العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

نحو سرديةٍ جديدةٍ للإسلام*: لماذا فشل الإصلاح والتجديد؟ (2/3)

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

ملخّص ما سبق:

“إنّ مصلحتنا وإنسانيتَنا تقتضيان السعْيَ لكي نكونَ جزءًا من العالم، ومشاركين في نظامه وحاضره ومستقبله. وبالنظر للواقع الراهن؛ فإنّ ذلك ينبغي أن يدفعَ العلماءَ والعقلاءَ منا إلى تغيير “رؤية العالم” في أوساطِنا شرطاً ضرورياً للتأهُّل للعيش في العالم ومعه.

إعلان Zone 4

إنّ تغيير “رؤية العالم” كما هي مستقرةٌ إلى حدٍّ ما في فقه الدين قبل فقه العيش، تعني إقداراً وفتح آفاقٍ على خياراتٍ اُخرى لأمتنا ولديننا ولإنسانيتنا.

وعلى مشارف الأزمنة الحديثة، شهد فقه العيش اختلالاتٍ تناولت أخلاقَ السلوك والتصرّف، كما تناولت أعمالَ الدولة والأنظمة السياسية، وتعاظم التأثر بها، والحطُّ عليها. وقد اختلفت الأنظارُ في أسباب ذلك. فقد كان هناك مَنْ رأى أنّ هذا الاختلالَ إنما حدث بفعل صدمة الغرب، ولا علاقةَ له بالأُصول الدينية والقيمية. ولذلك اتجه الرأي إلى تجديد أو تغيير الجانب السياسي / العسكري من فقه العيش، لمواجهة الأخطار. ومضى الطهطاوي مَثَلاً قُدُماً فرأى ضرورةَ الإصلاح والتغيير في مجالات الزراعة والتجارة والصناعة. وأبى أن يكونَ هناك اختلالٌ في فقه الدين أو فقه الأصول وتجلّياتها الاجتماعية. بينما لم يطْلُبْ خير الدين التونسي من الفقهاء ورجال العلم الديني غير تقبُّل الجديد. وقد استند في هذا المطلب إلى ضرورات المصالح التي كان الطهطاوي قد سمّاها “المنافع العمومية”. والمنافع العمومية عنده تُطِلُّ على الوعي بالمصالح العامة، إنما ليس من الجانب الديني. في حين رأى التونسي أنّ لهذا الاختلال مساساً بفقه الدين، ولذلك اعتبر أنّ إعمالَ أصل المصالح تارةً، والسياسة الشرعية تارةً أُخرى، كافيان في الإقبال على استحداث المؤسسات، دون أن يعني ذلك المساس بالفقه الديني العام. إنما منذ ثمانينات القرن التاسع عشر اتجهت كلُّ الجهود إلى التجديد في فقه الدين ليتساوقَ مع التجديد في فقه العيش. واتخذ ذلك كله عنوان إزاحة التقليد الفقهي والعقدي، وفتح باب الاجتهاد. وفي الرؤية الإسلامية التقليدية أو الكلاسيكية؛ فإنّ فقه الدين كان هو الذي يحكم ويضبط فقه العيش؛ في حين أدّت ضرورات التغيير في فقه العيش وترتيباته قبل قرنٍ ونيف، إلى أنّ تتحكّم متغيّرات العيش وترتيباته في فقه الدين؛ باتجاه دفعه للتلاؤم معها. وقد تسبَّبتْ وقائع خمسين عاماً وأكثر من الهجوم على التقليد في تعطُّل أو تعطيل آليات التفاعل والتنسيق بين فقه الدين وفقه العيش، بحيث انهار فقه الدين التقليدي في النهاية، وما أمكن الاصطلاح على بدائل له أو خيارات أُخرى. ويرجع ذلك لعدة أسباب: أنّ جزءًا من الهجمات على التقليد كان لأسباب اعتقادية ما كان يمكن التنازل عنها في نظر أتباعها. وثانياً، لأنّ الإصلاحيين ما كانوا متحدين؛ بل كان منهم السلفيون، ومنهم التحديثيون، ومثالاهما شاسعا الاختلاف. هؤلاء يريدون العودة للكتاب والسنة بقصد التأصيل في مواجهة التقليد والحداثة. وأولئك يريدون العودة للكتاب والسنة لاستكشاف تأويلات جديدة للقرآن تسمح لهم بأسلمة الحداثة الاوروبية أو التلاؤم معها. والسبب الثالث عجز الآليات والأدوات الاجتهادية التي استعان بها الإصلاحيون بقسميهم عن استحداث مناهج جديدة لقراءة النصوص والاستنباط منها غير آليات وأدوات أصول الفقه الكلاسيكية. ولذلك ظلّت أُطروحات الإصلاحيين دعاوى ما اكتسبت الشرعنة باعتبارها أقيسة صالحة بحسب جمهور الفقهاء القدامى، أو باعتبارها مصالح مرسلة بحسب المالكية. وعندما نشر محمد الطاهر بن عاشور أواخر الأربعينات كتابه في مقاصد الشريعة، ما جرى الاعترافُ به، وقال كثيرون فيما بعد إنّ فيه تجاوُزاتٍ للنصوص، وتسليماً بأوهام حداثية.

