العنكبوت الالكتروني
العنكبوت الالكتروني - أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2A

Ad Zone 2A

تاريخ المواجهة بين الكونغرس والرئيس الأميركي: من يقرر الحرب

Ad Zone 4B

بقلم سارة بيرنز Sarah Burnes (فورين أفيرز Foreign Affairs)

 

عندما أصبح دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة في عام 2017، وعد بسياسة خارجية انكماشية عنوانها “أميركا أولاً”. تراجع عن قرارات السياسة الخارجية لإدارة باراك أوباما، وقوّض 70 عاماً من التعاون مع دول حلف شمال الأطلسي، وذلك عبر سلسلة من الأوامر التنفيذية. فمن كان هناك لإيقافه؟

لقد سيطر الجمهوريون على مجلسي الكونغرس خلال العامين الأولين من رئاسة ترامب. ونادراً ما كانت المحاكم تتدخل، عندما تتنازع السلطتان التنفيذية والتشريعية. فيما يميل الشعب الأميركي إلى محاسبة الرؤساء، فقط عندما تقع خسائر كبيرة في الحرب.

لقد ابتعد جدول أعمال ترامب عن المعايير المتبعة، لكنّ ممارسته للسلطة التنفيذية لم تكن بعيدة عن الممارسة الاعتيادية للرؤساء من قبله، الذين هيمنوا على صنع القرار في السياسة الخارجية الأميركية. والواقع أنّ التغييرات البنيوية شوّهت مبدأ الفصل بين السلطات، ما ترك للرؤساء هامشاً هائلاً، قبل أكثر من 75 عاماً.

في البداية، كان من الصعب تشريع هذه التغييرات: كان على الفروع الثلاثة للسلطة جميعها (التنفيذية والتشرعية والقضائية) أن تحرم الكونغرس من المركز الذي يمنحه الدستور له بوضوح. بذل الكونغرس كثيراً من الجهود للحفاظ على الصلاحيات التي كان يتمتع بها خلال السنوات الـ150 الأولى من عمر الجمهورية، لكنّ العلاقة المتغيّرة أصبحت روتينية في نهاية المطاف. وبحلول القرن الحادي والعشرين، كانت فروع السلطة قد أقامت علاقة جديدة فيما بينها: فالسلطة التنفيذية تشنّ الحروب من جانب واحد، والكونغرس لا يقدّم أكثر من ورقة  التفويض (إن وجدت على الإطلاق)، ونادراً ما تتدخّل المحاكم. لذا فإنّ وجود رئاسة مسؤولة ومتناغمة مع مصالح الشعب الأميركي يتطلّب وجود هيئة تشريعية قادرة على تقييد السلطة التنفيذية – وكذلك وجود الناخبين الذين يصرّون على ذلك.

لم يشارك الرئيس جورج واشنطن George Washington [الرئيس الأول للولايات المتحدة ما بين عامي 1789 و1797] في أيّ عملية عسكرية دون موافقة مسبقة من الكونغرس. وفي عام 1793، أعلن حياد الولايات المتحدة بإزاء حروب الثورة الفرنسية، وسعى ضدّ المقاومة المستندة إلى مبادئ. وقد جادل جيمس ماديسون James Madison, Jr [الرئيس الرابع ما بين عامي 1809 و1817] بأنه بإعلان حالة السلام، تعدّى الرئيس واشنطن على سلطة الكونغرس في إعلان الحرب.

قد يتساءل القارئ الحديث كيف تمكّن الرؤساء الأميركيون بعد ذلك من شنّ حروب شاملة بقيود محدودة، إن وجدت، من الكونغرس.

لم يتغيّر المعيار على الفور أو في كلّ مرة. خلال فترة رئاسته، امتنع ماديسون عن التحضير لحرب عام 1812 مع بريطانيا العظمى حتى أقرّ الكونغرس إعلان الحرب. وناشد جيمس بولك James K. Polk [الرئيس الحادي عشر بين عامي 1845 و1849] الكونغرس تزويده بالأموال والقوات العسكرية من أجل تسيير الحرب المكسيكية الأميركية. وكان الكونغرس قوياً جداً في عام 1898 لدرجة أنّه أجبر وليام ماكينلي William McKinley [الرئيس الخامس والعشرون من عام 1897 حتى اغتياله عام 1901] على بدء الحرب الإسبانية الأميركية. وحاول كلّ من وودرو ويلسون Woodrow Wilson [الرئيس الثامن والعشرون بين عامي 1913 و1921] وفرانكلين روزفلت Franklin Roosevelt [الرئيس الثاني والثلاثون بين عامي 1933 و1945] إدخال الولايات المتحدة في الحربين العالميتين الأولى والثانية على التوالي، ولكن في كلتا الحالتين، رفض الكونغرس دخول الحرب. وهو أعاد النظر في موقفه فقط رداً على صدمة إغراق السفينة الأميركية لوزيتانيا Lusitania  من قبل الألمان عام 1915، وهجوم اليابانيين على بيرل هاربورPearl Harbor عام 1941.

