العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2A

Ad Zone 2A

أميركا: الخطر الخارجي فقط ينعش الهويّة الوطنية؟ (1/2)

Ad Zone 4B

في عشرينيات القرن التاسع عشر، أُطلق على مبنى الكابيتول Capitol لقب “معبد الحرية”، وذلك عقب سنوات قليلة من الانتهاء من تشييده (استغرق العمل عليه من 1792 إلى 1812)، باعتبار أنّ المكان الذي يضمّ الكونغرس أو السلطة التشريعية في الولايات المتحدة المستقلة حديثاً عن بريطانيا العظمى، يرمز إلى معاني الحرية والمساواة وحق تقرير المصير. المفارقة هنا أنّ هذا المبنى الأساسي إضافة إلى مقرّ إقامة الرئيس، الملقّب رسمياً بـ “البيت الأبيض” منذ عام 1901 بقرار من الرئيس تيودور روزفلت Theodore Roosevelt، والذي يبعد عنه مسافة ميل (1,6 كلم)، فضلاً عن مباني حكومية اتحادية أخرى ومنازل الآباء المؤسسين للجمهورية جورج واشنطن George Washington  وتوماس جيفرسون Thomas Jefferson  وجيمس ماديسون James Madison، قامت بجهود عدد غير معروف من العبيد الأفارقة، بعدما فشل المُشرفون على بناء العاصمة واشنطن آنذاك في العثور على ما يكفي من العمّال الأوروبيين المحترفين كالألمان والاسكوتلنديين. 

هذه القصة المؤثرة وذات الدلالات الرمزية الهائلة، لم يهتمّ بها المؤرخون، ولم تتوافر سجلّات وافية عنه، إلى أن كان عام 2005 عندما شكّل الكونغرس فريقاً للإضاءة على هذا الموضوع الحسّاس، وصدر تقرير رسمي بهذا الشأن. وليس مفاجئاً أن يتبع ذلك وصول أول رئيس من أصل أفريقي هو باراك أوباما إلى البيت الأبيض عام 2008. فالنبش في ملفات تاريخية سوداء، قبيل وصول أوباما، كان من قبيل التحضير النفسي لخطوة نوعية من هذا الطراز. وما كان أسطورة فيما مضى، يتداولها أحفاد العمّال الأفارقة في العاصمة الجديدة لأميركا، باتت حقيقة تاريخية.

في تلك الحقبة عقب حرب الاستقلال (1775-1783)، قدّمت ولايتا فرجينيا وميريلاند الأرض التي بُنيت عليها العاصمة ومبانيها الحكومية. وهما كانتا تؤيدان العبودية، فيما كان العبيد منتشرون في كلّ أنحاء الولايات الأميركية. لكن المثير في الأمر، أنه من أصل أكثر من 750 ألف عبد مسجّل عام 1790، كان نصفهم يسكن في هاتين الولايتين. ويُلاحظ أنه حتى اليوم، يسيطر الأميركيون الأفارقة على مناصب رسمية في مدينة واشنطن (العمدة، قائد الشرطة على سبيل المثال).

ما استدعى التاريخ بقوة في أذهان الأميركيين وعلى لسان نواب وشيوخ ورؤساء سابقين إضافة إلى قادة أمنيين في واشنطن، أن الهجوم المنسّق على مبنى الكابيتول في 6 الشهر الجاري، حمل معه رموز الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب، حيث كان إلغاء العبودية هو أحد دوافعها وحوافزها. فما علاقة ذاك الصراع بمزاعم تزوير الانتخابات الرئاسية؟ وهل القضية الحقيقية أبعد من الأنانية المفرطة لرئيس “مجنون” لا يبالي بالقانون ولا بالدستور ولا بأي اعتبارات وطنية؟   

 

أميركا.. دولة شرق أوسطية؟

“هذه ليست أميركا”..”نحن لسنا جمهورية موز”.. “هؤلاء ليسوا أميركيين”.. صرخات تعلو من عمق الهول الذي عاشه الأميركيون يوم الأربعاء الماضي، وهم يرون قدس أقداسهم الديمقراطية (الكونغرس) يهوي تحت أرجل متمرّدين أميركيين بيض أقحاح، لم يحاولوا منع تصديق الكونغرس على فوز جو بايدن وحسب، بل اقتحموا، وخرّبوا، وسرقوا، وسحقوا. واللقطات المصوّرة التي تخلّد لحظات الصدام العنيف داخل الأروقة الضيقة في مبنى الكابيتول، أثارت الخوف على الهوية، والهلع من المصير، حتى إنهم قارنوا ما حدث برعب 11 أيلول.

