العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2B

Ad Zone 2B

اللبنانيون بدأوا يأكلون بعضهم جوعاً.. والأمن الذاتي يقترب

Ad Zone 4B

يترافق التصدّعُ المالي والاقتصادي مع تراجع حضور الدولة بمؤسساتها وأجهزتها الدستورية والإدارية والأمنية والخدماتية، بينما يهبط لبنان تدريجياً إلى جهنم، تماماً كما “بشّر” رئيس الجمهورية ميشال عون، لينعكس هذا التصدّع في الشارع على شكل فوضى متدرِّجة أيضاً. فوضى بدأت بالانهيار العملي للطبقة الوسطى مع فقدانها مدّخراتها في المصارف تحت عناوين مختلفة، ثمّ بارتفاع منسوب السرقات في أنحاء البلد بشكلٍ قياسيّ ونوعي، إذ لم يعد هناك سقف للتوقعات. فالسرقات باتت تطال السيارات ومحتوياتها، خصوصاً البطاريات، والدراجات النارية، ومولّدات الكهرباء العامة والخاصة، والأسلاك الموصولة إليها، والحديد من الممتلكات العامة على الطرق… ولا تنتهي بأغطية الصرف الصحي.

تصاعدت السرقات في المدن والأرياف وبات الناس يخشون على ممتلكاتهم التي تُخطف من بين أيديهم بلمح البصر، من دون أن تستطيع السلطة اتّخاذ إجراءات كافية لوقف هذه الموجات المتمادية من السرقات، بل إنّ اللبنانيين باتوا معتادين على القبض على اللصوص وتسلميهم إلى الأجهزة الأمنية التي اقتصر دورها على الحدّ الأدنى من متابعة الجرائم الكبيرة مثل القتل أو سلب المنازل. بل إنّ أحد عناصر شعبة المعلومات قبض على لصٍ استهدف جيراناً له ليلاً في محلة أبي سمراء في طرابلس فأتى به إلى المخفر لتسليمه، ليُصدم بقول المسؤول عن المخفر إنّه لا يستطيع استلام اللصّ في الليل، بل على العسكري أن يأتي به في صباح اليوم التالي..

في بيروت، محلة الطريق الجديدة شاهدنا مواطنين ألقوا القبض على لصّ وقد أوسعوه ضرباً ثمّ ألقوه في حاوية النفايات، معتقدين أنّ تصويره وكشف هويته، سيكون درساً لغيره من اللصوص لعلّهم بذلك يفرضون هيبة لم تعد الدولة توفرها للمواطنين. وقد رحنا نرى مجموعات من الشبّان تقضي الليل عند مفارق الطرق ومداخل الأبنية احتياطاً من دخول اللصوص وتحسّباً من وقوع المزيد من الخسائر التي تتراكم نتيجة الفلتان الحاصل.

يُضاف إلى ذلك أنّ استجابة القوى الأمنية للضحايا باتت ضعيفة، بعدما تكاثرت جرئم السرقة. فهذه القوى تعرف صعوبة العثور على المجرمين في مسائل تعتبرها صغيرة، لذلك يرتبط مستوى الملاحقة بمدى ضخامة الجريمة، أو ارتباطها بالسلاح أو القتل، أو حتّى علاقة الضحية بالسياسيين أو الأمنيين، أو ربما بالضغط السياسي الذي يستطيع الضحية تأمينه، لكي تتحرّك القوى الأمنية.

تصاعدت السرقات في المدن والأرياف وبات الناس يخشون على ممتلكاتهم التي تُخطف من بين أيديهم بلمح البصر، من دون أن تستطيع السلطة اتّخاذ إجراءات كافية لوقف هذه الموجات المتمادية من السرقات

نتيجة هذا الأداء، ازدادت سطوة اللصوص ووقاحتهم، وتراجعت ثقة المواطنين بالدولة، وكبرت هواجسهم. وهم على حقٍّ في المخاوف، لأنّ العمليات الإجرامية انتقلت من السرقة إلى السلب. ولا يُخفى الفارق بين الجرمين.

فالسرقة لغةً واصطلاحاً هي “أخذ الشيء خفاءً عن صاحبه بغير حقّ”، أي أنّ السارق يتحرّك وهو يخشى مواجهة المستهدفين بالسرقة، لكنّ السلب، هو “الانتزاع قهراً والاستيلاء على ممتلكات الغير بالقوّة وعنوةً”.

