العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

أمين الجميّل (2/2): ننحر لبنان بإرادتنا.. هذا سرّ علاقتي بحافظ الأسد وصدّام حسين وبوش الإبن

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

في الحلقة الثانية والأخيرة من هذا الحوار الطويل الذي أجرته أسرة موقع “أساس” مع الرئيس أمين الجميّل، يكشف عن رؤيته للإنسان اللبناني “الخارق” وعن علاقته العتيقة بالرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن، وعن سرّ علاقته بالرئيس حافظ الأسد الذي استقبله 16 مرّة، وعن وساطته الأميركية لمحاولة تجنّب اجتياح العراق وسرّ علاقته بالرئيس صدّام حسين، وعن علاقته الحميمة مع جورج بوش الابن، الذي استقبله كرئيس سابق، بعدما زار البيت الأبيض 3 مرّات خلال ولايته، في سابقة لبنانية لم تتكرّر.

أجرى الحديث: رئيس التحرير زياد عيتاني ومدير التحرير محمد بركات، والزملاء والزميلات نسرين مرعب وإيفون صعيبي وإيلي قصيفي وابراهيم ريحان، والمصوّر الزميل حسام شبارو.

إعلان Zone 4

– كيف ترى المشهد اللبناني اليوم؟

– أريد اختصار الموضوع بحدث نعيشه اليوم، وهو خبر الشاب اللبناني الأرمني نوبار أفيان، الذي يرأس شركة “موديرنا” التي توصّلت إلى لقاح مضادّ لفيروس كورونا. وهو ولد في لبنان ودرس في لبنان ثم هاجر بحثاً عن أحلامه.

لبنان واقع بين صورتين، جزء من شعبه ينتحر أو يُنحر، وجزء ثانٍ يظهر طاقاته الخارقة، مثل نوبار الذي يعمل على إنقاذ العالم بكل ما للكلمة من معنى،.

منذ تأسيس لبنان الكبير حتّى اليوم مررنا بمحطات صعبة جداً واستطعنا الانتصار عليها، والانتحار اليوم ليس حتمياً بل يتمّ بإرادتنا، أوعلى الأقلّ بعدم رغبتنا في انتشال لبنان من هذا المستنقع الذي نحن فيه.

عندما نرى كلّ هذه القدرات اللبنانية، من كارلوس سليم العملاق في عالم الاتصالات في أميركا اللاتينية، إلى كارلوس غصن الذي أنقد أهم شركة في اليابان، وأمثالهم في مختلف بلدان العالم وميادين علمه وفنّه، هذا يعني أنّ لدينا طاقات خارقة نضيّعها في زواريب السياسة.

 

– قيل لنا إنّك تعرف الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن معرفة شخصية قديمة؟

– الرئيس جو بايدن تعرّفت عليه عندما كان نائباً للرئيس، أتى إلى لبنان وكان يهتمّ بالشأن اللبناني. لكن هذا لا يؤثر ولا يغيّر في توجّهاته. فعندما يصل المرشّح إلى البيت الأبيض يصبح إنساناً مختلفاً، ومن غير الضروري أن تسيطر عليه علاقاته السابقة.

عندما تركتُ الرئاسة كنتُ على تواصل مع الكثير من القيادات الأميركية الكبيرة، ورغم أنّه لم يعد لي صفة رسمية إلا أنني زرتُ الرئيس الأميركي جورج بوش الابن في البيت الأبيض، وزرتُ قصر الإليزيه، والتقيت الرئيس الفرنسي. وبالطبع التقيت بكل القيادات العربية، بعد الرئاسة. كنتُ أحاول قدر استطاعتي أن أطلب دعم القضية اللبنانية.

 

– ماذا فعلتَ بعد الرئاسة؟

بعد أن أنهيتُ ولايتي، كان لديّ خيار التفرّغ لـ”الحرتقة” بالقيل والقال ومناقشة جنس الملائكة، أو أن أبدأ مرحلة جديدة من حياتي… وأنا اتخذت قراراً بأن أمضي في الخيار الثاني.

