العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2A

Ad Zone 2A

بابا الفقراء على رأس كنيسة غنية: ماذا يغير في ديكتاتورية رأس المال وأمراء الكنيسة؟

Ad Zone 4B

السؤال المقلق عن مصير المسيحيين في الشرق هو ايضاً سؤال عن مصير المسلمين وكل أبناء الديانات، فهم جميعاً يواجهون تحدي ان يصبحوا مواطنين يصفون التنمية البشرية قبل الهوية، ويتخلصون من تسلط الأنظمة الاستبدادية والمنظمات الظلامية التي عدوها هو الانسان وبالتالي الآخر، ولا مستقبل لهم تكتمل فيه شروط الحياة الانسانية من دون اقامة دول ينطبق عليها قول ارسطو قبل اربعة آلاف سنة ان الدولة جماعة مواطنين عاقلين احرار، لا جماعة مؤمنين، ولا حاضر ان لم يقفوا في وجوه الذين يحاولون اخذهم الى الوراء بالعنف الأعمى والجهل، والحرب على كل ما انتجته البشرية من ثقافة وحضارة وعلوم.

ومن اهم الأحداث بالمعنى الانساني، في العام الذي يرحل برحيل نلسون مانديلا وصعود البابا فرنسيس، وكلاهما يمثل النموذج المختلق عن الأنواع السائدة على مدى العصور، مانديلا رجل التسامح والعقل هو المثال المعاكس للثوار والرؤساء، والبابا فرنسيس رجل الحكمة والرحمة هو المثال المعاكس لرجال الدين في المراتب العليا. وليس امراً بلا دلالات في هذا العالم القاسي المملوء بالظلم والجشع والغنى والاستعلاء على حساب الفقراء والبسطاء ان تختار مجلة تايم البابا فرنسيس ليكون شخصية العام، لا لأنه أول بابا غير أوروبي منذ ١٢٠٠ سنة، بل لأنه بابا الفقراء على رأس كنيسة غنية يريد تغييرها.
فهو ليس غريباً في اورشليم الأوروبية لكونه سليل أسرة ارجنتينية من اصول ايطالية. والأرجنتينيون حسب القول الشافع طليان مزروعون في ارض لاتينية يتكلمون الاسبانية ويعيشون كفرنسيين ويتمنون ان يكونوا انكليزاً لكن نسمة جديدة تهب من فوق لتغيير حياة الذين هم تحت.

ذلك ان سلطة الألماني البابا المستقيل بنديكتوس السادس عشر كان مهجوساً بمحاربة ديكتاتورية النسبية اي العلمانية التي ترى ان الحقائق ليست مطلقة كما تصر الكنيسة، وكان مثل سلفه البابا البولوني الراحل يوحنا بولس الثاني قليل الانتقاد للنظام الرأسمالي بسبب التجارب الصعبة مع النظام الشيوعي. اما البابا فرنسيس، فان هاجسه هو رفض ديكتاتورية الرأسمال، اي ديكتاتورية نظام بلا وجه يفتقر الى اي هدف انساني حقيقي. وهذا ما جعل اليمين الكاثوليكي يتهمه بالشيوعية، مع ان اقصى ما يريده هو العدالة

للفقراء. وهو يرفض ايضاً ادّعاءات المعرفة الشاملة بكل شيء، سواء لدى الحكّام او المحكومين بالقول: اذا كان لدى شخص اجوبة عن كل الاسئلة، فان هذا برهان على ان الله ليس معه. فلا احد يعرف كل الاجوبة. ولا شيء يوحي ان البابا فرنسيس يريد تغيير مبادىء الكنيسة، لكن كل شيء يشير الى انه يسعى لتغييرالاسلوب. فما يشغله هو نقل الكنيسة من الكاتدرائية والقصر الى الحديقة المفتوحة والشارع الحي وإلاّ فقدت الكنيسة نفسها. وما يقدمه في سلوكه اليومي بالتواضع هو درس مهم للكرادلة والبطاركة والاساقفة الذين يعيشون مثل الأمراء الاغنياء. ألم يحتفل بعيد ميلاده مع اربعة من المشردين الفقراء؟ ألم يرفض العيش وحيداً ويصرّ على الاقامة في فندق الفاتيكان حيث ينزل الكرادلة والاساقفة والكهنة؟

والسؤال هو: الى اي حدّ يستطيع البابا فرنسيس إحداث تغيير في الكنيسة وفي سلوك أمرائها؟ وما الذي يستطيع تغييره في العالم لمصلحة الفقراء والمهمّشين والمرأة؟ ففي الفاتيكان مراكز قوى ونفوذ يصعب هزّها قبل زحزحتها عن المواقع. وفي الكنيسة الغنية عموماً أمراء يمارسون في الحياة سلوكاً يناقض المواعظ التي يقدمونها في القداديس. وفي الدول مسؤولون أسرى إغراء السلطة والمال، وأخر همومهم الالتفات الى الفقراء وضمان العدالة الاجتماعية والمساواة في الفرص. وليس من السهل على البابا فرنسيس ان يغلب الاستكبار بالتواضع، وان يعمم التمرد على الدوغما بالواقعية والبساطة. ولا بالطبع ان يغير نظام الكنيسة ويهزّ ديكتاتورية رأس المال. لكن الواضح، حتى الآن، ان من الصعب على العالم القاسي والكنيسة الارستقراطية احداث تغيير في طبيعة البابا فرنسيس وطبعه ودفعه الى الاستسلام. فهو صلب بمقدار ما يمارس التواضع، وهو حريص على الشفافية بمقدار ما يحرص على اعطاء الاولوية للقضايا الاساسية في حياة الناس بدل التركيز على مواضيع الاجهاض والحياة الخاصة.

وليس أهمّ من تركيز البابا فرنسيس على مصير المسيحيين في الشرق سوى انشغاله بجوهر المسيحية في الغرب، والعمل اليومي من اجل مصير الانسان في كل مكان.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.