العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2A

Ad Zone 2A

مانديلا الذي انتصر على غريزة الثأر…

Ad Zone 4B

مضت سنوات طويلة على اهتمام العالم بموت انسان. ما حظي به غياب نيلسون مانديلا كان بالفعل خارجا عن كلّ مألوف، خصوصا اذا أخذنا في الاعتبار تلك التغطية الاعلامية الواسعة للحدث. بدا وكأنّ الرجل مواطن عالمي يمتلك قيما تطمح اليها كلّ المجتمعات. انها مجموعة من القيم اجتمعت في شخص واحد استطاع قبل كلّ شيء الانتصار على غريزة الثأر المتأصلة في النفس البشرية منذ القدم.

في النهاية، تبيّن أن هناك اجماعا على أنّ نيلسون مانديلا كان قبل كلّ شيء عظيما بتواضعه الجمّ وقدرته على تجاوز كلّ نوع من أنواع الحقد الذي لا يتقنه سوى صغار الصغار الذين تدور حياتهم على الرغبة في الانتقام. كان مانديلا فوق الانتقام. لأنّه عرف كيف يعلو على الانتقام، استطاع ابقاء دولة جنوب افريقيا دولة حيّة ترزق، دولة قابلة للتطوّر وتحقيق تقدّم في كلّ المجالات، دولة تمثّل قوة اقتصادية لها مكانتها في العالم.

على خلاف عدد كبير من الحكّام العرب وحكّام العالم الثالث، لم يخرج مانديلا من السجن من أجل ممارسة العنف ردّا على الذين حرموه من الحرّية. كانت مدة سبعة وعشرين عاما في السجن كافية لتدمير أي شخص. تكمن أهمية نيلسون مانديلا، الذي يعرفه ابناء شعبه تحت اسم “ماديبا”، في أنّه كان أقوى من السجن والسجّان. انتصر على السجن وعلى السجّان.

لكنّ الاهمّ من ذلك كله، عرف “ماديبا”، وهذا عائد الى أنّه مثقف حقيقي وانسان حقيقي، أن مستقبل بلده مرتبط بالتسامي على الظلم والابتعاد كلّيا عن تصفية الحسابات والثأر. عرف أن المصالحة الوطنية هي مستقبل جنوب أفريقيا. كان همّه محصورا في التخلّص من العنصرية وليس من مجتمع جنوب افريقيا المتنوع. أدرك باكرا أن ثروة جنوب افريقيا في تنوعها، في السود، كما في البيض، في المسلمين، كما في المسيحيين، في اليهود أيضا. صنع الاستقلال الثاني لبلاده مع رجل ابيض هو فردينان دوكليرك.

كان لدى دوكليرك حسّ انساني عميق، اضافة الى بعد نظر. كان يعرف أنّ لا مستقبل للبلد في حال ارتبط بالعنصرية وأن لا بدّ من كسر حلقة مغلقة اسمها التمييز العنصري. لذلك، أقدم على المصالحة التاريخية مع الاكثرية، أي مع السود. أحسن اختيار الرجل القادر على القيام بهذه المصالحة التي تعطي كل ذي حق حقّه. كان “ماديبا” الشخص المؤهل لهذه المهمّة التاريخية التي مكّنت جنوب أفريقيا من المحافظة على تماسك مجتمعها وقوّة اقتصادها.

تكمن عبقرية مانديلا في المحافظة على تنوّع المجتمع بعيدا عن العنصرية. لم يرتكب خطأ روبرت موغابي في زيمبابوي (روديسيا سابقا). نكّل موغابي بالبيض الذين بقوا في زيمبابوي بعد استقلالها. كان الخاسر الاكبر بلد اسمه زيمبابوي. أفقر موغابي زيمبابوي من أجل البقاء في السلطة. لم يكن لدى نيلسون مانديلا هذا الهاجس. كان فوق السلطة. ولذلك تفوّق على الآخرين ودخل التاريخ من أبوابه الواسعة وصار استثنائيا، بكل ما لكلمة استثنائي من معنى. لم يرتكب نيلسون مانديلا ما ارتكبه الحكام العرب الذين تعمدوا افقار بلادهم. فهم معنى التنوّع والمحافظة على هذا التنوع في المجتمع.

لم يرتكب مانديلا ما ارتكبه البعث في سوريا. أفقر البعث السوريين من أجل وضعهم تحت سيطرته وصولا الى حكم حافظ الاسد الذي تخصص في طرد كل سوري يمكن أن يخدم سوريا وأن يرفع من شأنها. تعمّد حافظ الاسد، وهو نقيض مانديلا الانتقام من الذين شاركوه في الوصول الى السلطة، بغض النظر عما اذا كان هؤلاء على حقّ او باطل. كان همّه الانتقام. انتقم من صلاح جديد ونور الدين الاتاسي ومحمد عمران وكثيرين آخرين. انتقم في النهاية من سوريا.

لم يكن صدّام حسين أفضل من ذلك بكثير. كان هو الآخر همّه الانتقام. بدأ عهده في العام 1979 بالانتقام من رفاقه البعثيين الذين أعدمهم الواحد تلو الآخر بعد محاكمات صورية.

ينتمي مانديلا الى طينة أخرى من الرجال. ساند القضية الفلسطينية ووقف الى جانب ياسر عرفات عندما تخلى كثيرون عنه. كان رجلا صادقا خلّص مواطنيه من العنصرية، لكنّه حذرهم من ممارسة العنصرية. رفض الاقصاء وكلّ ما له علاقة بالاقصاء. كان انسانا قبل اي شيء آخر. ولذلك لم يبعد أي أجنبي أو أي مواطن جنوب افريقي. حافظ بكلّ بساطة على جنوب افريقيا. كان عنوانا للاستقلال الثاني لبلد لا مستقبل فيه للبيض من دون السود ولا مستقبل للسود من دون البيض بغض النظر عن الدين والطبقة الاجتماعية. هل كثير على العالم أن يكرّم رجلا عرف كيف يحافظ على بلده منتقما من فكرة الانتقام؟

الاكيد أن الحاجة اليوم قبل الغد الى مانديلا عربي. الحاجة الى رجل يعرف أن لا مكان للثأر عند الكبار. هكذا كان الملك حسين، رحمه الله، الذي تعالى على فكرة الثأر وعفا عن كلّ من أساء اليه وحتى من حاول قتله. هكذا كان الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الذي بنى دولة مهمّة من خلال فكرة التسامح والتصالح في العمق بين الشعب والحاكم وحماية كلّ مقيم على أرض الامارات.

من يتمعّن في سيرة هذين الرجلين وفي سيرة الرئيس الشهيد رفيق الحريري واسلوب تعاطيه مع الناس، يبقى لديه بعض الامل في المستقبل العربي…الذي يحتاج اليوم أكثر من أي وقت الى شخص لديه شيء، ولو بعض الشيء، من صفات نيلسون مانديلا.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.