كنتُ أدرس في الجامعة قبل دخول المعترك النيابي والسياسي، وكان عندي رغبة في الحصول على دكتوراه، لكن لم يتسنَ لي ذلك. وبعد انتهاء ولايتي قرّرت متابعة تحصيلي الأكاديمي، والتحقتُ بجامعة هارفرد، وبعدها بجامعة ميريلاند، ثم ذهبت إلى باريس وتعاقدتُ مع جامعة باريس كأستاذ زائر، وشاركت في لجنة الإشراف على رسائل الدكتوراه، وأشرفتُ على رسالة الصحافي علي حماده شقيق النائب مروان حمادة، في منتصف التسعينات، وعلى رسالة طالب آخر هو سليم الصايغ، الذي صار وزيراً كتائبياً قبل سنوات.

هذه كانت حياتي الأكاديمية التي أمضيتها بين أميركا وفرنسا، في الوقت نفسه قمتُ بجولات حول العالم، فاجتمعت مع غورباتشوف في موسكو، وبحثتُ معه مطولّاً في مشروع “بيروسترويكا” الذي يتمحور حول الشفافية ودخلنا في نقاش وقلت له: “أنت تقدّم إنجازأ سيغيّر مجرى التاريخ، لا سيما تاريخ الاتحاد السوفياتي، وهذا إيجابي. والإصلاح الذي تقوم به مفيد للمستقبل، ولكن للأسف ولا تتفاجأ من كلامي، من يدخل في هذه المشاريع الإصلاحية يدفع ثمنها”.

وأنا رئيس لبناني متقاعد أو رئيس سابق، وصدر مني هذا الكلام بدا كأنّه بمثابة وقاحة، وقد تفاجأ بكلامي، لكنّه كان متعاطفاً جداً، وقال: “أنا أعرف تماماً أنّ هذا الخط الذي أسلكه هو خط ثوري بالتأكيد، ومستعدّ لأن أدفع الثمن، ولكن على الأقل أكون قد وضعت البلد على سكّة أنا أؤمن فيها”. وبعد شهرين، وقع الانقلاب وطار غورباتشوف.

أذكر أنّ السفير اللبناني في موسكو يومها اتصل بي بعد مغادرتي بأيام، وقال لي: “يبدو أنّ زيارتك لغورباتشوف كانت ملفتة. ففي اليوم الثاني، نشر غورباتشوف خبر هذه المقابلة في الإعلام وتحدّث عن المقابلة، وتقريباً سرد فحوى هذا الحديث”.

باختصار بعد أن أنهيت ولايتي لم أضيّع الوقت، وقمت بكثير من الرحلات الأكاديمية وغيرها. وكما ذكرت، التقيت في واشنطن الرئيس الأميركي بوش الابن، والتقيت الرئيس الفرنسي في الإليزيه، وكرئيس جمهورية سابق متقاعد استمرّت اتصالاتي قائمة مع الرؤساء وحتّى مع الرئيس حافظ الأسد. فقد اتصلت به مرّتين عبر الهاتف، لكن لم أقم بأيّ زيارة لسوريا.

 

– ألم تشبع من زياراتك للرئيس حافظ الأسد؟

– على كلّ حال، أنا عندما كنت أتحدّث مع الرئيس الأسد كنا نتحدّث بالمنطق وبالإيجابية وليس بانفعال، ولذلك كان هناك احترام متبادل.

 

– كم لقاء جمعك مع الرئيس الأسد؟

– عقدنا 16 لقاءً خلال ولايتي الرئاسية، ولو لم يكن هناك احترام متبادل، لما كنا عقدنا كلّ هذه اللقاءات، وكان هناك لقاءات أخرى قبل رئاستي.

والانطباع الذي ما زال عندي بأن الرئيس الأسد كان مقتنعاً بأنّني صادق معه، ونريد الحلّ، وأنا مقتنع أيضاً بأنّه كان يريد الحلّ. أنا من منطلق قناعات لبنانية وهو انطلاقاً من قناعات سورية. ولولا هذا التفاهم المتبادل لما كان استمرّ هذا التواصل حتى آخر يوم من ولايتي،.. في نهاية ولايتي اختلفنا ولم نستطع التوصّل إلى نتيجة، لكنّه رافقني إلى المطار بكل احترام وبكلّ صداقة وبكل مودّة، وبقينا بعد ذلك على تواصل.