بيد أنّ هذا كلَّه لا يعني أنه وطوال القرن العشرين ما كانت هناك جهود اجتهادية، وجهود للإصلاح والتجديد. وقد قسمتها إلى ست مراحل وفترات: مرحلة مجلة الأحكام العدلية العثمانية، ومرحلة محمد عبده ومدرسته، ومرحلة محمد إقبال ومدرسته، ومرحلة السنهوري ومدرسته، ومرحلة مالك بن نبي ونظرية الحضارة، ومرحلة المصالح ومقاصد الشريعة”.

 

لماذا فشل الإصلاح والتجديد؟

قلنا من قبل إنّ الاختلالات التي طرأت على فقه العيش وترتيباته في المجال الإسلامي نتيجة المتغيرات الهائلة والعاصفة، جرت الاستجابة لها على مدى قرنٍ وأكثر من خلال محاولاتٍ متواليةٍ للإصلاح والتجديد في فقه الدين. وقد اعتبرتُ المحاولات الست التي لخّصتُ أفكارها الرئيسة أهمَّ تلك المشروعات أو لنقل الاستجابات. بيد أنّ النجاح أو الاستتباب لم يحالف معظمها لأنها واجهت تحدّياتٍ كبرى داخلية وعالمية، ولأنها في معظمها عملت من منطلق الأزمة الحضارية، ولكنها ما اقترحت رؤيةً شاملةً لمواجهة تلك الأزمة. ولأنها كانت جزئيةً في استتناجاتها وحلولها. ولأنّ الأصوليات والإحيائيات الاحتجاجية والانشقاقية والصراعية طرحت في مقابلها رؤيةً شاملةً حركيةً وتسييسية للدين في ماهيته وأدواره ووظائفه حظيتْ بتأييد نُخَب فكرية ودينية على مدى أربعة عقود.

لقد أتت التحدّيات في البداية والنهاية من جهتين: السياسات الدولية، والتي أدّت في طغيانها وهول آثارها إلى اعتبار الجمهور ومثقفيه كلّ محاولة فكرية أو سياسية للانفتاح، بمثابة استسلامٍ أو تآمُر – وأنّ التجديدات الجزئية التي طرحها مفكّرون أفراد، ما لقيت فئاتٍ أو مدارس أو مؤسسات حاملة ومطوِّرة، مثلما حدث في المذاهب الفقهية أو الكلامية في القديم على سبيل المثال – وأنّ الدول الوطنية الجديدة والتي بدأت بالظهور بعد الحرب الأولى، ما وجدت عُمُراً وزمناً للنجاح على مستوى تكوين المؤسَّسات، ومستوى العلاقة المستقرة بالجمهور. وعندما كان ذلك كله يحدث مما بعد الحرب الأولى وحتى الستينات من القرن العشرين؛ كانت الإحيائيات والأصوليات تنمو وتمتدّ بين الجمهور، وتشتغل على فقهٍ جديدٍ للدين أيضاً، يواجهُ متغيّرات فقه العيش؛ ومن ضمن ذلك مواجهة العالم باعتباره معتدياً على الدين وعلى الناس. ويمكن تركيز ذلك الوعي المحبط والثائر والمتأزم في عدة نقاط:

– أنّ هناك مؤامرةً على الإسلام والأمة، ومن ضمنها السلطات الوطنية التي بدأت تتكون في أوساط النُخَب المدينية، وتحاول المزاوجة بين الكفاح السياسي والشعبي ضد الاستعمار، وإقامة المؤسسات والممارسات المعتادة في دول الغرب الحديث.

