة الراعي يترأس قداساً احتفالياً في بكركي. وكانت له عظة مكتوبة لم تخلُ من نقد صريح طاول مختلف قطاعات الحياة الوطنية العامة، وبشكل لامس القسوة: «الإعلام بات يسكر بأخبار الدم والحرب والنزاعات والإساءات وافتعال الأكاذيب»… والسياسة «سوق المتاجرة والمقامرة بكرامة الشعب وكرامة وطنه»… وفي الوطن «عابثون بمصيره وبدوره ورسالته»… لكن بين كل تلك، كانت عبارة لافتة أخرى: «نعاهدكِ (يا مريم) بأن نأخذ ـــ بيدنا ـــ زمام قيادة شعبنا».

غريبة تلك المصادفة. وغرابتها مزدوجة. غرابة أولى من حيث الطبيعة الوظيفية لكل من المؤسستين. وغرابة ثانية لجهة هذا التزامن بين الموقفين. إذ ليس تفصيلاً أن تعلن قيادة الجيش أنها «ستتخذ بنفسها» ما تتخذه. فيما الجيش دستوراً وقانوناً وعرفاً وأنظمة، هو ذراع تنفيذية لسلطة الدولة. وهو في لبنان تحديداً «يخضع لسلطة مجلس الوزراء». فما الذي حصل لتعلن قيادة الجيش أنها باتت «تتخذ بنفسها»؟ والأمر نفسه يصح أيضاً لجهة بكركي. فالكنيسة في التعليم والعقيدة والواقع والمرتجى، هي الأم والمعلمة ومستودع الحقيقة ومرجع الضمير ومقياس القيم ومحفظة المبادئ وحافظتها… لكنها ليست السلطة القائدة في مجتمع بشري معين. ذلك أقله منذ قال التعليم «بالعلمانية الإيجابية المؤمنة»، وقالت الرسائل والإرشادات المتكررة باستعاضة مؤسسة الدولة، المنفصلة عن مؤسسة الكنيسة، على تعاون وتكامل. فماذا يعني كلام بكركي أنها ستأخذ بيدها زمام القيادة؟

ولنذهب في تحليل المصادفة أكثر. ذلك أن أبلغ ما فيها ربما، أن يكون الكلام ـــ المعنى ـــ الموقف نفسه، قد صدر عن آخر مؤسسة فعلية يرأسها ماروني في «دولة لبنان الكبير»، كما عن الصرح الماروني الذي قيل إنه اجترح تلك «الدولة» قبل نحو قرن كامل، أو أن حسابات دولية تذرعت به، لتخترع تلك «الدولة». قائد الجيش، آخر ماروني في النظام لا يزال يملك حق الإمرة على موظف. والبطريرك الماروني آخر مرجعية روحية في الوطن، لم يضربها فراغ السياسة أو تنازع القانون أو تجاذب جماعتها واصطفاف داخلها خلف مرجعيات الخارج. والاثنان يعلنان معاً: بأنفسنا، بيدنا. كأن الرجلين، كأن المؤسستين، كأن الموقعين والمرجعين يهمسان أو يوحيان أو يشيان أو يعترفان، بأن الدولة في لبنان، لم تعد موجودة. الدولة التي كان الاثنان يعرفانها، في لبنان الذي كانت المؤسستان قد بنتاه، تلك الدولة قد انتهت. اختفت، أو سقطت أو اندثرت أو ماتت.

إلى أي مدى يمكن اعتبار هذا الانطباع صحيحاً؟ مسألة تحرض على البحث والتفصيل، بقدر ما تولد الخوف والذعر من الاكتشاف. فإذا كانت الدولة بالمعنى الدستوري، هي تلك المؤسسات ـــ السلطات، سهل على المقيمين فوق هضبتي بكركي واليرزه إدراك اختفائها الملموس، لا بل الثابت شرعاً وقانوناً: فالسلطة التشريعية معلقة على فذلكة قرار قضائي، والسلطة التنفيذية معلقة على مشجب شروط بندر، والسلطة القضائية معلقة على صليب العجز عن اعتقال مجرم مخدرات مدعوم من نافذ تغطيه سفارة… وإذا كانت الدولة بنية فوقية لفعل مجتمعي واحد، بمعنى إطار الأرض والناس والمصالح والمؤسسات الأولية والثانوية الراعية لها، يصر ممكناً تعداد دول لبنانية، على عدد قبائلنا وعشائرنا وإقطاعياتنا ومزارعنا وكل جزيئيات ما قبل الدولة. أما إذا كانت الدولة أخيراً في جوهرها الأرفع، تعبيراً عن إرادة عيش مشترك، فعندها يكفي الفايسبوك وحده، ورقة نعي جازم حازم لفكرة الدولة عندنا. فالحائط الأزرق الذي بات يتسع لأكثر من مليار وجه في العالم، بات يختنق بحقدنا الفائض على حروفه ووجوهه…

لم تقل بكركي ولا اليرزة إن الدولة عندنا قد ماتت. ولم تعترف الدولة نفسها بعد بأنها انتحرت. ولم نعرف كلنا بعد كم أننا نحرناها. هل قضي الأمر؟ ليس حكماً. فسقوط «الدولة اللبنانية» ما قبل الأخيرة، مع الحرب العالمية الأولى، ترافق مع شعور احتضار مثل اليوم. لكنه لم يلبث أن ولد فرصة لدولة أفضل نسبياً، وأكبر فعلياً… فالرجاء صناعة بشرية، وتاريخية أيضاً، لا مجرد احتكار إلهي.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.