 

– ماذا كان مضمون الاتصال معه بعد خروجك من الرئاسة؟

– كان تأكيد على حسن العلاقة، وحاولنا ترتيب الأمور.

باختصار في العلاقة بيني وبين الرئيس الأسد كان هناك منطلقان: أنا أتفهّم منطقه بأنّ سوريا لديها مصالح في بلدنا، وهو منطق التاريخ كما يفهمونه، ونحن بالطبع نتمسك بسيادة لبنان ومفهوم السيادة والاستقلال، ومفهوم حرية القرار الوطني.

كلّ منّا تمسّك بمنطقه، لكن ما كان يجمعنا هو قناعة مشتركة بضرورة التوصّل إلى قاسم مشترك، وإلى حفظ العلاقة المميّزة بين لبنان وسوريا. فأنا لم أكن ضدّ منطق العلاقات المميّزة، لكن شرط أن تحترم بشكل واضح السيادة والاستقلال، وهو كذلك الأمر مقتنع بهذه العلاقات المميّزة، لكنّه دائماً كان يريد أموراً إضافية لم أكن أستطيع أن أعطيه إيّاها. كان دوماً يريد القليل من الانتقاص من السيادة والاستقلال.

لذلك، عندما وُقّع اتفاق الطائف حُكي أنّ الكثير من بنود الطائف كانت قد بُحثت في عهدي في لوزان وجنيف وفي لقاءات بكفيا وفي الاتصالات الثنائية بيني وبين الرئيس الأسد، وكلّها موجودة في كتابي “الرئاسة المقاومة” ونشرت المحاضر بالتفصيل. 

لقد مهّدنا الطريق لكثير من التعديلات اللاحقة. ولما سُئلت عن رأيي بالاتفاق، قلت إنّه مثل شخص اشترى سيارة من دون الفرامل. فصحيح أننا شاركنا في تصنيع 80 في المئة من السيارة، لكنّهم نسوا في ما بعد أن يركّبوا الفرامل.

 

– ما هي الصفات الأساسية التي وجدتها عند الرئيس الأسد كشخصية سياسية في المنطقة كان لها وزنها سواء أيدناها أم لا؟

– لاشك أنّ الرئيس الأسد رجل خارق الفكر، وأنا تفاجأت بمدى ثقافته، فهو رجل يقرأ التاريخ، ويقرأ الإنتاجات المعاصرة، ونادراً ما نجد في العالم العربي رئيساً يعطي وقتاً للقراءة أو يتثقّف. ومن جهة ثانية كان ودوداً جداً، وكان الودّ في جزء كبير منه يصلني بشكل طبيعي وعفوي، وأيضاً بعضه كان مصطنعاً وتكتيكياً.

في كلّ الأحوال، كانت زياراتي ولقاءاتي معه تستغرق وقتاً طويلاً، وكنّا نتحدث في الملف اللبناني – السوري، ثم ننتقل إلى السياسة العامة والفلسفة، وندخل في الثقافة الهندية، وفي قضايا فلسفية، وقضايا خاصّة وشخصية. كان يحب الاستفسار عن العائلة وأحوالها وما هي منطلقات آل الجميل وجذور العائلة التاريخية. وكان يتحدّث عن نفسه.

أخبرني مراراً عن زمالته العسكرية مع الرئيس حسني مبارك، وكيف صار بعد ذلك طياراً إلى جانبه وتشارك معه الغرفة نفسها في المدرسة الحربية، وكانت قد بدأت صبغته البعثية تظهر، وكيف أبعده النظام إلى مصر لفترة. كما أخبرني أنّ أهله كانوا يريدون إرساله الى الجامعة الأميركية في بيروت لدراسة الطبّ، وأنّه كان متحمّساً للعقيدة البعثية، وعنده نظرة مختلفة إلى مستقبل سوريا. وفضّل المدرسة الحربية على كلية الطب في بيروت.

باختصار، الحديث مع الرئيس الأسد كان حديثاً حميماً جداً، لكنّه كان أحياناً يمرّر بعض “اللطشات” بمثابة رسائل، منها عندما كنّا نتحدث عن الاتفاق الثلاثي، وأنا كان موقفي صارماً ومعارضاً، فأخبرني قصّة جرت بينه وبين الرئيس المصري أنور السادات، لكن كان يتحدّث بادّعاء طريف للبراءة، كأنّه لا يحمل أيّ نية سيئة أو رسالة مبطّنة.

