العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2B

Ad Zone 2B

أحلام سفير المواهب وكوابيس بلد المذاهب

Ad Zone 4B

كان فؤاد الترك سفيراً فوق العادة بالمعنى الريادي، لا فقط باللقب الوظيفي. وهو واحد من قلّة أدركت ان السياسة فنّ، وعرفت كيف تغني الديبلوماسية بالثقافة، وتمارسها كفنّ سياسي حتى عندما كان لبنان منقسماً في الحرب وبلا سياسة واحدة. فلا قوله أنا موظف عند ربّ عمل واحد هو لبنان مجرد شعار بل ممارسة، أو مجرد حماية من ضغوط الانقسامات بل فعل ايمان بوطن. ولا حديثه عن دولة المواهب لا دولة المذاهب سوى رؤية لتجاوز الواقع الذي لا يتغيّر بالواقعية بل بقوة المخيّلة. حتى عندما سئل عمّن يرشح للرئاسة، فانه لم يطرح اسماً وانما حدّد المواصفات: الأعرق والأشرف.

فؤاد الترك الذي رحل شاباً في الثمانين كان فيه شيء من قلب لبنان وعقله. القلب الذي يتّسع لكل لبناني في الوطن وبلاد الانتشار. والعقل الذي يعمل بلا تعب ولا ملل للأحلام الكبيرة. كان مسكوناً بزحلة وسحر سعيد عقل وشعره وأفكاره المدهشة. لكنه كان يسكن الكون كله، ويعمل لحل مشاكله الوجودية العميقة عبر مشروع طموح يحظى بالشرعية الدولية، ويجعل لبنان مركزاً لحوار الأديان والثقافات والحضارات على أساس أنه مختبر واقعي للحوار والعيش المشترك وما سماه الفاتيكان البلد – الرسالة.

 

لم يتراجع وهو يسمع يومياً من يسأله: كيف ذلك، ونحن في هذا الوضع المزري؟ كان يؤمن بأن تشاؤم العقل لا ينتصر عليه الا تفاؤل الارادة حسب غرامشي. وكان يطبق قول جيفرسون: الرؤية هي معرفة ما عليك فعله، والحكمة هي معرفة كيف تفعله، والفضيلة هي أن تفعله. وهو امتلك الرؤية، وأدرك الحكمة، ومارس الفضيلة. فلا شيء يضاهي ثقافته الواسعة سوى نبله. ولا نبله سوى قدرته على الحوار والعمل من أجل لبنان بجناحيه المقيم والمغترب.

لكن لبنان الذي رحل عنه فؤاد الترك ليس لبنان الذي عمل له. فهو في انحدار مخيف. الاستثناء هو أن نجد من يعمل عند رب عمل واحد هو لبنان. والقاعدة ان لبنان موظف عند أكثر من رب عمل. موظف عند أصحاب الطوائف والمذاهب. وموظف عند الدول التي تملك المال أو القوة. لا رؤية للأخطار التي تهدده. لا حكمة لمواجهة الأخطار. ولا فضيلة حتى للعمل على وقف الانحدار. كل طرف يبحث عن خطر خارجي أو داخلي ليوظفه في الاستقواء على الطرف الآخر. وكل فرصة أمامنا نجد من يسارع الى اغلاق نافذتها المفتوحة وقطع الطرق عليها.

فؤاد الترك قام بالسفرة الأخيرة للسفير. أهل المواهب في حزن عميق. وأهل المذاهب يكملون الإجهاز على لبنان.

 

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.