العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2A

Ad Zone 2A

تعويم النّظام الجزائري… بالمسكّنات

Ad Zone 4B

بات واضحاً أنّ النظام الجزائري يسعى الى إعادة تعويم نفسه مستخدماً الوسائل القديمة التي لجأ اليها منذ الاستقلال عام 1962. كلّما تغيّرت الأمور، بقيت على حالها، كما يقول المثل الفرنسي المشهور. في الواقع، ليس النظام القائم سوى وليد انقلاب عسكري نفّذه هواري بومدين على الرئيس المدني أحمد بن بلّة عام 1965، تولّى بومدين في نتيجته السلطة علناً بعدما كان يمارسها في الخفاء عن طريق المؤسسة العسكرية.
 
فرض بومدين مفاهيمه للسلطة مستنداً الى الأجهزة الأمنية التي أكدّت أنّها صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة عندما فرضت عسكرياً خليفة له مطلع عام 1979. فرضت الأجهزة الشاذلي بن جديد الذي كان أقدم ضباط الجيش من حملة رتبة عقيد. استبعدت الأجهزة المنافسين المدنيين للشاذلي، وهما عبد العزيز بوتفليقة ومحمد صالح يحياوي، برغم الخلفية العسكرية للأخير، الذي كان يتولى شؤون الحزب الحاكم (جبهة التحرير الوطني).
 
لم يتغيّر شيء في الجزائر في يوم من الأيّام. بقيت المؤسسة العسكرية تتحكّم بمفاصل السلطة، حتّى في عهد عبد العزيز بوتفليقة الذي اضطرت هذه المؤسسة الى الاستعانة به وأوصلته الى الرئاسة عام 1999 بعدما نضبت خياراتها، إثر تفضيل الضابط المحترف اليمين زروال الانسحاب من المسرح السياسي والابتعاد عن الأضواء.
 
في كلّ ما فعلته الأجهزة الأمنية التابعة للمؤسسة العسكرية، منذ عام 1965، لم يكن لها من هدف سوى السلطة والتحكّم بها عن بعد. لا تمتلك هذه الأجهزة أيّ رؤية من أيّ نوع تسمح لها بالقيام بعملية نقد للذات تسمح بالاستعانة بشخصيات مؤهلة تتيح للجزائر الخروج من الأزمة العميقة التي تعاني منها. في أساس الأزمة العقل المتزمّت لهواري بومدين الذي فشل في كلّ المشاريع التي أراد تنفيذها، مستخدماً الشعارات الكبيرة بدل الإجراءات العملية التي تتماشى مع طبيعة بلد ينتمي الى العالم الثالث ويمتلك ثروة كبيرة في أساسها النفط والغاز. هذا الفشل المتعدد الأشكال لبومدين قاد عملياً الى المأزق الذي يعاني منه النظام حالياً، وهو مأزق جعله، مثله مثل التاجر المفلس، يفتّش مجدداً في دفاتره القديمة في محاولة لإيجاد حياة جديدة له.
 
ليس السماح بعودة وزير الدفاع السابق اللواء خالد نزار من منفاه الإسباني ثم تبرئة اللواء محمد مدين (توفيق) مسؤول الأمن العسكري سابقاً وخليفته اللواء عثمان طرطاق سوى محاولة جديدة لإعادة تأهيل النظام. كان خالد نزار شخصية مهمة ومحورية لفترة طويلة. أمّا الجنرال “توفيق”، فكان طوال سنوات بمثابة الرجل القويّ في الجزائر، كان لقبه “ربّ الجزائر” قبل أن تتخلّص منه المجموعة المحيطة ببوتفليقة التي حكمت الجزائر منذ عام 2013 إثر تعرّض الرئيس السابق لجلطة حوّلته شخصاً مقعداً لا يستطيع النطق.
 