والواقع أنّ الهجوم على بيرل هاربور كان الحافز ليس فقط لجرّ الولايات المتحدة إلى الحرب العالمية الثانية، ولكن أيضاً لتغيير أساسي في مبدأ فصل السلطات. كان بعض أعضاء الكونغرس، ولا سيما في مجلس الشيوخ، ينظرون إلى الولايات المتحدة على أنها قلعة قارية، لا يمكن المساس بها، سواء اندلع القتال في أوروبا أو في المحيط الهادئ. لكنّ هجوم بيرل هاربور حطّم هذه النظرة إلى العالم، من خلال إثبات أنّ عدواً يملك الموارد يمكن أن يضرّ بالولايات المتحدة.

ثم استعمل الرئيس إعلان الكونغرس الحرب على اليابان، والإعلانات التي تلته، ضدّ الأعداء  الآخرين في الحرب العالمية الثانية، لتأكيد سلطاته الواسعة في مجريات الحرب. حاول أعضاء الكونغرس تجنّب التشكيك في قرارات الرئيس، وأيّدها الجمهور إلى حدٍّ كبير، ما أظهر الوحدة الوطنية حتّى في أحلك أيام الحرب.

لكن مجرّد أن أعلن الحلفاء النصر، أولاً في أوروبا ثم في المحيط الهادئ، كان على الكونغرس أن يستعيد مركزية القرار بإزاء الرئيس وأن يستعيد سلطاته. كان هذا هو المسار بعد كلّ صراع مسلّح. إلى درجة أنّه في نهاية الحرب العالمية الأولى، رفض مجلس الشيوخ إقرار معاهدة عصبة الأمم التي دعا إليها ويلسون، متذرّعاً بالقلق من أن يخسر الكونغرس السلطة الحصرية بإعلان الحرب، فتذهب إلى هيئة دولية.

لكن يبدو أنّ هذه المخاوف تبخّرت بعد الحرب العالمية الثانية أو استُبدلت، فأقرّ مجلس الشيوخ بسرعة وسهولة معاهدات الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي. وكلاهما أعطى البلدان الأخرى القدرة على إجبار الولايات المتحدة على الدخول في صراع مسلّح.

وسرعان ما خضعت تلك المعاهدات للاختبار: ففي عام 1950، أصدر مجلس الأمن الدولي قرارات تدعو الدول الأعضاء إلى الدفاع عن كوريا الجنوبية ضدّ عدوان كوريا الشمالية. ووجد هاري ترومان Harry S. Truman [الرئيس الثالث والثلاثون بين عامي 1945 و1953] نفسه، على عكس أسلافه، في وضع يسمح له اتخاذ القرار دون الحصول على إذن من الكونغرس، مع جيش كبير تحت تصرفه، والعدو السوفياتي من ورائه، ورأى ترومان نفسه مضطراً للعمل، وتصرّف بتهوّر.

إنّ الحرب الكورية توضح مدى أهمية ضوابط الكونغرس على العمل الرئاسي. ولو كان ترومان بحاجة إلى طلب موافقة الكونغرس، لكان عليه أن يثبت شرعية العملية للشعب الأميركي، وكان بإمكان الكونغرس استخدام سلطته الرقابية لضمان المساءلة طوال العملية. وعلاوة على ذلك، كان بوسع الأميركيين أن يحاسبوا أعضاء الكونغرس عندما اتخذت الحرب منعطفاً سيئاً (كما تفعل أغلب الحروب). لكنّ ترومان تصرّف من تلقاء نفسه، تاركاً للكونغرس قدرة محدودة على تقييده. لأنه إذا لم يؤكّد الكونغرس سيطرته على مجرى الحرب منذ البداية، فلا يمكنه استخدام سلطاته إلا لسحب القوات من المعركة في ظروف صعبة. ففي نهاية الأمر، عندما يصبح الجيش في الميدان، سيبدو أعضاء الكونغرس غير وطنيين إذا فشلوا في تزويد الرجال والنساء المحاربين بالمعدّات التي يحتاجونها للنجاح في مهمتهم.