 -أنّ “الشرعية” السياسية لأيّ نظامٍ لا تستند وحسْب إلى تأييد الجمهور، بل  لا بدّ أن تكون أمينةً للهوية الإسلامية للمجتمع.

 -أنّ الإسلامَ دينٌ ودولة. وهكذا، فإنّ الدين الإسلامي يملك مشروعاً سياسياً لا بدّ من إحقاقه باعتباره ركناً من أركان الدين. وعلى مدى أربعين عاماً وأكثر ظهرت أدبياتٌ هائلةٌ عن النظام  الإسلامي الكامل في الاقتصاد والقانون والاجتماع والسياسات الداخلية والأُخرى الخارجية. وصار ذلك كله متركّزاً في ضرورة “تطبيق الشريعة” من أجل استعادة الشرعية للدولة والمجتمع، فتضاءلت إلى حدود الاختفاء، الرؤية الإنسانية والكونية للدين، لصالح ربطه بإقامة نظام سياسي من جهة، ومصارعة العالم من جهةٍ أُخرى!

– أنّ الحائل دون إقامة الدولة الإسلامية الشرعية، هو السلطات الداخلية المتغرّبة، والنظام الدولي الحامي لها. ولذلك ينبغي الكفاح ضدّ الطرفين بشتى الوسائل، لأنّ الدين معرَّضٌ للخطر، وكذلك المجتمعات!

– أدّت الحرب الباردة التي زادت من الاستقطاب، إلى إفادة حركات “الصحوة” هذه من جوانبها الثقافية والأمنية والعسكرية؛ بحيث تغلغلت الصحوات في الأوساط الاجتماعية، وبحيث نجحت في تحطيم الدولة الوطنية في إيران، وإثارة اضطرابات باسم الدين في المجتمعات العربية والإسلامية ومجتمعات العالم، وذهبت للقتال في أفغانستان، ولاحقاً في إفريقيا والولايات المتحدة وأوروبا،، وصارت لها تجاربها القتالية والانتحارية التي زادت من طموحاتها.

 

وما مورس التفكير النقدي الجدّي من جانب الإصلاحيين في بحث المفهوم الجديد والتحريفي للشريعة، ولا في صحة مقولة الإسلام دين ودولة، ولا في أنّ النظام السياسي ليس ركناً من أركان الدين. وإنما كان هناك تركيزٌ من جانب الإصلاحيين المسلمين ومنهم ذوو الثقافة الفقهية والعقدية على تحريم العنف بالداخل، ومطالبة الدول بالفعل بتطبيق الشريعة لسحب الريح من أشرعة الإحيائيين والحزبيين!

– وأخيراً وليس آخِراً ذاك الفصام الذي شاع وتجذر بين الإصلاحيين والجذريين الإسلاميين من جهة، والمثقفين العرب الكبار من جهةٍ ثانية. فقد تكاثرت مشروعات المثقفين العرب للخلاص من الموروث الديني باعتباره عائقاً  دون الدخول في الحداثة، وتارةً بتحريره من أوهام العامة، وطوراً بتحرير العامة منه. وهكذا ساد انقسامٌ محبطٌ بين مَنْ نُبذوا باسم العلمانيين، والآخرين الذين استأثروا باسم الإسلاميين.

 

* أصل هذه الأُطروحة، محاضرة أُلقيت بالمؤتمر الرابع لـ”منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة” في أبو ظبي، في 12 كانون الأوّل 2017. وقد أكملتُ كتابتها بعد الأحداث الفرنسية المرعبة في العشر الأواخر من شهر تشرين الأوّل 2020.

 

في الحلقة الثالثة: نحو سرديةٍ جديدةٍ للإسلام: للخروج من الجمود والتقوقع والعنف (3/3)

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.