العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

بدأت حركة ثورية ضد الاستعمار منذ 8 قرون، ثم تحوّلت إلى عصاباتٍ مرعبة.. قصة المافيا الإيطالية وتاريخها

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

على مرّ سنين، أكثر من قرن، أثارت المافيا الإيطالية الرعب والإثارة معاً في قلوب الناس، بسبب خطورتها وقسوة أعمالها التي تتسم بالعنف والدموية، في سبيل الحصول على المزيد من المال والقوة والنفوذ.

لكنّ الغريب أنَّ المافيا قد اكتسبت في وقتٍ من الأوقات شعبيةً وتعاطفاً من الجمهور، نظراً لكثافة الأعمال التي أنتِجَت حول المافيا من أفلامٍ وروايات، والتي قام نجوم السينما المحبوبون بتجسيد أبطالها، حتى باتت كلمة “مافيا” لها وقعٌ ألطف بين الناس.

إعلان Zone 4

تُعبِّر كلمة “مافيا” عن مصطلحٍ يستخدم لوصف “عصابات الجريمة المنظمة”، التي تتحالف فيما بينها وفق بنيةٍ تنظيميةٍ مشتركة وقواعد سلوكية موحدة، بهدف جمع المال والربح بطرق غير قانونية، والتلاعب بالنشاط الاقتصادي المحلي أو الإقليمي أو الدولي.

تعتمد المافيا غالباً في عملها على مبدأ “الحماية” بالابتزاز، أي جمع الأموال من أشخاص أو مؤسسات معيَّنة مقابل الحماية باستخدام طرق الترهيب العنيف، إضافة إلى ممارستها للأنشطة الأخرى الخاصة بالاتجار بالمخدرات والسلاح والقروض بفوائد مرتفعة والتزوير.

وقد التصق المصطلح أكثر بعصابات المافيا الصقليّة، التي سمّت نفسها فيما بعد بـ”كوزا نوسترا”. وإن أصبحت التسمية فيما بعد تشمل غيرها من المنظمات المماثلة، مثل “المافيا الروسية” أو “المافيا اليابانية”، وتستعمل الصحافة والجمهور هذا المصطلح بشكل غير رسمي.

جذور المافيا.. ثورة إيطالية على الحكم الفرنسي
بدأت جذور المافيا في جزيرة صقلية الإيطالية التي تقع في البحر الأبيض المتوسط، بين منطقتي شمال إفريقيا وجنوب إيطاليا، وقد اختلفت روايات المؤرخين حول السَّبَب المباشر الذي أدَّى إلى تشكيل المافيا في تلك الجزيرة.

تعتبر الرواية الأولى أنّ جزيرة صقلية قد خضعت على مدى تاريخها الطويل لحكم الكثير من الأجانب الذين تعاقبوا على حكمها، سواءٌ كانوا من الفينيقيين أو الرومان أو المسلمين أو الفرنسيين أو الإسبان، ولذلك اعتاد سكان الجزيرة منذ زمنٍ بعيد على تشكيل مجموعاتٍ لحماية أنفسهم من القوات الأجنبية التي كثيراً ما تكون معادية.

أصبحت هذه المجموعات تُعرف باسم “العشائر” أو الأُسر، التي عملت على تطوير نظامٍ خاصٍ بها، وتقوم بتنفيذ أعمالها بالخفاء، ومن هنا بدأت المافيا.

أما الرواية الثانية، وهي الأكثر شيوعاً، فتقول إنه في أواخر القرن الثالث عشر كانت الجزيرة تحت حكم الفرنسيين. وقد تكوَّنت منظمة سرية بين العائلات الصقلية لمكافحة الغازي الفرنسي الذي كان يحكم الجزيرة بالحديد والنار.

كان شعارها Morte alla Francia Italia anelia، وتعنى “موت الفرنسيين هو صرخة إيطاليا”، ومن هنا جاء اسم المنظمة MAFIA من الحروف الأولى من كلمات الشعار.

استطاعت هذه المنظمة أن تقود الجزيرة إلى تمردٍ وثورة عنيفة ضد الفرنسيين عام 1282، وفقاً لكتاب “السلوك الاجتماعي في الجماعات غير المنظمة” لدكتور مأمون طربية.

