العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2B

Ad Zone 2B

مرارة عون وخوف الكتابة…

Ad Zone 4B

شيء من المرارة يسكن عيني ميشال عون هذه الأيام. ليس هو العمر ولا الطبع ولا اللحظة العابرة. كذلك ليس يأساً ولا إحباطاً ولا استسلاماً ولا قرفاً، ولا خليط كل تلك. هي مرارة، تنعكس في الكثير من الصمت، وشرود العينين إلى بعيد، وعبارة تكاد تفلت من الشفتين: أما قلت لهم؟

يعرف جيداً أن هناك من ينتقده حين يتكلم يوم الثلاثاء عن الغاز، فيما الأيام القليلة الآتية قد تحمل زلزالاً كبيراً مقبلاً على المنطقة. يحسبون أنه يهرب من السياسة، أو يتهرب من التزام. حتى إن البعض، ويعرفهم واحداً واحداً وبالأسماء والوقائع، يتخطون الانتقاد إلى التجريح وإلى الكلام الأسوأ… لا يرد. لا يشرح. لا يبرر. لكنّ العارفين يدركون أن إثارته موضوع مرسوم الغاز الذي لم يصدر، هي الإشارة الأكثر عمقاً ودلالة إلى القراءة الصحيحة لكل ما يحصل اليوم وسيحصل غداً. فمنذ عودته إلى لبنان قبل ثمانية أعوام، كان رهان ميشال عون على بناء الدولة. ومنذ عامين ونيف، وبعدما استشعر المؤامرة الدولية على سوريا، صار رهانه على الدولة أكبر وأكثر إلحاحاً. وبناء الدولة الآن، بمفهوم ميشال عون المنطقي والبراغماتي، يعني ويقتضي أمرين: مؤسسات فاعلة، وتوازن في مشاركة الجماعات. المؤسسات تعطي الطمأنينة للأفراد، والتوازن يشعر الطوائف بالأمان. فنجتاز العاصفة ونعبر القطوع. لذلك كلما أحس بحروب الخارج، تعنّت في مطالب الداخل.

لم يفهموه. ولم يتراجع. كان يوحي لهم أحياناً، ولا يبوح. يلمح ولا يصرّح. يحب أن يفهموا عليه من إشارة، ليدرك كم أنه يتعاطى مع ألبّاء. كانت نظريته التي لم يقلها ولم يعلنها: كلما اشتدت الحرب في سوريا وعليها، ضاق الخناق الدولي علينا نحن المقاومين لإسرائيل، وكان علينا الذهاب بسرعة وجدية وفاعلية إلى بناء الدولة المتوازنة، والفاعلة. ولكن… لا تجاوب، ولا نتيجة. يسكت ميشال عون عن كل ما مر. لكن صمته يشي بكلام كثير: حين أضحى شامل روكز مرشحاً بحكم استحقاقه إلى منصب قيادة الجيش، ماذا فعلوا كلهم؟ لا شيء. اعتبروا ترشيحه نتيجة مصاهرته، فيما هم يدركون أن ترشيحه ابن مخاطرته. هو من لملم نجومه من مواقع الخطر، لا من موقع الصهر، فضاعت فرصة. لكن قبله كانت اللائحة طويلة: قبل أعوام شغر موقع ماروني آخر في الدولة، رئيس مجلس القضاء الأعلى. سأل ميشال عون، وسأل الجميع معه، عن أفضل قاض لهذا المنصب. قيل لهم كلهم: فلان. لم يكن يعرفه عون. ولم يتعرّف إليه. لا قبل ترشيحه ولا بعده. لكنه قال لهم: هذا هو مرشحي. لم يكن طنوس مشلب صهر عون. ولم يكن نسيبه ولا نصيره ولم يرَ صورة وجهه. ومع ذلك قيل ممنوع. بعدها ماذا حصل؟ ترك الموقع معطلاً وفتحت البازارات. دخل فيها الجميع. حتى أصحاب المواقع المرجعية والقيمية دخلوا في منطق التسويات. انتهوا إلى ترك المركز شاغراً سنة ونيف، لينتهي اليوم إلى أزمة في التشكيلات لا حل لها، وإلى واقع قضائي لا يحتمل ضمير جون قزي الحي، فكيف يحمل العدل والعدالة للناس الأحياء؟

بعد القضاء، شغر موقع عسكري آخر للمسيحيين. سأل عون عن المرشح الأفضل. قال له المعنيون باتخاذ القرار: فلان. قال لهم عيّنوه. فوقع الفيتو فوراً على الرجل. شغر موقع مالي بارز وحساس. موقع يقال كل يوم في البلد إن قطاعه متهم بهدر مليار ونصف مليار دولار سنوياً. وكانت لجنة حكومية مكلفة بالبحث عن مرشح. انتهت المقابلات. أجمع أعضاء اللجنة على الإشادة بشخص. فجاء الترشيح باسم شخص آخر تحوم حوله كل الشبهات… لا تنتهي لائحة صمت ميشال عون. لكن خلاصتها واضحة: ممنوع علينا أن نبني دولة. ممنوع أن يصل الأكثر كفاءة ونزاهة من بين اللبنانيين، وخصوصاً من المسيحيين. المطلوب استمرار المزرعة. والمفروض أن نقبل بالتفاهة والتافهين.

هنا تذهب مرارة عون أبعد، ويستحيل صمته قراءة أعمق: إذا كنت أنا اليوم، أقوى زعيم مسيحي في تاريخ لبنان، وفي تحالف مع حسن نصرالله، أقوى حليف مسلم في تاريخ هذا البلد، وأعجز عن تحقيق ما هو حق وخير لناسي ولبلدي، فأي انطباع سيتكون لدى المسيحيين؟ ألن يدفعهم ذلك إلى اليأس؟ ألن يحسّوا بلاجدوى كل سياساتنا وكل نضالاتنا وكل جهدنا والعمل؟

قد تكون المرارة نفسها لدى السيد. وقد تكون أشد. هو من دفع الدم، الأغلى والأقرب. وهو من ذهب للمرة الأولى في تاريخ حزب الله إلى إعلان تكليف بالتزام الدولة في لبنان، والتزام مؤسساتها وبنائها. كل التضحيات، كل المعاناة، كل الآلام والآمال، هي اليوم في خدمة طبقة سياسية تخشى أن تكتب ما تعرفه عنها. تتردد أن تفصح عما تكتشفه كل يوم، عن فضائح مسؤوليها وأبناء مسؤوليها وبناتهم وكبارهم وصغارهم. تخاف. نعم هي الكلمة. تخاف على حياة أطفالك إذا حكيت للناس أخبار ارتكاباتهم. هي المرارة في عيني ميشال عون، عشية العاصفة. وأمرّ ما فيها أنها مفهومة.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.