العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

كلام في السياسة | جنبلاط، بعد شيحا ورباط…

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

بعد أن تشكّلت هذه الحكومة، بولادتها القيصرية وتخطّيها كل ميعاد دستوري ووطني ومنطقي، بما قد يحمل ذلك التخطي من مخاطر تلف لأدمغة أجنّتها وتشوهات خَلقية محتملة… قد يكون من المناسب، بل المفيد، لكل سياسييها وولاّديها، وخصوصاً لناسهم المترقّبين المتطلعين الراجين على غير رجاء، أن ينكفئوا خطوات قليلة، وأن يروا المشهد بعين نقدية شاملة، وأن يعرفوا ويعترفوا بفضيلة الاعتبار ــــ إن لم يكن الاعتذار ــــ من وليد جنبلاط.

 

ليس في الأمر شماتة ولا يأس أو تيئيس. بل هي الواقعية في قمة تجلّيها، أو هو دركها والقعر، لمن لا يعترف للواقعية بقمّة. أصلاً هذا هو انطباع الناس وحقيقة مراجعتهم وخلاصات ذاكراتهم كما عبّروا في اليومين الماضيين. وناسنا، لحسن حظنا، والفضل ربما للوحات الأزرار وانقضاء أزمنة الأسرار، لم يعودوا ممسوحي الذاكرة. يكفي أن تلقي نظرة على جدرانهم الكئيبة في الساعات الماضية، وعلى مواقفهم الصريحة على مواقع تواصلهم. في لحظات نبشوا كل تعبيراتهم المكبوتة عن ذلك الحنين المكتوم إلى الصواب الجنبلاطي المقصود. ذكّرونا وذكّروا أرباب الحكومة الجديدة بكلام نواف الموسوي عن نهاد المشنوق، وبحضارية الردود عليه من قبل بعض الأنسباء والأبناء. وذكّرونا بكلام المشنوق عن ميشال عون، وبكلام عون عن الحريري، وبلاءات الحريري الجازمة الحاسمة حيال حزب الله، وبنقاط الحزب وسطره وما بين سطور كلامه لأشرف ناسه، وباتهامات أشرف له قبل ساعات من الحكومة وبعدها… حرّضوا ذاكرتنا واستفزوا آخر خلايا خنوعها. حتى مفارقة أن تصير ذاكرتنا الحية تلك منطقاً ميتاً، أو تصبح معرفة الحقيقة جنوناً وعصفورية…