وقد حضّرت المنظمة لهذه الثورة طيلة أسابيع بسريةٍ تامة، واستطاعت الحصول على مساعدة من الإسبان، إلى أن جاء الموعد المحدد في 30 مارس/آذار 1282، واندلعت ثورةٌ كبيرة سُميت بـ”صلاة الغروب الصقلية” ضد الفرنسيين، وقَتل أهالي صقلية عدداً كبيراً من الفرنسيين على جزيرتهم.

يقال إنّ عدد القتلى الفرنسيين وصل 13 ألف رجل وامرأة.

فقد الفرنسيون السيطرة على الجزيرة، ولم تنتهِ هذه الثورة إلا بعد توقيع “صلح كالتا بيلوتا” بين فرنسا ومملكة أرغون الإسبانية عام 1302، الذي شهد تنصيب الأمير الإسباني فريدريك الثالث، ملكاً على صقلية.

وفقاً لنفس الكتاب، فهناك رواية أخرى تقول إنّ النشأة الأولى للمافيا جاءت تكليلاً للتمرُّد والعصيان الذي ظهر بصقلية، عقب قيام أحد الغزاة الفرنسيين بخطف فتاةٍ ليلة زفافها عام 1282، ما أشعل نيران الانتقام في صدور الإيطاليين.

قتل الثوار الإيطاليون عدداً كبيراً من الجنود الفرنسيين انتقاماً لشرفهم، وردد الإيطاليون شعار المافيا في هذا اليوم، وكان هو ما تصرخ به أمُّ الفتاة المخطوفة وهي تبكي في الشوارع وتبحث عن ابنتها وتقول “ma ffia ..ma ffia” أي “ابنتي.. ابنتي”.

خريطة الجمهوريات الإيطالية القديمة.. وفي أسفلها جزيرة صقلية

بينما يقول بعض علماء اللغة إنّ لفظ “مافيا” يعود لجذورٍ لغوية عربية-صقلية، مثل كلمة “مَحفَل” أي مكان الالتقاء، أو “مهياص” وجذرها هيص (هاص الشيء أي مارس العنف عليه)، وذلك كون اللغة الصقلية فيها الكثير من الكلمات العربية التي دخلت إليها، تحت حكم المسلمين للجزيرة نحو قرنين ونصف القرن من الزمان من عام 827 حتى عام 1091، ومنهم من يعتقد أن الكلمة كانت في الأساس اسماً لإحدى القبائل العربية التي توطنت في صقلية.

ووفقاً للمؤلف الأمريكي سيلوين راب، المختصّ في قضايا المافيا، في كتابه “خمس عائلات: صعود وتراجع وعودة أقوى إمبراطوريات المافيا في أمريكا”، فإنّ مصطلح “مافيا” و”مافيوز” جاء من تعبيرٍ عاميّ من صقلية العربية، يعني “التصرُّف كحامٍ ضد غطرسة الأقوياء”، وأشار راب إلى أنه حتى القرن التاسع عشر، لم تُشر كلمة “مافيوزو” إلى شخصٍ مجرم، بل إلى شخصٍ يُشكِّك في السلطة المركزية.

وتشير أغلب المصادر أن المافيا ظهرت في نهاية القرن الثالث عشر في جزيرة صقلية، وكانت حركة نضالية ضد الحكم الفرنسي للجزيرة، الذي استطاعوا التخلص منه بمساعدة الإسبان، ليحل محله الحكم الإسباني، وأصبحت أُسر المافيا تشكل أهم طبقة في المجتمع الصقلي.

عائلات صقلية من الثورة إلى المافيا
في فترة الحكم الإسباني للجزيرة، كانت الجزيرة -مثل باقي أوروبا- تقبع تحت حكم النظام الإقطاعي الذي يقوم على السيطرة على الأراضي الزراعية، وهنا أصبح أعضاء المافيا من العائلات الصقلية يعملون على حماية أراضي ملَّاكها الغائبين وممتلكاتهم، ومتابعة الأعمال مع الفلاحين لضمان حق المالك، مقابل الحصول على عوائد مادية.

