العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2B

Ad Zone 2B

كلام في السياسة | عن خطاب السنيورة ولغات معلولا…

Ad Zone 4B

دائماً هناك في الكلمات أكثر مما تقول حروفها. كأن لغة كاملة سرية كامنة مكبوتة، تتخفى خلف العبارات. هي «اللامقول»، أو «المفكر فيه» فعلاً، يتسلل بين التعابير واللهجة وتركيبة الأسلوب. يأتي ليكشف إرادياً ويفضح قصداً ما يضجّ في العقل الأساسي. العقل الذي يتراجع غالباً وراء الاعتبارات والمجاملات وحسابات الربح والخسارة ومقتضيات الموازين. لكنه يظل تواقاً إلى أن يتباهى بنفسه ويعلن ذاتيته ويقف صارخاً: ها أنا هنا، لا أخاف ولا أخشى ولا أفزع.

في كل خطاب مكتوب أو ملقى، هناك خطاب آخر مفكر فيه خلفه أو تحته. هو تعبير عن ثقافة الكاتب أو الخطيب، وعن هواجسه وماضيه وتاريخه وخلفياته، كما هو انعكاس لتطلعاته ومراميه وأغراضه.

في لبنان اليوم، كما من قبل ومن زمان قديم، ثمة ثقافتان باطنيتان من هذا النوع في خطابنا السياسي، ملتصقتان بكل كلمة ظاهرة. هناك أولاً ثقافة أكثروية، أو هي ثقافة «الأكثرية». ثقافة «ذاتية الاكتفاء»، ممتلئة من نفسها ومن مبرر ذاتها ومن إيمانها بشرعيتها. لا تحتاج إلى شيء آخر لتكون، ولا تحتاج إلى آخر، ولا خصوصاً إلى الآخر، أي آخر، لتؤكد وجودها. لا بل تصل في اكتفائها إلى حد إلغاء الآخر، الآخر المختلف عنها. مثلاً، حين يقول بيان كتلة «المستقبل» النيابية، إن «ما يقوم به حزب السلاح ومسلحوه من مصادرة لسيادة الدولة وأجهزتها وتجهيزاتها… لقد أصبح ثابتاً أن استمرار تضخم حال حزب الله الأمنية سيفاقم الكثير من الأحداث التي تتكرر يومياً في كل مناطق انتشاره الأمنية والميليشيوية…». في هذا الكلام مؤشر واضح إلى ثقافة أكثروية، لا تهتم بكون هذا «الحزب» ممثلاً لنسبة وازنة من جماعة ما. ولا تتوجه إلى شخص أو أشخاص فيه، بل تتوجه إليه كطرف، وتقصد بذلك التوجه إليه كممثل لجماعة. لتقول له ولها: نحن لا نعترف بكما، ولا نعتبركما موجودين، ولا نقرّ لكما بحقكما في الوجود وحقكما في الاختلاف. لا بل نحن لا نراكما. حتى في لغة خوف «المستقبل» من حزب الله، يعتمد لغة ثقافة الأكثرية الإلغائية. حتى في شكواه من قوة الآخر ومن فائض قوة الآخر ومن تعسف الآخر في صرف نفوذه في الوطن والسياسة والمؤسسات، يظل «المستقبل» في تعبيره عن موقفه، مجسداً لتلك الثقافة المستمدة من قرون سلطوية، والمستمرة منذ قرون في السلطة.

مثلٌ آخر، حين يكتب فؤاد السنيورة عن بشار الأسد، أنه «ديكتاتور متوحش»، وأن لديه «آلة قتل» «لقتل شعبه». والسنيورة يعرف في عقله السياسي أنّ بشار الأسد ممثل لجماعة، ويعرف بالملموس والمحسوس طوال سنتين ونصف، أن جماعة بشار الأسد لم تتخلّ عنه. لا بل زادها الخوف أو التخويف أو عقد التاريخ والماضي والمستقبل التصاقاً به وتماهياً مع شخصه. لكن العقل الأكثروي لفؤاد السنيورة هو ما يدفعه إلى القطع والطلاق مع هذا الآخر المرفوض في ثقافته…

في المقابل، ثمة ثقافة أقلوية. هي ثقافة «الأقلية». ثقافة ضعيفة مستضعفة، لا تملك شرعيتها بذاتها ولذاتها. ولا تجرؤ على التعبير عن ذلك. ثقافة مسكونة بالخوف، وإن كانت تعبّر عنه بطريقتين مختلفتين أو حتى متناقضتين. فهناك ثقافة أقلوية ذمية، وهناك ثقافة أقلوية «بارانوئية»، أي مهجوسة بعقدة الاضطهاد. الأولى تعتمد أسلوب التخفيف من الواقع، وتجاهل كوارثه ومخاطره، وصولاً حتى إنكاره. بينما الثانية تذهب باتجاع معاكس، نحو تضخيم الواقع ومضاعفة سلبياته، وصولاً حتى جنون الخوف من الآخر ومن اضطهاده.

في معلولا، على محدودية الحدث من ضمن كارثة سوريا، لا بل كارثة كل المنطقة، كانت كل تلك الأمثلة حاضرة، لا بل فاقعة. فكان هناك خطاب «أكثروي» لم يكترث ولم يهتم ولم يسأل ولم يسمع. مذبح عمره 17 قرناً؟ ماذا يعني؟ لا شيء. لغة مؤسِّسة لحضارة كاملة؟ هامش تافه. اتهامٌ بصليبية لأناس وجدوا قبل الصليبيين بقرون؟ خطأ مطبعي ربما. علماً بأنّ هذا الخطاب هو نفسه الخطاب الذي قتل ناساً أبرياء وأحرق ممتلكاتهم، لأن شخصاً في اسكندنافيا لا يعرفونه، خطَّ رسماً سخيفاً، أو لأن مريضاً نفسياً في غرفة مغلقة ولَف شريطاً لم يشاهده أحد!

في المقابل الثقافتان الأقلويتان كانتا ماثلتين أيضاً في معلولا. ثقافة الذمية التي أصرت على أن شيئاً لم يحصل. والثقافة «البارانوئية» التي ضجّت بأنّ ما يشبه هيروشيما تكفيرية قد أصاب معلولا. بعض الذميين تمنى ربما لو أن كل معلولا لم تكن موجودة أصلاً، كي يرتاح من عقدة إحساسه بذنب العجز حيالها اليوم. وبعض «البارانوئيين» تمنى ربما لو أن التكفيريين محوا معلولا من الوجود اليوم، ليستثمروها أكثر في تأكيد صحة رهابهم وخوفهم.

المأساة في الثقافتين وفي كل لغاتها وخطاباتها أن لا وجود للإنسان. ولا أولوية لذاته وللآخر المختلف عنه، ولا شرط لحضور الاثنين معاً في تنوع وتعدد، هما أساس يناع الإنسان وإغنائه. مأساة محكومون بالعيش معها وفيها، ما دام في أساطيرنا ما هو أكبر من إنساننا وأقدس من حياته.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.