لقد لاحظ عالم السياسة الأميركي الياباني الأصل فرانسيس فوكوياما Francis Fukuyama أواخر عام 2018 أنه بدلاً من “أمركة” الشرق الأوسط، أصبحت الولايات المتحدة “شرق أوسطية” على نحوٍ متزايد. وأضاف أنّ “الاستقطاب في المجتمع الأميركي متطرّف لدرجة أنّ الحزبين الجمهوري والديمقراطي يشبهان القبيلتين المتحاربتين، وكلّ قبيلة تعتبر الأخرى تهديداً وجودياً لها.” وأضاف: “يبدو أنّ عدداً كبيراً من الجمهوريين يعتبرون الولاء لشخص دونالد ترامب أكثر أهمية من التزامهم بأيّ أهداف أعلى مثل سيادة القانون أو الحفاظ على الديمقراطية على الصعيد الدولي”.

وبالنسبة للحزب الديمقراطي، فقد تحوّل بحسب فوكوياما من مجموعة “التحالفات الطبقية العريضة للميثاق الجديد New Deal (وهي سياسة اتبعها فرانكلين روزفلت  Franklin Roosevelt خلال أعوام الكساد الكبير بين عامي 1934 و1938 لمساعدة الطبقات الأكثر فقراً) والمجتمع الكبير Great Society (وهي سياسة اتبعها الرئيس ليندون جونسون Lyndon B. Johnson بين عامي 1964 و1965، بهدف تقديم الدعم للطبقات الفقيرة ومكافحة الظلم العنصري) إلى تمثيل مجموعات الهوية المكوّنة للحزب: أي الأميركيين الأفارقة، والنساء، ومجتمع المثليات والمثليين، ومزدوجي الميل الجنسي، ومغايري الهوية الجنسانية، وما شابه ذلك.”

فوكوياما الذي اشتهر عام 1992 بكتابه “نهاية التاريخ والإنسان الأخير” The End of History and the Last Man، والذي كان يعدّ احتفاء بانتصار المعسكر الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة على المعسكر الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفياتي، سيطر عليه التشاؤم بعد وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض عام 2016، ولولا ذلك لما طبع كتابه الجديد “الهوية” Identity، حيث يقول: كنت قد قضيت الكثير من العقود القليلة الماضية مفكّراً في تطوير المؤسسات السياسية الحديثة، الدولة، وسيادة القانون، والديمقراطية. وكنت أرى أنّ جماعات المصالح القوية تقبض على النظام السياسي وتمنعه من التطوّر. وكان ترامب حتى قبل انتخابه من نتائج هذا الاضمحلال، ومن المشاركين فيه”.

ويقول فوكوياما: “إنّ هناك درساً واحداً يمكن تعلّمه من الشرق الأوسط المعاصر، وهو أنّ الهوية الوطنية هي عنصر حاسم لنجاح أيّ نظام سياسي. وينبغي أن تكون هذه الهوية ليبرالية وشاملة، وأن تشمل التنوّع الفعلي للبلد. ولكن يجب أن تكون موضوعية أيضاً. كانت هذه هي الهوية “العَقَدية” التي تطوّرت في الولايات المتحدة بحلول أواخر القرن العشرين: فلم يكن من المقرّر أن يتمّ تعريف أميركا بالعرق أو الإثنية، ولكن بالأفكار السياسية، مثل الولاء للدستور وسيادة القانون والإيمان بالقانون الأساسي للمساواة الإنسانية.” وبرأي فوكوياما، فإن ترامب أعاد الأميركيين إلى نقطة البداية: من هو الأميركي؟

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.