ظلّ أعضاء المافيا يعملون في حماية ممتلكات الإقطاعيين في صقلية، حتى وجدوا أنهم بحاجة إلى تطوير عملهم وأخذ شكل أكثر تنظيماً، فتكوّنت أول فرق المافيا بالشكل الذي نعرفه في القرن السابع عشر، وهي فرقة “جزيرة صقلية” التي تضم أعضاء من العشائر الصقلِّية، وقد تكونت تلك الفرقة لتعمل سرياً لمعارضة حكام الجزيرة الإسبان، والانقلاب على ملاك الأراضي الذين يعملون لحسابهم.

وخلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، عمل أعضاء هذه الفرقة على تشكيل جيشهم الخاص، لتزداد قوتهم التي جعلت منهم قادرين على ممارسة الابتزاز والمساومة مع أصحاب النفوذ والأملاك، وبالفعل أصبحوا أقوياء لدرجة أنهم انقلبوا على ملاك الأراضي وابتزّوهم في ممتلكاتهم من أجل الحصول على مبالغ مالية كبيرة مقابل حماية ممتلكاتهم ومحاصيلهم الزراعية، وإلا سيتم حرق ومصادرة هذه الممتلكات.

استغلّت المافيا الأحداث والخلافات الكثيرة التي حدثت في الجزيرة وفي أوروبا في بداية القرن الثامن عشر، خصوصاً فترة الحروب النابليونية. دمجت نابولي وصقلية تحت اسم مملكة الصقليّتين تحت حكم آل البوربون الفرنسيين عام 1816.

نظّم أهالي صقلية حركاتٍ ثورية استمرت بين عامي 1820 و1848 ضد حكومة آل بوربون خلال سعي صقلية للاستقلال، واستطاعوا نيل استقلالهم لفترةٍ قصيرة إلى أن عاد آل بوربون وحكموا الجزيرة مرة أخرى حتى عام 1861، وفي هذه الفترات عملت المافيا على الحفاظ على قوتها والتركيز على حماية ممتلكات الإقطاعيين من أجل الحصول على المزيد من المال، عن طريق سياسة التأقلم مع كل وضع جديد يطرأ على الجزيرة، والتعاون مع أي جهة حاكمة وفق مبدأ “المصالح المشتركة”.

المافيا.. قوة اقتصادية وسياسية واجتماعية
غدت المافيا قوةً اقتصادية وسياسية واجتماعية تسيطر على غرب صقلية، وقد كانت المافيا في هذا الوقت تعمل على حماية منطقة باليرمو وما حولها، من مزارع الليمون والبرتقال، وتضم بين أعضائها أفراداً من الطبقة الأرستقراطية الحاكمة.

ومع ضمّ مملكة إيطاليا صقلية لها ضمن حملة توحيد إيطاليا عام 1861، سادت الفوضى والجريمة في جميع أنحاء الجزيرة، ولم تستطع الحكومة الإيطالية الوليدة فرض سيطرتها على الجزيرة، فوجدت نفسها أمام خيارٍ وحيد، ألا وهو اللجوء للمافيا.

وفي أواخر القرن التاسع عشر، طلب المسؤولون الإيطاليون من المافيا الصقلية مساعدتهم على بسط سيطرتهم على الجزيرة من خلال ملاحقة العصابات الإجرامية المستقلّة عن المافيا، مقابل أن تسمح الحكومة للمافيا بالاستمرار في أعمال حماية الأراضي حسب ما يرونه مناسباً.

جزيرة صقلية

وبحسب كتاب سيلوين راب فقد كانت الحكومة تعتقد أن هذا الترتيب سيكون مؤقتاً إلى أن تستطيع روما السيطرة على الجزيرة تماماً، ومن ثم تستطيع القضاء على المافيا، لكنّ المافيا التي كانت لديها الخبرة الكافية لتدرك نوايا الحكومة الخفيَّة؛ عملت على توسيع أنشطتها الإجرامية إلى ما هو أبعد من العمل بحماية الأراضي فقط، بل أصبح لها نفوذها السياسي والاقتصادي داخل الحكومة نفسها.