وكان هذا هو الحال في فييتنام. لم يعلن الكونغرس الحرب هناك قط، ولو كان الأمر كذلك، لكان قد مارس بعض الرقابة على مسار الصراع. ولكن في عام 1964، ضغط الرئيس ليندون جونسون Lyndon B. Johnson [الرئيس السادس والثلاثون بين عامي 1963 و1969] على الكونغرس لتمرير قرار خليج تونكين [ادّعى البيت الأبيض أنّ مدمرتين أميركيتين تعرّضتا لإطلاق نار مطلع آب عام 1964 من جانب قوات فييتنام الشمالية]. هذا القرار سمح للرئيس بتدخل عسكري محدود. لكن مع هذا التشريع، وجد الكونغرس نفسه وقد سمح بتصعيد الحرب غير المعلنة في فييتنام وفقاً لتقدير الرئيس بدلاً من محاسبة السلطة التنفيذية. بعد ما يقرب من عقد من القتال، ومقتل عشرات الآلاف من الجنود، وعدم تحقيق أيّ انتصار، حاول الكونغرس استرجاع صلاحياته في عام 1973، ومحاولة تمرير قرار سلطات الحرب (WPR) بمواجهة حقّ النقض للرئيس ريتشارد نيكسون Richard Nixon [الرئيس السابع والثلاثون بين عامي 1969 و1974].

في الظاهر، يطلب القرار من الرئيس استشارة المجلس التشريعي قبل خوض الصراعات الخارجية وخلالها. لكن ما بدا وكأنه إعادة تأكيد للفصل بين السلطات تحوّل إلى أحد أشكال الإذن. فإذا لم تتعرّض الولايات المتحدة إلى إعلان حرب عليها من دولة أخرى، لا يمكن للرئيس إرسال قوات من دون إعلان الحرب، أو من دون الحصول على إذن الكونغرس.

القرار نفسه يسمح للرئيس بالدخول في عمليات هجومية خلال مهلة 60 يوماً، على نحوٍ منفرد، مع مهلة 30 يوماً إضافية لسحب القوات. وقد استخدم الرؤساء هذه اللغة لتبرير العمليات الصغيرة منذ ذلك الحين، بما في ذلك بعض العمليات التي نمت تكلفتها أكبر مما هو معلن، مثل تلك التي حدثت في كوسوفو عام 1999 وفي ليبيا عام 2011.

وعندما تولّى الرئيس جورج دبليو بوش George W. Bush منصبه في عام 2001، [هو الرئيس الثالث والأربعون وحكم حتّى عام 2008] ورث سلطة تنفيذية قوية تراقبها هيئة تشريعية ضعيفة في مجال الشؤون الخارجية. تعزّزت السلطة الرئاسية في عهده في أعقاب الهجمات الإرهابية في 11 أيلول، ووسّع خلفاؤه السلطة الرئاسية إلى مدى أبعد. وبوسع رؤساء القرن الحادي والعشرين الآن أن يستشهدوا بعقود من السوابق في بدء العمليات العسكرية دون استشارة الكونغرس. ويمكنها أن تبرّر محاربة الجهات غير المنتمية لدولة، (المنظمات) في صراعات مفتوحة تتطلّب إجراءات سريعة وحاسمة وسرية، ما لا يترك سوى القليل من الوقت لوضع أهداف سياسية واضحة ناهيك عن وضع استراتيجية كبرى مجدية.

العودة إلى الفصل المتعمّد بين السلطات قد لا تضع حدّاً لجميع الحروب غير الضرورية أو السيئة التنفيذ. لكنّ الرقابة الموضوعية في الكونجرس من شأنها أن توفّر الشفافية حتى يتسنّى للشعب الأميركي أن يعرف متى تنحرف الحروب، بدلاً من الانتظار عشر سنوات لكي يكتشف، على سبيل المثال، أنّ إدارة واحدة، بل إدارتين، فشلتا في إدارة الحرب في أفغانستان بشكل فعّال.

في ختام الانتخابات الرئاسية لعام 2020، يتطلّع الكثيرون إلى الرئيس المنتخب جو بايدن لإعادة الولايات المتحدة إلى “السياسة الاعتيادية”. لكن في مجال السياسة الخارجية، خصوصاُ في الشؤون العسكرية، كان تفرّد ترامب هو بالفعل “السياسة كالمعتاد”.

نمط الأحادية التنفيذية في السياسة الخارجية لن ينهار في إدارة مختلفة. ولن ينهار إلا عندما يقرّر الكونغرس أنّه من الواجب عليه أن يقيّد العمل الرئاسي، وأن يحاسب الرؤساء.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.