أخبرني يومها أنّ الرئيس السادات زاره في دمشق: “السادات كان يجلس هنا مكانك، وتحدّث معي عن قضية القدس، وأنّه يجب أن يكون هناك مدخل للولوج إلى حلّ هذا النزاع أو الأزمة التاريخية والوصول إلى تصوّر للحلّ. وقال إنّه جاءته إشارات من إسرائيل بأنّها مستعدة للانسحاب من سيناء، وإقامة علاقات احترام متبادل”.

وأضاف الرئيس الأسد أنّه كان مضطرباً وهو يسمع كلام السادات ولا يستوعب ما يقوله. وأنّ الاجتماع كان بحضور مساعديه: “بعد أن انتهى الرئيس المصري من كلامه، أحد مساعديّ قال لي إنّه لا يجب ألّا تصل طائرة السادات إلى مصر، لأنّه إذا وصل، فهذا يعني أنّه سيقيم علاقات سلام مع إسرائيل”. بمعنى أنّه كان اقتراحاً بنسف الطائرة، وعدم السماح للرئيس المصري بالإقدام على هذه الخطوة، لأنّ ذلك خيانة للقضية العربية. ويوضح الرئيس الأسد أنّه منعهم من الإقدام على هذه الخطوة.

*الرواية نفسها استعملها الأسد الأب مع فؤاد بطرس في رسالة إلى الرئيس الياس سركيس* (مذكرات فؤاد بطرس).

أما بالنسبة للاتفاق الثلاثي، فيوم التوقيع على الاتفاق، كان هناك لقاء قمة مقرّراً بين الرئيس الأسد والملك حسين في دمشق، ويومها أرجأ زيارة الملك حسين لإعطاء الأولوية لتوقيع الاتفاق الثلاثي. كان الأسد يعتبر أنّ الاتفاق الثلاثي سيكون تاريخياً، وسيغيّر مجرى كلّ العلاقات في لبنان وسوريا خاصة، خصوصاً أنّ من كان يحاوره هو اليمين المتطرّف المسيحي، يعني الميليشيا العسكرية المسيحية.

أنا عتبي كبير جداً على الكثير من القيادات اللبنانية التي حملت طرحة العروس لإيلي حبيقة في هذا الاتفاق. ولا أريد ذكر الأسماء فأنتم تعرفونهم، هناك شخصيات لبنانية كبيرة ذهبت كي تشهد على الاتفاق الثلاثي بتوقيع إيلي حبيقة الذي لم يكن لديه أيّ صفة تمثيلية مسيحية. ومهما كانت ميليشياته، غير أنّ إيلي حبيقة معروف.

لومي على الشخصيات اللبنانية التي كان يجب عليها اتّباع الأصول في الدخول إلى اتفاقات على هذا المستوى، وألّا تكون خارج إطار رئاسة الجمهورية. إذ إنّ هناك حدّاً أدنى من الاحترام لرئاسة الجمهورية اللبنانية، بمعزل عن مواقفنا من الاتفاق. هناك وزراء سابقون وشخصيات مرموقة ذهبت إلى دمشق، وحضرت توقيع الاتفاق الذي كان يفترض أن يمرّ من بعبدا، وأن يكون التنسيق مع بعبدا.

 

– عندما كنت تتحدّث مع الرئيس الأسد وتقول إنه كان يسألك عن العائلة، هل كنتم تتحدّثون عن بشير رحمه الله؟

– كنا نتحدّث عن جميع أبناء العائلة. وللمعلومات، إنّ أوّل اتصال حصل بيننا وبين سوريا كان بواسطة بشير. كان أوّل فرد من آل الجميل يزور سوريا. لا أذكر ما هي ظروف الزيارة، وفي ذلك الوقت، كان الوالد قد زار الرئيس الأسد في منزله وليس في مكتبه، واستقبله بحفاوة وألفة. وبقيت العلاقة كما قلت حتى آخر يوم من ولايتي. وهناك نوع من الودّ بيني وبين الرئيس الأسد شخصياً، أما مع بقية القيادات السورية، فحدّث ولا حرج، عبد الحليم خدام رحمه الله كان يتعاطى بلؤم ويتصرّف بحقد وقمة السلبية، وكان يحبّ أن يتذاكى.