وذلك من خلال العمل مع السياسيين في أعمالٍ غير قانونية من أجل توريطهم ومن ثم ابتزازهم، فضلاً عن طريقة ترهيب الناس التي كانوا يتبعونها إما من أجل الحصول على المزيد من الأراضي، أو من أجل أن ينتخب الناس مرشحين سياسيين موالين للمافيا.

كما أدركت المافيا أهمية السيطرة على رجال الدين، حتى لا تستطيع الكنيسة تكفيرهم وتحريض الناس أو الحكومة ضدها، ولذلك عملوا مع الكنيسة الكاثوليكية التي اعتمدت على المافيا لمراقبة ممتلكاتها الضخمة في صقلية والحفاظ على المزارعين المستأجرين في صفها، وذلك يعني أن الكنيسة تورطت مع المافيا في تلك الفترة.

اتسعت نشاطات المافيا وتحولت إلى مجتمعٍ قائم على الجريمة لا يحترم أي شكل من أشكال السلطة، كما نقلت أنشطتها من الريف إلى المدن، مع إبقاء المناطق الريفية تحت تصرُّفها، ووجدت آفاقاً أرحب في تطوير حركتها الاقتصادية لتجني الأرباح من أسواق باليرمو الداخلية وعبر تهريب المخدرات إلى خارجها.

ومنذ ذلك الحين، تنوعت أنشطة جماعات المافيا، وشملت إدارة مصانع ومطاعم ومتاجر وشركات تأمين ومصارف وفنادق ومقاهٍ كواجهة لأنشطة مربحة غير مشروعة في مجالات القمار وتهريب الخمور والمخدرات والدعارة والإقراض الربوي والابتزاز والاحتيال وسرقة السيارات، فضلاً عن الخطف والقتل.

وبذلك، أصبحت المافيا الصقلية، التي أطلقت على نفسها اسم كوزا نوسترا (أي الشيء أو الأمر الخاص بنا في القرن التاسع عشر) هي المسيطر الفعلي والحقيقي على جزيرة صقلية، علاوةً على نفوذها في سياسة روما الداخلية، الأمر الذي أكسبها شعبية كبيرة لدى أهالي الجزيرة الذين أرادوا الانضمام إليها بالآلاف، وهذا تماماً ما كانت تريده المافيا، ولكن الأمر ليس بهذه البساطة التي يعتقدها الناس، وذلك لأن الانضمام له شروط، أهمها القبول والالتزام التام بما يسميه أعضاء المافيا “omertà” أي “ميثاق الشرف”. 

ميثاق الشرف.. سر بقاء المافيا قروناً من الزمن
يعود السبب الحقيقي وراء نجاة المافيا في صقلية عبر تاريخها الطويل الذي شهد احتلال الكثير من الدول الأجنبية لها إلى القانون والميثاق الذي أسسوه منذ زمنٍ بعيد، والذي يُعبر عن مفهوم “العدالة” من وجهة نظر المافيا، الذي يحميها من مساءلة القانون أو التسللات الخارجية.

يستند هذا القانون على أن يتصرف الأعضاء بشرفٍ وولاءٍ تام لعشائرهم، وأن يلتزموا السرية والصمت التامَّين، وعدم تقديم أي معلومة إلى السلطات القانونية أو إلى أي جهةٍ أخرى، تحت أي ظرفٍ من الظروف، من شأنها كشف الجرائم المرتكبة ضد الشخص نفسه أو ضد الآخرين، والذين يخالفون هذا العهد يعرّضون إلى عقوبات متعددة، وكان الحق في الانتقام بسبب الأخطاء حقاً محفوظاً للضحايا وأسرهم.

وتمثل العائلة نواة المافيا؛ إذ تتكوّن المافيا من عدة عائلات تجمعها رابطة الدم أو الزواج، وأحياناً الصداقة، ويشكِّل رؤساء العائلات الأقوى لجنة وظيفتها الرئيسية هي القضاء. وهي عبارة عن عصابة، ويكون زعيم العائلة هو أقوى أفرادها وأكثرهم قدرة على الإدارة والقيادة ويُسمى “رئيس” أو “دون”.

