العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

الفيروس اللبناني وإعادة اكتشاف “الواقع”

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

أصدر الفيلسوف الفرنسي ميشال أونفري كتاباً بعنوان: انتقام “البانغولين” – التفكّر في الفيروس. Vengeance du pangolin –penser le virus. ينطلق الكتاب من فكرة أنّ الفيروس كان بمثابة الكاشف “révélateur” لأعطاب واختلالات المجتمع والحكم في فرنسا. فضلاً عن تناول الكاتب ارتدادات الجائحة على الحياة الشخصية للبشر الذين اكتشفوا “الواقع” بفعل الحجر المنزلي وتبدّل أنماط الحياة، فالزوج اكتشف زوجته، والعكس، والأهل اكتشفوا أولادهم، والعكس. كما فكّر عادت الطبيعة وقوانينها لتشكّل إحدى موضوعات التفكّر الرئيسية.

 

تبصّر أونفري في الفيروس وتبعاته الاجتماعية والسياسية العديدة ينطق كثيراً على لبنان، لا من حيث المقارنة مع الواقع السياسي والاجتماعي في فرنسا، بل لناحية اعتبار الفيروس كاشفاً أو مظهّراً إضافياً لاختلالات الدولة والمجتمع. إذ أضاء تطوّر الحالة الوبائية في الأسابيع الأخيرة على عدم كفاءة السلطة وأجهزتها في التعامل مع الأزمة الصحية حتّى أصبحت نسب الإصابات والوفيات في لبنان من بين الأعلى عالمياً، فلا مواقيت الإقفال العام كانت مقنعة، ولا الاستثناءات منه خصوصاً في فترة الأعياد اعتمدت معايير علمية. والأدهى من ذلك أنّ الاستعدادت الاستشفائية والطبية التي وعدت الدولة والقطاع الخاص بها بدت هشّة جدّاً عند أوّل استحقاق جدّي.

 

إعلان Zone 4

فلبنان الذي كان يوصف بأنّه مستشفى العرب لم تستطع مستشفياته الخاصة والحكومية تأمين أسرّة وأجهزة تنفس اصطناعي لجميع المرضى الذين احتاجوا اليها. وهذا حصل في بلدان أخرى أغنى من لبنان وأكثر تطوراً كإيطاليا مثلاً، لكن الفرق أنّ في لبنان كان هناك نقص فادح في الشفافية لا على مستوى السلطة والدولة وحسب بل على مستوى القطاع الصحّي الخاص، “الربحيّ”، فضلاً عن المختبرات الصحية وشركات التأمين الصحّي التي دارت شبهات كثيرة حول آليات عملها في ظلّ الأزمة.

 

إذاً كشف الفيروس ترابط المصالح العميق بين القطاع الصحّي الخاص وبين السلطة/ الدولة في انفضاح جديد لكنه خطير هذه المرّة للبنى الاجتماعية/ السياسية في لبنان، والتي تقوم أساساً على شبكة مصالح أخطبوطية تؤمن مصالح فئات على حساب عموم المجتمع، وتخلق أوهاماً عن نفسها لا تلبث أن تنكشف عند أوّل أزمة حقيقية. فالمحنة الصحية فضحت فشل الدولة والمستشفيات الخاصة معاً فضلاً عن فضحها التواطؤ التاريخي بين الجهتين، فوجد المواطن نفسه متروكاً من الدولة المنهارة، ورهينة انتقائية ومواربة المستشفيات الخاصة التي وسم سلوكها منذ تفشّي الوباء بعدم الشفافية وبالإخلال بالمسؤولية الأخلاقية والمهنية، حتّى ولو كانت متأثرة بالأزمة المالية.

 

فمنذ بداية الجائحة طُرح سؤال رئيسي عن الجهة العلمية التي تملي القرارات الحكومية لمواكبة الأزمة الوبائية، إذ لم تظهر صورة للجنة طبيّة مجتمعة ومكّلفة من قبل الحكومة تقديم الاستشارات حول الأزمة وإدارتها. فالمتحدث باسم المجلس الدفاع الأعلى “ينهي” الحكومة لتقفل أسبوعاً أو اثنين، ووزير الداخلية يعلّل هذا الإجراء أو ذاك، والمستشارة الطبية لرئيس الحكومة تعطي توجيهاتها على شاشات التلفزيون وأحياناً يطلّ مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الطبية، من باب المنافسة أكثر منه من باب الضرورة العلمية. ونقابة الأطباء غائبة وتتصرف كما لو أنّها غير معنية في الضغط على السلطة لتصويب قراراتها على أساس الحد الأقصى من الإجماع العلمي. وكذلك الكليات الطبية في الجامعات الكبيرة لم تكلّف نفسها عناء التصرّف كمرجعية طبية تضغط على السلطة لاتخاذ الإجراءات المناسبة في التوقيت المناسب. تُرك الأمر للسياسة بالمعنى الضيّق جداً للكلمة، فكانت النتيجة كارثية على ما جرى في الأيام القليلة الماضية. وكما العادة لا محاسبة لأحد حتّى ولو كان ثمن اللامسؤولية حياة العديد من الناس.  

 

لذلك فإنّ الفيروس وبالرغم من ضراوته وفتكه بالناس فهو بمثابة المنبّه إلى خطورة العيش في ظلّ منظومة سياسية واجتماعية كتلك الموجودة في لبنان. على مدى سنوات كان الخطاب السياسي في لبنان مبنياً بشكل رئيسي على عنوان حقوق الطوائف في السلطة، وها هم اللبنانيون اليوم غير قادرين على تأمين سرير لمريض في مستشفيات طوائفهم. كذلك لا يكاد يمرّ أسبوع حتى يطّل الأمين العام لـ”حزب الله” ليؤكد ازدياد أعداد صواريخ حزبه وقوة معادلات الردع مع إسرائيل، وذلك في وقت يموت الناس لأنّهم لم يستحصلوا على سريرٍ في المستشفى أو على أنبوب أوكسيجين. فهل تعوّض القوة الصاروخية انهيار الدولة إلى حدود موت الناس لفقدان أبسط المعدّات الطبية؟!؟ إلّا إذا كان الحزب عينه مطمئناً إلى قدرته على تأمين حاجات مناصريه الاستشفائية من دون سائر اللبنانيين!

 

أمام واقع كهذا، هل يمكن اعتبار  الفيروس شرّاً مطلقاً ما دام يكشف حقيقة الارتدادات الخطيرة للبنى السياسية الاجتماعية في لبنان والتي انحرفت انحرافات مفرطة في لا أخلاقيتها طيلة السنوات الماضية، فباتت المصالح الخاصة والكسب السريع هي القيمة الأعلى. وانخرط الجميع، طبقة سياسية ومؤسسات دينية واستشفائية وتربوية إلخ (مع بعض الاستثناءات طبعاً) في المنظومة الجديدة من دون أي رادع إلى أن وصلنا إلى الوضع الكارثي الحالي بالتقاء الأزمتين المالية والصحية معاً… فإذا لم تتمّ في لحظة الأزمات الكبرى إعادة التفكير في طبيعة المنظومة الاجتماعية السياسية فمتى يحصل لك؟ هنا يتحوّل الفيروس فرصة لاكتشاف الواقع، فهل يتلقفها المجتمع؟!؟

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.