العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

كلام في السياسة | كيف يفكر عون في 6 شباط 2014؟

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

يستعيد ميشال عون، اليوم، ثمانية أعوام من عمر «تفاهمه» مع حسن نصرالله. يستذكرها بفرح يغزو عينيه لحظة الحديث عنها. كأنه يحاول استعادتها لحظة لحظة. فيستعيد اطمئناناً ما، وإحساساً باكتفاء من يتيقن أنه كان على حق وصواب. عند بعض المحطات، تغور العينان، تتعمّقان. كأنهما تبحثان في مفصل ما عن نقطة سقطت. عن فكرة أُغفلت أو عن غاية لم تصَب. يدرك لا شك أن «التفاهم» لم يبلغ كل مراميه، لا بين طرفيه، ولا على مستوى الوطن. لكنه يدرك أكثر أنه حقق الأهم، وأن الأهم الباقي مفتوح للتحقق في هذه الأيام بالذات.

 

صحيح أن «تفاهم» 6 شباط 2006 لم يدرك كل أبعاده على مستوى فريقيه أولاً. ظل إلى حد بعيد، أكثر من تفاهم بين رجلين. فيما بدا أحياناً أقل من تقارب، أو شيئاً من التقاطع بين فريقين وساحتين وبيئتين. قلّة قليلة جداً من أنصار السيد، مثلاً، قرأت بتمعن «وثيقة الطروحات المسيحية» التي أطلقها عون خريف العام 2007. وقلّة أقل من أنصار الجنرال لا شك، درست دقائق «الوثيقة السياسية لحزب الله» التي أعلنها السيد في تشرين الثاني 2009. وما لم يحصل على مستوى القيادات، لم يتعمّم طبعاً على مستوى القواعد. ظلت المسألة إلى حد كبير مختزلة بكيمياء شخصية بين شخصين استثنائيين، التزما فألزما. فيما الباقي اقتصر على هوامش فيها الأساسي وفيها العرضي. فيها الجوهري وفيها الهامشي. فيها شعور عميق بتطابق النظرة إلى كل مبادئ الوطن والدولة والمستقبل. وفيها الصراع على مياومين في الكهرباء. فيها الإيمان البنيوي بوحدة المصير ونهائية الهوية والانتماء الوطنيين، وفيها النزعة الحسابية عند كل مفصل أو محطة أو تعيين أو استحقاق: ماذا ربحنا من «التفاهم» وماذا خسرنا بنتيجته؟!

وصحيح في المقابل أن «التفاهم» نفسه لم يخترق جدار اللاتفاهم، أو أسوار التصادم بين فريقيه من جهة والشركاء الآخرين في الوطن من جهة أخرى. لا بل أحياناً بدا كأنه أنتج مفارقة لم يقصدها. ففيما أعلن عن نفسه على أنه خطوة أولى صوب الآخرين، أريد له من قبل الآخرين أنفسهم أن يكون خطوة أخيرة في طريق الطلاق. حتى أن هذه الكلمة بمفردتها القاسية قيلت ذات يوم. ما يعني أنها كانت في الذهن كل حين. علماً أنه إذا الطلاق على مستوى الفرد أبغض الحلال، فهو على مستوى تركيبة مثل لبنان، اسوأ الحرام. لأنه يصير قتلاً متعمداً مقصوداً للجميع، بل إبادة لكل مطلَق ومطلِق. هكذا فُرض على «تفاهم» 6 شباط 2006 ــــ وهو يحاول منذ لحظة ولادته أن يكون تاريخاً جديداً في روزنامة الوطن ــــ أن يكون تردداً بين تاريخين. بين 6 شباط 1984، تاريخ يستذكره خصومه دلالة على سقوط «دولة» ما، وبين تاريخ 5 شباط 2006، تاريخ غزوة الأشرفية، يستذكره أنصاره تأكيداً منهم على حسن الخيار!