تنقسم السلطة -عادةً- داخل العائلة إلى 6 مراتب، لا يصل إليها إلا الإيطاليون، وبالترتيب هي: الرئيس، وهو رأس العائلة، ومن ثم المساعد وهو الرجل الثاني في العائلة، والثالث هو المستشار الذي يعمل على حل نزاعات العائلة، وجعل وضعها قانونياً قدر الإمكان، والرابع هو الكابتن (كابو) الذي يدير مجموعة من الأعضاء، والخامس هو الجندي، والأخير هو المساعد الخارجي الذي يقوم بمهامٍ محدودة.

انتقال المافيا من صقلية إلى أمريكا
استمرت المافيا في تنمية قوتها في إيطاليا، إلى أن وصل بينيتو موسوليني إلى حكم إيطاليا ما بين 1922-1943، والذي شنَّ حملةً وحشية على رجال المافيا، الذين اعتبرهم تهديداً لنظامه الفاشي، وتمكن من حبس الكثير من زعمائها وكاد أن ينهيها تماماً.

استطاع الكثير من أعضاء المافيا الهرب إلى أمريكا، وكان من بينهم جوزيف بونانو وشهرته جو باناناز، الذي سيطر على فرع المافيا الجديد في أمريكا.

وبالفعل نمت المافيا في أمريكا في بدايات القرن العشرين بعد هجرة الصقليين لها، وأصبح الأمريكيون الذين ينحدرون من أصل إيطالي يسيطرون على كل الجرائم المنظمة في أمريكا تقريباً.

انطلقت المافيا في أمريكا بعدما سيطرت على مدينة نيويورك، وتوسَّعت إلى أن أصبحت المافيا تشكل 26 أسرة عبر الولايات المتحدة كلها، بما فيها المركز الرئيسي في نيويورك.

لكنّها تقلصت لاحقاً إلى 5 عائلات فقط، بسبب حروب العصابات بينها، أصبحت تلك العائلات هي المسيطرة على النشاط الإجرامي بنيويورك، بشكلٍ يحاكي ما كانوا يقومون به في صقلية، من خلال القوانين والهيكل التنظيمي ذاته.

وبحلول أوائل الثلاثينيات من القرن العشرين، انتزعت المافيا الإيطالية في أمريكا السيطرة على مختلف الأنشطة غير القانونية من عصاباتٍ متنافسة من الأيرلنديين واليهود وغيرهم. وشرعوا بعد صراعٍ دمويّ على مستوى البلاد في 1930-1931 في تنظيم أنفسهم كما كانوا في تحالف عصابة كوزا نوسترا الذي كان في صقلية، الذين أصبح لهم نفوذ سياسي ومشروعات اقتصادية ضخمة مشروعة، وحاولت الحكومة تقليص نفوذ المافيا، إلا أنها لم تستطع بسبب تورطها معها.

دور المافيا في اجتياح الحلفاء لإيطاليا
على الرغم من العداء الشديد بين الحكومة الأمريكة وعصابات المافيا الإيطالية على أراضيها، فإنّها وجدت نفسها مضطرة للتعامل مع المافيا الأمريكية-الإيطالية خلال اجتياح إيطاليا وصقلية في الحرب العالمية الثانية عام 1943، فقد أمدّ أحد زعماء المافيا واسمه لاكي لوتشيانو مع أعضاء آخرين في المافيا الذين اعتقلوا خلال هذا الوقت أمريكا بمعلوماتٍ مهمّة للاستخبارات، والذين استخدموا نفوذ لوتشيانو لتسهيل الطريق أمام القوات الأمريكية المتقدمة.

وبحسب كتاب المؤرخ الأمريكي ألفرد. و. ماكوي “سياسة الهيروين في جنوب شرق آسيا”، فقد سُمِحَ للوتشيانو بإدارة شبكته من زنزانته، ثمّ الإفراج عنه لاحقاً وعن عدد من أعضاء المافيا وترحيلهم إلى إيطاليا، إضافة لإطلاق سراح أعضاء المافيا الذين حبسهم النظام الفاشي، حيث استكمل نشاطاته هناك.