في كلّ مرحلة جزائرية، كان هناك ممثل للمؤسسة العسكرية لا مجال لتجاوزه. في السنوات الأخيرة من عهد بوتفليقة ومجموعته، صعد نجم اللواء أحمد قايد صالح الذي كانت لديه حسابات أراد تصفيتها مع “توفيق” ومع خالد نزار وطرطاق وغيرهم. لعب أحمد قايد صالح، الذي ما لبث أن توفّي، الدور المطلوب منه لعبه في مجال التخلّص من المجموعة التي كانت تستخدم بوتفليقة لحكم البلد، خصوصاً من سعيد بوتفليقة، الشقيق الأصغر للرئيس الجزائري السابق. ولكن ماذا بعد ذلك؟ هناك عودة الى المؤسسة العسكرية العميقة التي يرمز اليها شخص مثل الجنرال “توفيق” الذي لعب دوره في صناعة الرؤساء في مرحلة ما بعد التخلّص من الشاذلي بن جديد في مطلع عام 1992 ومباشرة تطبيق سياسة اقتلاع التطرّف الإسلامي من جذوره والتي سُميّت سياسة الاستئصال.
 
تأتي التطورات الأخيرة في الجزائر في ظلّ انسداد سياسي وتدهور للاقتصاد وللنظام الصحّي. يعتبر وجود عبد المجيد تبون في موقع رئيس الجمهورية أفضل تعبير عن حجم التدهور الجزائري. ذهب تبون الى ألمانيا كي يعالج من كورونا (كوفيد – 19). أمضى شهرين فيها. أحيطت زيارته بالسرية التامة في وقت كانت النكتة المتداولة في الشارع الجزائري أن الرئيس يذهب الى ألمانيا في رحلة علاج بعد أيّام قليلة من قوله إن “الجزائر تتمتّع بأفضل نظام صحي في شمال أفريقيا والقارة كلّها”.
 
مرّة أخرى، ستسعى المؤسسة العسكرية الجزائرية الى إعادة تأهيل النظام المنبثق منها. مرّة أخرى ستلجأ الى المسكنات في التصدي لمرض خطير اسمه الجزائر التي صنعها هواري بومدين. فشل بومدين في كلّ “الثورات” التي كان وراءها، بما في ذلك “الثورة الزراعية” و”الثورة الصناعية”. قضى على الزراعة بحجة تطبيق الاشتراكية، وبنى صناعة ثقيلة مكلفة من دون أن يطرح على نفسه سؤالاً في غاية البساطة: أين سيصرّف إنتاج مصانع الصلب الجزائرية؟ أسوأ ما في الأمر أنّه فرض التعريب، أي التعامل باللغة العربية فقط. كانت النتيجة أن الجزائريين لم يتعلموا العربية على يد أشباه أميين من “الإخوان المسلمين” أو من البعثيين السوريين والعراقيين… ونسوا الفرنسية!
 
تحتاج  الجزائر المريضة الى نظام جديد متصالح مع الجزائريين أوّلاً ومع جيرانه في المنطقة ثانياً، نظام من دون عقدة المستعمر الفرنسي. تركت فرنسا الجزائر قبل أقلّ بقليل من 59 عاماً. تركتها للجنرالات ولنظام لا يزال يعتقد أنّ باستطاعته بناء سياسة قائمة على الدخل الآتي من الغاز والنفط. مثل هذا الدخل لم يعد موجوداً. هل يتجرّأ الجنرالات على مواجهة الواقع، بدءاً بالاعتراف بأنّ الجزائر مريضة… أم يستمرون في الهروب منه؟ يهربون وهم يرفضون في الوقت ذاته الاعتراف بأنّ ثمن هذا الهروب كارثة حقيقية، يبدو أحد أهمّ البلدان في شمال أفريقيا، بل في أفريقيا كلها، مقبلاً عليها، عاجلاً أو آجلاً في ظلّ طلاق كامل بين السلطة والشعب…

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.