كل تلك الجوانب العالقة أو الناقصة، تطفو في عيني ميشال عون في 6 شباط. هو من عاش وعايش كل تلك التواريخ. غير أن نظرته تبدو أكثر انشداداً إلى الآتي، لا إلى الماضي. كأنه يعود اليوم إلى واقعة واحدة من ثمار «التفاهم»، يحملها تحفّزاً لوثبة جديدة. واقعة أنه بعد أشهر قليلة على تلك الوثيقة، جاءت اسرائيل بجيشها وعدوانها ونارها وأبواب الجحيم. حتى بدت في لحظة وكأنها تحشر جماعة كاملة، طائفة مؤسسة للوطن برمّته، في جدلية جهنمية: إما الموت بحرب العدو، وإما الموت بسلام الشرعية الدولية المغطّاة من حكومة لبنانية. بمعزل عن موقف فؤاد السنيورة يومها. ومن دون اتهامات، وبعيداً عن منطق التخوين أو التكفير السياسي. كل لبنان بكل مكوّناته دفع إلى ذلك المأزق يوم كانت السيدة رايس «قيصر روما»، كما كتب جوزف سماحه. صار حزب الله، أو صارت المقاومة، أو صار لبنان كله، بين مطرقة لا شرعية اسرائيل وسندان لا شرعية نظام دولي منحاز، وبينهما صراع اللاشرعية الحكومية في بيروت. حتى بدا أن النتيجة في كل الأحوال كارثة. فإما أن نسقط بالنار، وإما أن نسقط بقرار، وإما أن ننتهي بنتيجة تلك الصورة التي خطط لها عرّابو العدوان: أن يظهر السنة وكأنهم مستفيدون من حرب الصهاينة على الشيعة، فيما المسيحيون متفرجون موهومون باللامبالاة أو بالاستفادة من ضرب الاثنين. فينفجر الوطن وينتحر الميثاق ويندثر شعب وبلد.

يؤمن ميشال عون أن «التفاهم» أنقذ ــــ أو ساهم في إنقاذ ــــ تلك اللحظة. فبين صمود المقاومين في مارون الراس، وصمود الدولة اللبنانية، رغم كل التجريح والتشكيك اللاحقين، وبين انبلاج فجر تفاهم شعبي فعلي، بين كل مواطن نازح وكل مواطن فاتح قلبه وبيته له، أنقذ «التفاهم» لبنان.

الصورة نفسها ترتسم في عيني ميشال عون اليوم. مع فارق واحد في المشهد: التكفيريون الانتحاريون أخذوا محل اسرائيل. فيما باقي اللاعبين في أماكنهم، بل أدوارهم نفسها. كأن المؤامرة ذاتها تحاول تفجير البلد مرة ثانية، بصورة من نوع حشر طائفة بين ضربات الإرهاب من جهة، وبين قطف ثمار حكومية أو وزارية أ و«بيانية» من جهة أخرى. كأن هناك من يحاول زجّ الشيعة والسنة، معاً، في لعبة جهنمية أخرى، مطابقة للعبة تموز 2006. أن يتكوّن انطباع مفاده إيقاع طائفة بين مطرقة التفجيرات الانتحارية، وبين سندان التنازلات السياسية والحكومية. فتصير كل عوامل انفجار الوطن وانهياره جاهزة لأي لحظة وصاعق.

من لا يقرأ هذا المشهد، لا يفهم احتفال عون بالذكرى الثامنة للتفاهم، بدعوته الصريحة إلى جعله «ثلاثياً». ولا يفهم انحياز عون، بدل الصراع على «ثلاثية» المقاومة، إلى الدفاع عن «ثلاثية» تفاهم وطني ميثاقي شامل لا يستثني أحداً. قد لا تكون الكيمياء الشخصية القائمة بين الجنرال والسيد متوفرة للركن الثالث، سعد الحريري. غير أن مسلّمات الفيزياء الوطنية يجب أن تكون البديل عنها. فسيبة البلد تحتاج إلى اساس ثالث، وإلا سقطت. فكيف إذا توهم البعض تركيبها على رجل واحدة؟!

 

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.