العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2B

Ad Zone 2B

كلام في السياسة | كيف يتصرّف زعماء الطوائف مع مليارديرييها؟

Ad Zone 4B

قرار وليد جنبلاط «إعادة تنظيم إدارة أملاكه»، بما يعني ويخفي إشكالية بين الزعيم السياسي ومسؤوله المالي، يفتح المجال واسعاً لعرض أنماط العلاقات بين السلطة والمال، لدى كل من الطوائف اللبنانية الأساسية.

الواقعة الجنبلاطية نفسها تكشف، على سبيل المثال، النوع الأول من هذه العلاقة بين صاحب الزعامة وصاحب رأس المال، داخل الجماعة الدرزية. هنا، لا وجود مستقلاً للرأسمالي. ولا كيان له إطلاقاً. فرأس المال الدرزي موظف بالكامل لدى الزعامة السياسية الدرزية. حتى يصير الرأسمالي الدرزي عنصراً ملتزماً في التنظيم الحزبي للزعيم الدرزي. ينضبط ضمن هيكليته، ويخضع لأوامره وتعليماته، مثله مثل أي عنصر حزبي آخر، من بستاني القصر إلى وزرائه…

ما الذي يجعل هذا النوع من العلاقة الحديدية بين السياسي والرأسمالي ممكناً لدى الجماعة الدرزية؟ قد تكون عوامل كثيرة هي السبب. بعضها تاريخي، وفي حالة الإشكالية الجنبلاطية الأخيرة، يروى أن ثمة «اتفاقاً» تاريخياً بين العائلتين المعنيتين على توزع النشاط بين السياسة والمال. وقد يكون بعض الأسباب ناتجاً من حجم الجماعة المتضائل، وبالتالي إحساسها المتنامي بالخطر، ما يجعل تعاضدها أكبر واتحاد مكوناتها أقوى. وقد يكون السبب دينياً، مرتبطاً بنظرة إيمانية معلنة أو باطنية لمختلف «الأدوار» المتاحة في سياق الشأن العام، من مال وسياسة وقوة ودين حتى، بحيث تتكامل كلها في خدمة تحقيق خير الجماعة. غير أن سبباً آخر يبدو واقعياً وموضوعياً في الحالة الدرزية الجنبلاطية تحديداً. ألا وهو أن انغلاق الجماعة على ذاتها، جغرافياً وإنسانياً، جعل من ثرواتها أمراً مرتبطاً مباشرة بواسطة الزعيم ووساطته، إذ هو ممثل الجماعة الشرعي والوحيد في مغانم الدولة ــ البقرة. بمعنى أن الرأسمال الدرزي هو فعلاً نتيجة «منّة» أو «هبة» أو «منحة» أو «مكرمة»، من الزعيم السياسي للدروز. لا سبيل آخر لتحقيق ثروة درزية فعلية. وهذا ما يجعل الرأسمالي الدرزي موظفاً فعلياً لدى الزعيم، حتى الالتزام الكامل بشخصه وتنظيمه وأوامره.

النمط الثاني من العلاقة بين السياسي والرأسمالي داخل طائفة، يمكن معاينته لدى الجماعة الشيعية. هنا رأس المال ليس موظفاً لدى الزعامة السياسية الشيعية. لكنه أيضاً ليس منافساً لها، ولا محاذياً لها، ولا مضارباً أو متقدماً. فالرأسماليون الشيعة، منذ عقدين على الأقل، اكتفوا ـــ وبقرار ذاتي طوعي إرادي منهم ـــ بأن يكونوا في خدمة الزعامة الشيعية السياسية، من دون أن يكونوا «حزبيين» شيعة، ولا مشاريع زعماء سياسيين شيعة جدداً أو بدلاء. اتخذ رأس المال الشيعي لنفسه وظيفة واضحة محددة: أن يكون الاحتياط الاستراتيجي لزعامة الطائفة، من دون أن يذوب فيها، ولا أن يتطلع إلى تبوّئها. يدفع المال من وراء الستار، من الصفوف الخلفية، أو حتى بشكل مغفل أو مجهول، من أجل ضمان قوة أكبر لزعامة الطائفة، وبالتالي تحقيق أكثر لخير الجماعة. ومع استثناءات نادرة جداً، حيث خرج رأسمالي شيعي من خط الاحتياط المالي إلى صف التمثيل السياسي الثانوي، يبدو واضحاً أن الرأسماليين الشيعة أدّوا دورهم هذا بامتياز، وبقرار ذاتي منهم انعكس خيراً عليهم وعلى زعاماتهم وعلى جماعتهم. لماذا ارتضى «مليارديرية» الشيعة هذا الدور؟ أيضاً قد تكون خلفه أسباب تاريخية، وأخرى دينية (مفهوم الخمس الشرعي) أو أخرى واقعية، من نوع قدرة الزعامة الشيعية في العقدين الأخيرين على فرض ما تريد ورفض ما لا تريد. لكن يبقى سبب آخر مرتبط أيضاً بكيفية تكوين الثروات الشيعية في الفترة الأخيرة عموماً. ذلك أن معظمها جُمع في بلدان تتميز بأمرين اثنين: أولاً ضحالة ديمقراطيتها وتواضع شفافية ماليتها العامة والخاصة، وثانياً، حساسيتها القديمة أو المستجدة حيال الحركة السياسية للزعامات الشيعية اللبنانية فيها. هكذا اكتسب الرأسمال الشيعي من هذه البلدان عادتين اثنتين: أولاً حاجته إلى الحماية السياسية، وثانياً عدم قدرته على المجاهرة بانتماءاته السياسية حيث يجمع ثروته. عادتان انعكستا بشكل واع أو لاواع، في هذا السلوك المحلي لرأس المال الشيعي اللبناني، في أن يقف خلف زعامته السياسية، يمدّها بعنصر القوة لها وله، من دون أن يستقوي عليها، ولا أن يستضعفه الآخرون بسببها.