في أحد الاجتماعات مع الرئيس الأسد قلت له: “يا سيادة الرئيس أتمنى لو أنّ العلاقة تبقى بيننا لأن لدّي إشكالية مع وزير الخارجية، مع أبو جمال (عبد الحليم خدام)”. وقلت للرئيس الأسد بالفرنسية إنّ أبو جمال مصاب بالـ “Espionisme” ما معناه حبّ الجاسوسية. ويومها لا الرئيس الأسد فهم ماذا أعني ولا أحد من الموجودين، وطلب أن أترجم له المعنى بالعربية، فطلبت منه أن نبحث الأمور الجدّية، وأن يفسّر له أحد آخر معناها بعد رحيلي.

 

– لعبتَ دوراً في العراق في العام 2003؟

– كانت علاقتي قريبة جداً من الرئيس صدام حسين، وكان هناك ودّ بيننا. وصودف أنّني كنتُ سأتعرّض لمحاولة استهداف ما في تلك المرحلة، فأرسل لي قائلاً: “عندي معلومات بأنك تخاطر بحياتك، ولا تتخذ الاحتياطات اللازمة. غداً سأرسل إليك سيارة خاصة، هذه سيارتي المرسيدس المصفّحة، وستكون بتصرّفك لحمايتكَ”.

كان ذلك في العام 1983، وكان الرئيس صدام يتابعني، وكان حريصاً على العلاقة بين لبنان والعراق. وإجمالاً نحن كعائلة الجميل كان لنا علاقة حميمة مع العراق في فترة الملكية خلال العهد السابق، عهد الملك فيصل، وكان الوالد على علاقة جيدة معه في تلك الفترة، واستمرّت هذه العلاقة مع الرئيس صدام حسين، وفي الوقت نفسه يعرف الرئيس صدام طبيعة العلاقات التي تجمعني بالأميركيين.

وصلنا إلى مرحلة الكباش الكبير تقريباً قبل شهرين من اجتياح العراق، وتوترت الأمور بين الأميركيين والعراقيين، فأرسل صدام إليّ مسؤولاً لا أذكر اسمه، هو قيادي في المخابرات العراقية. زارني في بكفيا وسألني عما يمكن أن يفعله العراق ليتفادى التوتر ويرتّب الوضع مع الأميركيين. فقلت له إنّني لا يمكن أن أجيبه لأنّني لا أملك معطيات كافية. فسألني إذا كان بإمكاني إجراء اتصالات، والقيام بأيّ مسعى لتفادي الصدام. ثم بعد فترة زارني هذا المسؤول مرة ثانية قائلاً: “الرئيس صدام يودّ مقابلتك”. فذهبتُ إلى العراق والتقيتُه.

هذه أحداث كتبتها وكنت أحضّر لنشرها في كتاب، لكنّ المذكّرات التي نشرتها كانت دسمة، ولا تحتمل أيّ إضافات.

الطريف كيف وصلتُ إلى مقرّه، بين محطات عديدة وعمليات تمويه وإجراءات معقّدة أمنية. استقبلني وكان يدخن السيجار، وقال لي: “نحن حاضرون لكلّ شيء، قاصداً إنّه جاهز لخوض الحرب، لكن إذا كان بالإمكان أن نتفادى الصدام، فهذا أفضل”. وسألني عن اقتراحي للمساعدة في تجنّب الحرب. لكن لم ندخل في التفاصيل. كنتُ أعرف أنّه يريدني أن أوظّف علاقاتي مع المسؤولين الأميركيين. وانتهى اللقاء دون أن أشرح له ماذا سأفعل ولا هو سألني ماذا سأفعل.

