العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

صناعة “كراسي القش”… مهنة تواجه الاندثار في لبنان

حرفة الأجداد والآباء... تهملها الأجيال الجديدة

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

تقاوم صناعة “كراسي القش” الاندثار في طرابلس بفضل جهود بعض الحرفيين، ويُعتبر الحاج خضر سكاف أحد آخر هؤلاء. تختصر مسيرة الرجل السبعيني صفحات من تاريخ المدينة القديمة. فهو بدأ بالعمل مع والده في السابعة من عمره، واليوم يطفئ شمعته الـ 65 من العمل الصعب والإصرار على “تحويل عود القش إلى مقعد مريح”، بينما يخشى أن تندثر هذه الصناعة لأنّ جيل الشباب لا يهوى هذه الأعمال، ويميل إلى المهن الحرة والسهلة.

حياة كرسي

إعلان Zone 4

تبدأ “حياة الكرسي” في سهل عكار، حيث تُزرع النباتات القصبية التي تُحصد في الصيف، لتنتهي شتاءً في السويقة، أحد أكثر الأحياء الشعبية جاذبية في طرابلس. ويروي الحرفي سكاف أنه يخزّن كميات كبيرة من القش في مستودعه لتكون المادة الأولية الخام جاهزة عند الطلب.

وينجز العمل من ألفه إلى يائه لأنها صناعة تعتمد على الفن والمهارة الشخصية. ففي ساعات الصباح الباكرة، تبدأ عملية “بَلّ القش” أي غسله بالماء ليصبح طرياً ومطواعاً لليد. بعد ذلك، يحوّله إلى رزم صغيرة، ثم يبدأ بـ”لفّه” على الهيكل الخشبي الذي يُصنّع في “المنشرة”. فهناك داخل فبركة النجارة، تُصاغ تفاصيل القطع الخشبية التي ستستند إليها جدائل القش التي تحتضن الجالس.

وبعد ما يزيد على ساعة من الصبر، وتركيبه قشة قشة، ينتهي إعداد الكرسي صغير الحجم. أما المقعد العريض، فيحتاج إلى مزيد من الجهد والصبر والعرق.

“التهديد الصيني”

نذر خضر سكاف حياته لصناعة كراسي القش، فهو ترك مقاعد الدراسة، واتجه إلى فبركة والده ليتعلم مصلحة تفيده. في تلك الأيام، كان يطمح لتأسيس مستقبل مليء بالإنجاز. لم يتوقف يوماً عن الحلم بأن الأفضل سيأتي لاحقاً، وهو حالياً، يبذل قصارى جهده ليصنع أربعة أو خمسة كراسي في اليوم، علماً أنه في السابق كان يتمتع بقوة جسدية كبيرة وقدرة بدنية تساعده في إتمام الدزينة منها. لكن الآن وقد خارت القوى، لم يعد يملك “النفس الطويل” و”السعة في الصحة” والوقت للقيام بسائر المهام، أو استخدام “المثقبة” و”القدّوم” لنحت خشب “الزنزلخت” الذي يشكّل هيكل الكرسي، وباتت الاستعانة بالآلة ضرورة لإتمام بعض الأجزاء، بعدما كان ينحتها بنفسه. ولم يعد يفعل ذلك، إلاّ للأشخاص الاستثنائيين وعند الطلب.

يتحسّر على “أيام العز” عندما كانت “الليرة تحكي”، أيام سويسرا الشرق حين كان الوضع الاقتصادي قوياً ومتيناً. كما لا ينسى بعض الأحداث الوثيقة بتاريخ المدينة، فهو يقرن البدء بالحرفة مع والده بطوفان نهر أبو علي في خمسينيات القرن الماضي، عندما غمر الماء والوحل مشغلهما، ما اضطرهما لتنظيفه وإعادة الحياة إلى المدينة.

حملت تلك الأيام الكثير من الإنجازات لأبناء طرابلس الذين تأسّس مستقبلهم على جهود الحرفيين اليدويين. آنذاك، كان ثمن الكرسي ليرة أو ليرة ونصف، وكان ثمنه يكفي لتعيش الأسرة بسعة وبحبوحة. أما الآن، فإنه يقاوم قدر الإمكان ليبقي على فنه حاضراً في السوق وليحمل على عاتقه منافسة البلاستيك الصيني والقش المصري الذي يُستورد إلى لبنان، من دون أي اعتبار للمنتج الحرفي المحلي.

تحوّل إلى ذكرى

كما لا ينسى مرحلة مضت، عندما كان محله يحتضن عدداً كبيراً من النسوة يعملن في “لف القش” لتأمين طلبات الزبائن. أما الآن، فأصبح وحيداً، ولم يعد يعمل إلاّ بدافع الحب وكفاف يومه.

حتى خلال أيام الحرب، لم يغادر منطقة جسر أبو علي، وظلّ العمل مستمراً. ولم يتوقف عن استقبال زبائنه الذين يأتون من كسروان وجبل لبنان وزغرتا وبلاد الاغتراب. ويشكّل هؤلاء داعماً كبيراً له للاستمرار في هذه الحرفة، فهم يقصدونه من أجل تجهيز بيوتهم التراثية وحدائق الفيلات وبعض المراكز الثقافية. كما لا يتأخر في استقبال من يرغب في هدية فريدة، وكأنها جاءت من عصر الأجداد، لذلك يجمع سكاف في محله الضيّق بعض القطع التراثية كـ “قنديل الكاز” والسلال والقدور، إضافة إلى “مدقات الجرن”، فهي تثير حشرية بعض الزائرين للسؤال عنها وربما لشرائها.

لدى سكاف يقين بأن الزمن تغيّر لأن رغبات الناس تختلف من جيل إلى جيل، وما كرّس له سنين عمره هو وأجداده، قد يتحوّل إلى ذكرى تحفظها صورة أو مخيّلة طفل. لذلك، يشيد ببعض المبادرات للإضاءة على الحرف التقليدية، مثل بعض المعارض في جبيل وذوق مكايل، والمهرجانات القروية التي تجريها بعض المؤسسات الثقافية والتربوية في الشمال.

شريكة جدها

أبناء سكاف لم يتعلموا هذه المهنة المتعبة، وحدها سليمة، ابنة العشر سنوات، تندفع لمساعدة جدها ومرافقته إلى المعارض، وتحاول أن تكتسب بعض المهارات المتصلة بهذه الحرفة. فهي تلوّن بعض المقاعد أو حتى ترسم عليها. “هذا ليس كافياً وإنما يُعتبر خطوة أولى لتعلّم الخطوات الأكثر دقة”، بحسب سكاف.

ليست هذه الصناعة الوحيدة المهددة، وإنما تاريخ كامل على شفير النسيان. فرحيل كل حرفي من الجيل القديم، يطوي معه صفحة من حياة المجتمع اللبناني، صفحة صنعتها جهود آبائهم، وعرقهم وامتزجت فيها حياتهم اليومية بثقافتهم الاجتماعية.

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.