النمط الثالث، قدمه رأس المال السنّي اللبناني، خصوصاً منذ عقدين أيضاً. هنا، لم تكن الثروة السنيّة موظفة لدى الزعامة السنيّة، كما هي لدى الدروز، ولم تكتف بالوقوف خلف زعامتها، كما فعلت الثروات الشيعية، بل قررت منذ مطلع التسعينيات إزاحة الزعامة السياسية السنيّة، وملء مكانها، وتحولها هي بالذات زعامة شاملة متكاملة، سياسياً ومالياً وحتى دينياً، بدليل ما أظهرته الحالات النزاعية بين تلك الزعامات وبين دار الإفتاء، علماً بأن ما جعل هذا الاجتياح ممكناً، مرتبط أساساً بجذور تكوّن تلك الثروات السنيّة. ذلك أن الرأسمال السني الناشئ في العقود الأخيرة، وُلد وجمع أمواله في الحاضنات الخليجية عموماً، والسعودية تحديداً. وهي الحاضنة المذهبية والإقليمية التي تمثل البعد الديني والسياسي والاستراتيجي لهذه الجماعة في لبنان. وبالتالي، كانت ثمة علاقة جدلية تفاعلية بين تكوين الثروة السنيّة وتكوين الزعامة السياسية السنيّة. حتى ليمكن طرح سؤال جدلي بلا جواب حاسم: هل تمكنت هذه الثروة السنيّة من احتلال موقع الزعامة السياسية السنيّة في لبنان، لأنها وُلدت في السعودية؟ أم هذه الثروة السنية جرى تكوينها في السعودية بالذات، من أجل تمكينها من تبوّؤ الزعامة السياسية والمالية وحتى الدينية للطائفة في لبنان؟ المهم أن رأس المال السنّي حين صار هو زعامة الطائفة، مارسها بشكل متطابق مع وجدان الجماعة وتطلعاتها الذاتية وامتداداتها الإقليمية وعمقها الاستراتيجي. وهو ما يفسر هذا التطابق ويطرح حوله تساؤلات عدة في آن واحد…

يبقى رأس المال المسيحي. نمط فريد لا مثيل له. فهو ليس موظفاً لدى الزعامة، كما حال الثروة الدرزية. ولا هو سند استراتيجي صامت لها كما الثروة الشيعية. ولا هو قطعاً مؤهل للحلول محل الزعامة السياسية المسيحية، من ضمن السياق الاستراتيجي للجماعة، كما حال الثروة السنيّة. وحده رأس المال المسيحي ـــ مع استثناءات قليلة جداً ـــ شكل حالة شاذة. لم يكن ينقصه غير تفاهة أصحابه وضحالة ثقافتهم السياسية، والمصادر المريبة غالباً لتلك الثروات، لترى نماذج من نوع مهرب مخدرات وأمّي في الوقت نفسه، مؤهل لأن يكون في أعلى منصب مسيحي…

يستحق الموضوع بحثاً أطول بكثير. لكن الخلاصة أن ثمة جدلية ثابتة بين السلطة والمال، فحواها عملية إغناء متبادل للطرفين، تقوية السلطة وزيادة المال. في الواقع المسيحي خصوصاً واللبناني عموماً، تحولت الجدلية إلى نوع من الإفراغ والإفقار المتبادلين. إفراغ لمفهوم السلطة ولقيمة المال، وإفقار لمقومات جماعة كاملة.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.