ما تقدّم يعني أنّ الوضع في لبنان انتقل من السرقة العشوائية إلى الجريمة شبه المنظمة. وقد راحت عمليات السلب تحصل في وضح النهار وتشارك فيها مجموعات تتقاسم الأدوار وتستهدف أشخاصاً بعينهم، تتولّى رصدهم ومراقبتهم ودراسة الثغرات في حركتهم اليومية، ثمّ تنقضّ عليهم لتسلبهم سياراتهم وأموالهم، بوسائل وأساليب مختلفة. من ذلك انتحال صفة الأجهزة الأمنية، وتحديداً جهاز أمن الدولة، وبهذه الصفة تعرّض منزل العسكري المتقاعد عزام أرناؤوط لعملية اقتحام نفّذها أربعة لصوص قاموا بتكبيله وتكبيل عائلته وسلبهم كلّ ما وجدوه من أموال ومجوهرات.

الوضع يسوء أكثر كلّما اتّجهنا إلى البقاع، حيث عمليات الخطف لها تاريخ “عريق”، لكنها كانت سابقاً تعتمد على الاستدارج إلى المناطق البعيدة عن مراكز المدن والبلدات، أما في الأيام الأخيرة، فإنّ ساحات هذه المدون وشوارعها باتت مستباحة تماماً من قبل عصابات السلب والنهب، كما جرى في مطعم “ماكدونالد” في زحلة، التي شهدت أيضاً (في الفرزل) عملية خطف عسكري مع رفاق له، كانوا يقومون بتصريف مبالغ نقدية، ونتج عن ذلك مقتل اثنين من السالبين.

الأمر الخطر في الانتقال من السرقات العشوائية إلى السلب والنهب المنظّمين، هو أنّ اللبنانيين باتوا يجهّزون أنفسهم للاشتباك والمواجهة مع من يمكن أن يتعرّض لهم في الطرقات أو في المنازل. وبات الشعور بالحاجة إلى التسلّح الفردي والعائلي طاغياً، وهذا تطوّرٌ ينذر بما هو أكبر وأعظم. أي اتّجاه الناس إلى ما يمكن اعتباره الأمن الشخصي، الذي يكون عادةً مقدّمة طبيعية للتفكير بالأمن الذاتي، الجماعي، ولو بأشكالٍ غير حزبية أو سياسية.

فأهالي الأحياء والبنايات والشوارع باتوا يتداعون للبحث في كيفية حماية أنفسهم وممتلكاتهم من السرقة والسلب، بعدما فقدوا الأمل في استجابة الأجهزة الأمنية والبلدية لمتطلّبات الحماية الطبيعية وبحدودها الدنيا. وهذا لا يقتصر على منطقة دون أخرى، وإن كان مستوى الأمن الاجتماعي يختلف بين منطقة وأخرى، بحسب الظروف المعيشية والسكانية والاجتماعية. فالمناطق التي تُحظى بمستوىً معيشي جيّد، تمتلك فرصاً أكبر للحماية الذاتية والمنزلية، بينما تكبر فرص اللصوص والعصابات في الأحياء المتوسطة والفقيرة.

الوضع في لبنان انتقل من السرقة العشوائية إلى الجريمة شبه المنظمة. وقد راحت عمليات السلب تحصل في وضح النهار وتشارك فيها مجموعات تتقاسم الأدوار وتستهدف أشخاصاً بعينهم

لم يعد الأمن الذاتيّ مجرّد شعار يجري التخويف السياسي به. فالمشكلة تجاوزت الانقسام السياسي أو اعتبارات كانت سائدة قبل دخول نفق الانهيار. الإشكالية باتت اليوم تكمن في أنّ كلّ مواطن بات يشعر أنّه مهدّد في حياته ورزقه وأنّه محكوم بالمواجهة وبالدفاع عنه نفسه، وهذا سيُدخل البلد في الفوضى من القاعدة إلى القمة، في الطريق إلى تشظّي الدولة وإلى جهنم.

 

ألا يعلم المتسلّطون على الدولة والممسكون بزمام القرار أنّهم يقودون البلد إلى انهيار شامل وتصدّعات تطال القواعد الاجتماعية وحياة الناس المشتركة، وقد ينجم عنها تغييرات غير محسوبة وغير متوقعة ولا يمكن التحكّم بها، وخسائرها لن تكون محدودة، فتحالفات الفوضى لا يمكن ضبطها.

في هذا الوقت، يتقاذف هذا الرئيس وذاك مسؤوليات عدم تشكيل الحكومة، ويخرج علينا الزعيم المعصوم ليحدّثنا عن صعوبات تكتيكية، لتغطية عورات التعطيل الخارجية، من جهته… بينما اللبنانيون قد بدأو يأكلون بعضهم البعض من الجوع.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.