ليس الأمر تشفياً، ولا تقييماً سلبياً. بل العكس تماماً. إنه اقتناع بأن وليد جنبلاط أكثر السياسيين اللبنانيين معرفة بثوابت هذا المكان الإسمه بلد، والأكثر تملكاً من قواعد التسلل في دهاليزه، والأكثر حِرفة ودِربة على هواية البقاء حياً، وإبقاء ناسه أحياء في فضائه الفوضوي المسمى شأناً عاماً. لا «أنتينات» خارجية في الموضوع، ولا إملاءات قناصل، ولا استشراف هواء أو أهواء، ولا اشتمام ريح أو تقلّب صريح. كل ما في الأمر أن وليد جنبلاط أكثر من أدرك أن هذا البلد هو أولاً وأخيراً بلد التسويات. وبالمعنى الإيجابي الكامل للمفهوم. وأكثر من أيقن دوماً أن لا انتصار كاملاً في هذا الدغل الوعر المسمى وطناً، ولا هزيمة كاملة قطعاً. وأن أعتى قوة في الأرض عاجزة عن اقتلاع أضعف طائفة من نظامنا المعقّد. فلا معنى للعنتريات، ولا جدوى للشعارات، ولا ضرورة للمعارك الهرماجدعونية، ولا مؤدّى لكل سقف مرتفع، إلا خواء ما تحته حتى سقوطه على رؤوس رافعيه. عرف وليد جنبلاط الأقلوي تلك المسلّمات. تعلّمها بحروف الدم ربما. دماؤه ودماء الآخرين. لكنه أتقن قراءتها وحفظها والاعتبار منها. فصار منذ أعوام قليلة لا غير، بارومتراً لصحتها ودقتها. ثأره دفين عتيق كبير مع بيت الأسد؟ لكنه يتعايش معه بمجالدة لا تنتهي. تناقضه جذري مع كل من حوله، حتى اتهمه أحد اصدقائه بأنه «يكره كل المسيحيين ويخاف كل الشيعة ويغار كل السنة»؟ لكنه أكثر من ينصح الثلاثة، وأقدر من يدوّر زوايا جنونهم وعظمته وكبواته وفجواته، وأنجع من ينقذهم من أنفسهم ومن بعضهم وينقذ البلد منهم. وقد لا تكون غرابة في الأمر. ذلك أن أكثر من فهم جوهر هذا البلد، كانوا من أكثر الأقلويين حساسية. هل هي مجرد مصادفة، مثلاً، أن يكون أب الدستور اللبناني سنة 1926، من أصل غير لبناني ومن أقلية قليلة ومن خارج «الطوائف السيادية» الأربع، تيمناً بعرف حكومات الطائف الممسوخ؟ حتى جاء ميشال شيحا، ابن العائلة الكلدانية العراقية، ليكتب لنا جوهر «المشروع اللبناني» وخلاصة فلسفته؟ وهل هي مجرد مفارقة أن يكون أكبر دارس لهذا الدستور الفريد، وقد يكون الباحث الوحيد في مواده وأصوله ومضامينه، من أقلية أخرى، احترف المسيحيون والمسلمون غبنها وإقصاءها وحرمانها؟ هكذا يبدو قدر إدمون رباط، السرياني المذهب، والنائب في البرلمان السوري، أن يكون العارف الوحيد بدستورنا، الدستور نفسه الطارد لرباط ولأهله وجماعته من نظامه وحكمه وبرلماناته وحكوماته؟

في هذا السياق بالذات، يبدو وليد جنبلاط اليوم، أقلّوياً آخر، لا بل آخر مدرك لطبيعة عمل صيغتنا العجيبة. وقد تكون ذروة الاعتبار الجنبلاطي المقصود اليوم، نتيجة فضل الرجل في عقلنة الجميع وتشكيل هذه الحكومة، أن يكون جنبلاط نفسه هو من انتقد ذات يوم ميشال شيحا بعنف، فيما حفيده عضو في كتلته النيابية. وأن يكون هو من لجأ إلى إدمون رباط ذات يوم آخر، لتشريع انقلابه على النظام الذي يبدو اليوم أبرز «حكمائه». باختصار، وحده وليد جنبلاط عرف واعترف بأن لا مكان في لبنان للمعارك الكبرى. ولا للأحلام والأوهام والأهداف العظام. كل الممكن هنا، أن يقول رجل لجماعته: تريدون مني أن أؤمن لكم مصالحكم؟ حسناً، لي عليكم أمران: ولاء كامل من دون مساءلة، وثقة مطلقة في أشد لحظات الانقلاب وأقسى محطات الانعطاف، بأن ما كل ما أقوم به هو لمصلحتكم بالذات. أما كل ما عدا ذلك، من شعارات ومبادئ، فعليكم أن تدركوا أنه من «عدة الشغل»، لا من خارطة الطريق أو مدونة السلوك أو قانون الحياة.

تريدون أكثر من ذلك؟ تحلمون بمشاريع كبرى من نوع تحرير هنا إو إصلاح هناك أو خلافة جديدة مستجلبة من هنالك؟ عندها إبحثوا عن سواي، أو أعدّوا أنفسكم للخيبات والصدمات، تماماً كتلك التي تقرأون على جدران من لم يدركوا أن الأحلام في لبنان نوع غير مرئي من الحيطان…

 

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.