زرتُ بعدها أميركا. في ذلك الوقت كانت علاقتي حميمة جداً مع وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، وهناك أيضاً علاقة عائلية معه، زوجته اسمها جويس وزوجتي اسمها جويس وكنا أصدقاء. لكن أنا أعرف الأميركي، فبمجرد وصولي إلى أميركا آتياً من العراق، سيكون صعباً عليّ أن أزور رامسفيلد، لأنّ الإعلام الأميركي سيعتبر الزيارة جزءاً من وساطة مع العراق. وكان الأميركيون سينزعجون جداً من ذلك لأنّهم ما كانوا يريدون إظهار انفتاحهم على وساطة أو على أيّ خطّ تفاوض مع العراق، وأنا أدرك هذا الأمر.

عوضاً عن الذهاب إلى واشنطن ذهبتُ إلى هيوستن، وزرتُ محامياً من عائلة الجميّل لإزالة الشبهات، اسمه جورج الجميّل. وهو سُجّل اسمه في كتاب غينيس للأرقام القياسية باعتبار أنه حصل على أعلى أجر في التاريخ كمحامٍ، في قضية بين شركتي نفط. وقد كانت له صلاته واتصالاته وعلاقاته مع أبرز السياسيين في واشنطن. رحمه الله، فقد توفي منذ سنتين. وقد كان فعّالاً جداً، إذ كان محامياً لأكبر شركات البترول.

عقدنا لقاءً مع المحامي ومع جيمس بيكر الذي كان قريباً جداً من السلطة، ووزيراً للخارجية وللمالية، فسألت بيكر عمّا يمكن فعله؟ فأجاب: “كلامكَ هذا منطقي، وسنرى إذا كان المنطق سينجح أم لا”. ولأنّه كان وزيراً للمالية، كان توقيعه مُلزماً على كلّ دولار يطبع في ولايته. وبصفته هذه فتح “الجارور” وأخذ رزمة دولارات، وقال لي: “سنرى إذا كان للمنطق حظّ”. وسألني: “متى ولدت؟”. فقلت له: “سنة 1948”. فأخذ رزمة دولارات من فئة الدولار الواحد، وقال: “سنرى إذا كنّا سنجد رقم 48 على أحد هذه الدولارات”. وبالفعل وجد دولاراً مكتوباً عليه 48A. فأردف: “هذه بشرى خير. أمين 48”. فأخذها وأعطاني إيّاها، وطلبتُ منه أن يوقّع عليها.

رجعتُ من أميركا عارفاً أنّ هناك صعوبة كبيرة في تفادي الحرب. فإسرائيل وضعت كلّ ثقلها، وكانت تريد رأس صدام بأيّ ثمن، وفهمت من الأميركيين أنّ القصة تقريباً “منتهية”.

ذهبتُ إلى العراق واجتمعتُ في مطار بغداد بمندوب قداسة البابا، الذي كان يزور العراق أيضاً في مسعى مشابه. التقيته وكان هناك مجموعة كبيرة تحاول الوصول إلى طريقة للخروج من هذه الأزمة الكبرى.

كان هناك مشروع تسوية وافق عليه صدام، دون تقديم موافقة خطية. بل كان يناقشه في جوّ إيجابي، وكان عبارة عن حلّ في إطار السلام في الشرق الأوسط، ومقترح لإنشاء كيان أمني في المنطقة، أي منظومة أمنية تضمّ إسرائيل والعراق. وكان هناك جناح في أميركا يبحث معنا في هذا الأمر. صدام اعتبره مخرجاً لحلّ الأزمة بما هو أبعد من العراق.

كانت مبادرة مهمة، وأحتفظُ بنصّ المشروع الذي شارك فيه الفاتيكان، بوساطة من طارق عزيز، نائب رئيس الجمهورية العراقي، ونائب رئيس مجلس الوزراء، وهو كاثوليكي كلداني وعلاقاته جيدة مع مطران الكلدان، الذي بدوره كانت علاقاته جيدة مع الفاتيكان. وكان هناك شخص يحمل جائزة نوبل من السويد دخل معنا في الدراسات حول هذا المشروع.

كانت مفيدة هذه الورشة، لكن كما قلت: “سبق السيف العذل”. فما كُتِبَ قد كُتِبَ.

عدتُ من العراق على متن طائرة أردنية، كانت آخر طائرة غادرت العراق قبل إقفال المطار. وبعدها بأسبوع اندلعت الحرب.

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.