وشرع هؤلاء الرجال في إحياء المنظمة، والعمل من جديد في نشاطها السابق في إيطاليا، وعلى مدى العقود القليلة التالية، ازدهرت المافيا الصقلية من جديد ووسعت إمبراطوريتها الإجرامية وأصبحت بحلول السبعينات لاعباً رئيسياً في الاتجار الدولي بالمخدرات وتهريب الأموال وتبييضها على مستوى العالم.

ولكن الأرباح الهائلة التي حصلت عليها المافيا الإيطالية، أثارت منافسة شرسة بين مختلف العائلات داخل المافيا، وأدت إلى انتشار جرائم القتل تحت ما يُعرف بـ”التصفية الداخلية بين عصابات المافيا”، كما طالت هذه الخلافات والجرائم عائلات المافيا في أمريكا، وكان ذلك بمثابة بداية النهاية لها.

بداية النهاية للمافيا الإيطالية والأمريكية
نتيجة لحالة الفلتان الأمني الذي حدث في المجتمع الإيطالي، شنّت الحكومة حملة شرسة ضد رجال المافيا على جميع المستويات.

وفي عام 1987 أدين 338 شخصاً من المافيا الصقلية بتهمٍ مختلفة، لذلك قررت كوزا نوسترا أن تخوض حرباً ضد الدولة الإيطالية عندما تولى سلفاتوري توتو ريينا قيادتها، فقد اغتال أتباعه عام 1992 القاضي جيوفاني فالكون وزوجته وثلاثة من حراسه خارج باليرمو، عن طريق زرع عبوة ناسفة (400 كغم من المتفجرات) في أنبوب صرف مياه المطر تحت الطريق السريع.

بعدها بشهرين اغتالت المافيا المحقق باولو بورسيلينو الذي تولى قضيتهم، وخمسة من حراسه خارج باليرمو عبر تفجير سيارةٍ مفخخة، وفي إثر ذلك اعتقل سلفاتوري ريينا وحبس في عام 1992، وبقي في السجن إلى أن توفي عام 2017.

تضاءَلَ وجود المافيا الإيطالية في فترة التسعينيات وبداية الألفينيات إلى أن ساد الاعتقاد بأنها انتهت تماماً من الوجود، إلا أنَّ المدعي العام الإيطالي أعلن خلال مؤتمر صحفي في عام 2018، أن كوزا نوسترا قد عادت إلى العمل وفق القواعد الراسخة والتقليدية لعملها.

كما كشف تقرير في صحيفة “الجمهورية La Repubblica” الإيطالية في عام 2017، أن السلطات الإيطالية تحقق في تعاون محتمل بين المافيا وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، في بيع النفط من المناطق التي يسيطر عليها التنظيم.

أما في أمريكا، فلم يكن الحال أفضل للمافيا. بحلول أواخر التسعينات بدا أن دور المافيا آخذ في التضاؤل، بعدما كرست الحكومة جهودها في استخدام قوانين صارمة لمكافحة الابتزاز لإدانة رجال المافيا رفيعي المستوى، واستغلت حدوث الانشقاقات والنزاعات الداخلية الحادثة بين الأعضاء، كما قامت بعزل المجتمع الإيطالي عن باقي المجتمع الأمريكي، وقامت بتحشيد الرأي العام الأمريكي ضدهم.

ومع هذا التشديد، وحملة الاعتقلات الضخمة التي نفذتها الحكومة، بدأ بعض أعضاء المافيا في خرق ميثاق الشرف لأول مرة في تاريخ المافيا الطويل، وشهدوا ضد زملائهم، من أجل تجنُّب عقوبات السجن الطويلة.

ولكن خلال السنوات القليلة الماضية تبيّن أنه لم يتم القضاء على المافيا تماماً في أمريكا، إذ تشير بعض التقارير الأمريكية إلى أنهم ما زالوا يعملون في بعض الأعمال التجارية اليوم، خصوصاً في شيكاغو ونيويورك.

وبحسب تقريرٍ صدر عن مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي يقدر عدد أعضاء كوسا نوسترا وثلاث جماعات للمافيا الإيطالية الرئيسية الأخرى -كامورا واندرانغيتا وساكرا كورونا يونيتا- بحوالي 250 ألف عضو في جميع أنحاء العالم.

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.