العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2B

Ad Zone 2B

تسجيلات القصير والعنف باسم الله

Ad Zone 4B

في روايات منقولة عن أهل معركة القصير، أن تسجيلات صوتية وقعت بين أيديهم، لمحادثات بين الجهاديين الذين كانوا يتحصّنون في البلدة قبل سقوطها. كانت موازين القوى العسكرية قد باتت من الوضوح بمرتبة البديهية. وكان عدد القتلى قد فاق عدد الجرحى. وعدد آخر المتبقين على قيد الحياة أقل من العددين السالفين. وبالتالي كان السائد عندها وفق قاعدة المنطق الآني، أن النهاية باتت محسومة محتومة، وأن الحتف بات مسألة حذف لآخر الفتات من وحدات الزمن.

تقول الرواية انه بين الكلام عن نفاد ذخيرة وانكشاف خندق واختراق آخر خط دفاع، وجدت تلك الأحاديث المسجلة في تلك الوضعية بالذات، وقتاً للبحث في موضوعة الله، أو حتى للبحث عن الله. والمسألة طبيعية، لا بل نمطية. كما في كل أزمة أو محنة أو لحظة مصيرية. وكلما كانت حتمية سياقها قاتلة، كلما كان اللجوء إلى فكرة الله إذذاك، أكثر كثافة وعمقاً. تماماً كما تستعرض العين حياةً بشرية بكاملها، في جزيئيات من ثانية تسبق الموت أو خطره. كذلك هي عين النفس، تستعرض كل أوهامها ومخاوفها ومكبوتاتها وآمالها حول فكرة الخالق، لحظة إدراك أو استدراك فناء المخلوق. غير أن اللافت في تلك التسجيلات، أن مناقشات المحاصرين ذهبت إلى منحى آخر. إذ راحت تبحث في أسباب الهزيمة التي تعرض لها أولئك «المؤمنون». شيء من التساؤل الإيماني يبدو أن تلك التسجيلات قد تضمّنته. كان بعض المقاتلين يسأل نفسه في إطار سؤاله رفيقه: كيف هُزمنا ونحن نقاتل باسم الله ومن أجله؟ أين الخطأ، فينا نحن، أم في وسائل قتالنا، أو في هدفيته وغائيته؟ وقيل أن التسجيلات نفسها تضمنت تساؤلات أبعد وأشد تشكيكاً ومراجعة ذاتية.

حتى أن جهات متابعة للحركات الجهادية في المنطقة، ربطت بين ما أظهرته تلك التسجيلات، وبين الإجراء الذي اتخذه خليفة أسامة بن لادن في زعامة تنظيم «القاعدة»، أيمن الظواهري، لجهة الفصل بين «تنظيم دولة العراق الإسلامية» و«جبهة النصرة»، ملمّحة إلى أن تداعيات معركة القصير على العلاقة بين مكوّنات تلك المروحة الجهادية، لم تكن أمنية وعسكرية وحسب، بل أيضاً عقدية وفقهية، من زاوية طرح نقاشات إيديولوجية، وجد الظواهري أن لا خير إطلاقاً من نقلها من أرض هزيمة إلى أرض صمود، وأن السبيل الأفضل لقطع قنوات سيلها، هو بالبتر تنظيمياً بين الجماعتين.

غير أنه بمعزل عن سببية ما لجأ إليه الظواهري، أو حتى بمعزل عن دقة الرواية المنقولة حول التسجيلات ومضمونها، تظل المسألة برمتها ماثلة أمامنا، في صيغة السؤال: هل يمكن في القرن الواحد والعشرين، أن تظل الأرض ساحة قتال لحرب إلهية، غرفة عملياتها في السماء، وقادتها غير منظورين إلا بأسماء القداسة وألقاب التأليه، وأهدافها مفصولة قطعاً عن خير الإنسان ورفاهه وسعادته في حياته، فيما ضحايا تلك الحرب وحدها مسجلة بأسماء البشر، ملموسة بوجوههم ومحسوسة بما يتبقى من جثثهم؟

صحيح أن مبدأ «الجماعات» سيظل حتى مدى زمني غير قليل، هو الدامغ لجيوبوليتيك عالمنا. وصحيح أيضاً أن عامل الدين، بكل أشكاله حتى الدنيوية منها، مثل أديان الحزب والطبقة والأمة والمجتمع وحتى دين العلمنة… سيظل هذا العامل أكثر النوازع تأثيراً في فكر البشر وسلوكياتهم. لكن رغم ذلك، يظل من الممكن، بالحد الأدنى من المنطق السليم والمعرفة البديهية، أن ندرك أن هذه «الجماعات الدينية» المتصارعة حول «مطلقاتها» الدينية ومقدساتها، ليست في تركيبة ناسها وبشرها إلا خليطاً من 4 مكونات. ففيها أولا جماعة «أديان المصالح»، لا بالمعنى السلبي، بل بالمعنى المجتمعي الشامل. حيث تصير الجماعة الدينية قائمة على مصالح حياة أفرادها ورفاههم المادي وبحبوحتهم، وسعادتهم المرتبطة بوفرة المقومات والمقدرات والموارد. وفيها ثانياً جماعة «الدين السوسيولوجي»، الذين انتهى إيمانهم إلى منظومة شكلية من اللباس والكلام وأنماط الممارسة الاجتماعية، التي تكفي بالنسبة إليهم للتمايز عن «جماعة الدين الآخر»، وحتى لقتاله. وفيها ثالثاً جماعة «الدين التاريخي»، حيث البشر يقاتلون ويتقاتلون بدافع من حدث تاريخي مؤسس، جعل منهم جماعة، أو ما يشبه طائفة ــــ أمة. ويبقى رابعاً وأخيراً، جماعة «الدين اللاهوتي»، أو الدين الأُخروي الفعلي، ذاك الذي يبدأ من قراءة قَبْلية (A priori) للخلق، وينتهي بقراءة إسكاتولوجية للحياة الآخرة، ويمتد على فهم شمولي لكل حياة الأرض بين البداية والنهاية. والثابت أن هؤلاء قلة قليلة في عالم اليوم وبشره وأديانهم ومؤمنيهم. وهو ما يدفع إلى مجرد فكرة: ألا خففوا من حقد القتال باسم الله، فعلى الأرجح أن ثلاثة أرباعنا لا يعرفونه. وتابعوا، إن شئتم أو أريد لكم، قتالكم باسم «المصالح» أو «المجتمع» أو «التاريخ»، فهو حينها أقل عنفاً بالتأكيد، لأنه حكماً أقل إطلاقية ونهائية.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.