العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2A

Ad Zone 2A

كلام في السياسة | مانديلا المقدس و«شلمسطي» الحركات…

Ad Zone 4B

كان جاك بريفير يقول «في كل كنيسة هناك دائماً شيء ما يرن»… وفعل «يرن» بالفرنسية المستخدم هنا، يشير إلى ما هو خطأ أو مزور أو مغشوش. بما يعطي القول المأثور معنى أنه في كل مقدس ثمة أمر ما مريب.

تشييع القرن، أو وداع مانديلا قبل أربعة أيام في جنوب أفريقيا، لم يشذ عن هذه القاعدة. ذلك الاحتفال المقدس المهيب، أخذ نصيبه من «الرنة». فكان له ذلك المذيع المزور، أو «الشلمسطي» الذي ادعى أنه خبير في لغة الإشارة. فأوكلت إليه مهمة ترجمة خطابات الرؤساء وكلمات مؤبني أيقونة الحرية السوداء، لأصحاب الحاجات السمعية الخاصة، فيما لم يكن يقوم فعلاً «إلا بطرد البعوض عن وجهه»، كما قال لاحقاً أحد الاختصاصيين الذين كشفوا الفضيحة.

غير أن ذلك لن يغير الكثير من معنى المناسبة، لا بل هو «المريب» الذي جاء ربما ليؤكد «قدسية» اللحظة. قدسية شاء التاريخ أن يصدّق طابعها بمصادفة التواريخ التي يحبها ويتقنها. كأنه يعلم الناس بالأرقام جدول مضاعفة القيم، وخصوصاً في أزمنة جداول ضرب تلك القيم عرض الحائط. فشاء أن يكون وداع ماديبا، يوم 10 كانون الأول، في اليوم العالمي لحقوق الإنسان. كأنّ ثمة تماهياً بين الرجل والذكرى. تماماً كما يحتفل التقليد الكنسي بكل قديس، في يوم رحيله لا في أي يوم آخر، لكن رغم كل تلك الهالة، ورغم ما جاء «يرن» في يومها، تظل ثمة دروس تستحق الاستخلاص منها، لمصلحة كل قضية حرية ولتنميط كل معركة نضال دفاعاً عن شعب مقهور. كأن عوامل أربعة ضروري توافرها وتضافرها لتحقيق النصر المنشود في كل حالة من هذا الصنف.

أولاً أن تكون القضية راسخة في حياة شعب أو جماعة. أن تكون غير قابلة للتكيف مع ظلمها أو الخضوع أو الإذعان أو التعمية أو التسوية. هكذا كانت قضية ناس ماديبا محفورة على أجسادهم. راسخة في مسامهم، مصهورة في لون الوجه والبشرة. تنام معهم وتفيق، تلبس جسمهم حرفياً. ما كان لأي من أبناء شعبه أن يغير لونه، فما كان لأي منهم أن ينسى قضيته وحقه. هذا الصنف من القضايا محكوم بالنضال، ومحتوم بالانتصار. تماماً مثل قضية الفلسطيني، أي اسم يحمل غير اسمه؟! اي هوية يكتسب غير اضطهاده وهجرته وغربته وحلم العودة وحقها؟! تماماً مثل كل قضية تولد توأماً للون العيون. من سبارتاكوس إلى غاندي، يستحيل على ناسها أن يسلخوا عيونهم ولونها، فيصير النصر سبيلهم الوحيد.

ثانياً، ثمة ضرورة للرمز. للقضية المتجسدة في إنسان. حتى لو كان ذلك تعبيراً عن حاجة الناس المظلومين إلى شخصنة مأساتهم. شخصنة تراوح بحسب الحالات والظروف والأزمنة والأمكنة، بين «المعتقل» أو «المنفي» أو «البطل» أو «الشهيد». لأن النخبة هي من يقود الناس في مراحل الأزمات ومفاصل المصائر ومنعطفات التاريخ. ولأن الناس يحتاجون إلى مثال، إلى نموذج للاقتداء وللحياة كل يوم. مثال ونموذج متجسدان في أفعال عيش، لا في مجرد خطابات ووعظ. هكذا لا يكفي أن تكون القضية مدموغة في نسغ أبناء سويتو، بل كان ضرورياً ان يكون لنضالها طريق، عنوان، اسم علم، يعرفونه ويحفظونه ويمشون معه، كأنه رفيق درب ودليل وصول… وهذا ما كانه مانديلا.

يبقى العامل الثالث: أن تكون القضية الراسخة، والمتجسدة حتى الشخصنة، مؤيدة بدعم مطلق. أي بدعم من مصدر لا متناه. فحين يصير الظلم أكبر من قدرة البشر على التصور ـــ فكيف بالاحتمال ـــ يصير نضال تحررهم بحاجة إلى قوة فوق بشرية، يستمدون منها وحيهم وإلهامهم وصبرهم وصمودهم واطمئنان نصرهم وثقة الغد الأفضل. هذه القوة الداعمة لنضال الشعوب، غالباً ما يؤمنها مفهوم «المقدس». أو المعطى الديني الحاضر في قلوب المقهورين، ليصيروا منتصرين في قلوبهم اولاً. علماً أنها حاجة مقابلة للمقدس نفسه، ليكون إنسانياً، وليتجسد بين البشر. ذلك أن أي فكرة دينية، قبل أن تكون دعوة فردية، وقبل أن تصير مؤسسة وقبل أن تتبلور فكراً وعقيدة وإيديولوجيا، هي أولاً دعوة إلى الحرية. لا معنى ولا قيمة ولا جوهر ولأي لاهوت أو فقه أو شرع، إلا إذا كان رجاء حرية. هذه الحاجة المتبادلة بين المقدس والمضطهد، تتجسد بأبهى حالاتها في الثورات. هكذا كان إلى جانب مانديلا أسقف اسمه ديزموند توتو. كما كان إلى جانب ثوار تيمور الشرقية أسقف آخر اسمه كارلوس بيلو. وكما كان إلى جانب فاليسا أسقف اسمه فيشينسكي وراهب شهيد اسمه بوبيلوسكو. وكما كان في البيرو روميرو، وكما كان في طهران خميني وفي بغداد محمد باقر الصدر… وحتى كما صارت «الطبقة الكادحة» هي مقدس لينين في ثورته، و«الجمهورية» مقدس أهل الباستيل…

أما العامل الرابع والضروري، فيعيد المناضلين من رومانسية الثورة إلى واقعية معاركها وبراغماتية حسابات الربح والخسارة. إنه العامل الخارجي، الذي يقدم الفرصة السانحة، لتصير الثورة الداخلية انتصاراً. هكذا انتظر مانديلا حتى سقوط النظام العالمي، ليخرج من جزيرة روبن إلى مدى رأس الرجاء الصالح…

غير أن كل ذلك لم يصنع أسطورة الرجل. فالأيقونة السوداء اكتملت بعد تحرره، لا في سجنه. واكتملت فعلياً، حين خرج مستغفراً غافراً. فأطلق عملية «الحقيقة والمصالحة» بين ناسه وفي وطنه. صار أسطورة مكتملة، حين رمى أحقاد الثأر والانتقام تحت أقدام جلاد وضحية.

هي بعض عبر «المقدس» في تشييع القرن، كانت تحتاج إلى استذكار كيف طلق ماديبا زوجته دفاعاً عن رفاقه، وإلى «رنة» شلمسطي الحركات، لنتأكد أنه أسطورة فعلاً.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.