العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2B

نظام التفاهة اللبناني الفاسد… غير قابل للاستمرار

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

يعيش لبنان تحت ضغط جائحة كوفيد-19. الإدارة السياسية لم تحسن التعامل مع تداعيات الوباء ولا تمكنت من وضع خطط ناجعة لمكافحته. الدليل على ذلك أن النقاش اليوم مع ارتفاع أعداد الإصابات والوفيات بعد سنة على انتشار الفيروس وتفشيه المجتمعي هو حول كيفية تجهيز المستشفيات وزيادة عدد الأسرّة لعلاج المصابين، ولم تجد حكومة تصريف الأعمال والمجلس الأعلى للدفاع الذي يترأسه رئيس الجمهورية ميشال عون غير خيار الإقفال العام في انتظار وصول لقاحات كورونا. يتفشى الوباء فيما الخلاف السياسي والطائفي يتفاقم بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف سعد الحريري، وتتداخل فيه الحسابات المحلية والإقليمية، فينزلق البلد إلى مزيد من الانهيار المالي والاقتصادي والصحي، ولا يرف للتحالف الحاكم جفن، حتى بالتفكير في تشكيل الحكومة، قبل الإصلاحات والإنقاذ.
 
ربما نسي البعض أو تناسى أن البلد انزلق إلى الهاوية مع هذه الحكومة التي قدمت نفسها أنها مستقلة برئاسة حسان دياب أو تسعى للإنقاذ. الكارثة منذ انفجار مرفأ بيروت في 4 آب (أغسطس) ثم تفشي كورونا، وكل الممارسات السياسية والطائفية، كشفت أنها كانت تؤدي وظيفة لحسابات قوى أخرى. انتهت الحكومة التي تصرّف الأعمال وهي ليست ضحية للقوى التي رمت موبقاتها عليها كما وصفها رئيسها، وهي جزء من قوى في الطبقة السياسية حكمت البلد وقررت بشأنه ورهنته للخارج، ولا تقوى على الاعتراف أمام اللبنانيين بأنها أخذته إلى الهاوية.
 
اليوم لا يبدو أن أحداً في إمكانه الإقدام على أي إجراء جديد أو العمل على تشكيل حكومة، قبل اتضاح التوجهات الأميركية للإدارة الجديدة، بمن فيهم “حزب الله” المقرر في شؤون كثيرة في البلد، وهو الذي ينتظر ما ستؤول إليه التحالفات الجديدة في المنطقة وموقع إيران منها. لذا أرجأ تحركه للدفع نحو تشكيل الحكومة، كي لا يقال إنه يضغط على حليفه ميشال عون والتيار الوطني الحر برئاسة جبران باسيل. الأخيران لا يريدان سعد الحريري رئيساً للحكومة، فإذا برئيس الجمهورية اللبنانية يفرض شروطه استباقاً لأي تغييرات داخلية وخارجية، فيرفع السقف في موضوع الصلاحيات والقرار، ولا يتراجع حتى لو اتُّهم بأنه ينسف الصيغة اللبنانية كلها. 
 
يدل ذلك على أن استعصاءً يواجه تشكيل الحكومة، كسر كل التقاليد التي ميّزت الصيغة اللبنانية. فكل المساعي السابقة لتسهيل عملية التأليف أو إيجاد نقاط مشتركة بين رئيسي الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلف سعد الحريري باءت بالفشل. لم يجر أي اتصال بين عون والحريري منذ أكثر من شهر تقريباً، ومرّت ثلاثة شهور وأكثر على التكليف من دون أن يتقدم التشكيل قيد أنملة. لا مساعي لإصلاح العلاقة بين الرئيسين، وكأن الجميع ينتظر التطورات الخارجية لمعرفة التوجهات الأميركية الجديدة، بعدما كان الجميع ينتظر ما إذا كان الرئيس السابق دونالد ترامب سيفعل شيئاً قبل انتهاء ولايته. يجري الانتظار في ما إذا كانت التطورات الخارجية ستنعكس على الوضع الداخلي، أو ربما تكليف راعٍ إقليمي يأخذ أمور البلد في اتجاه معين، بعدما سقطت المبادرة الفرنسية في وحول التركيبة اللبنانية واستعصاءاتها، إلى حد أن الفرنسيين لم يعودوا مهتمين بالضغط أو التحذير من فرض عقوبات بعدما يئسوا من الوضع الصعب والمستحيل وإمكان إخراج البلد من أزمته. فيما لبنان لا يساعد نفسه، لا بل إن المسؤولين وأركان الطبقة السياسية يحجزون البلد لمصالحهم ولا يقدمون على تحريره من الوصايات، وياخذونه إلى المجهول مع هذا الفراغ القاتل في السلطات.
 
لا تسوية قريبة للشأن الحكومي في لبنان حتى لو بُذلت مساع جديدة لتقريب وجهات النظر، ما دامت المشكلة ليست فقط حكومية لناحية الحقائب والأسماء والثلث المعطل والقرار، بل تتعلق بالنظام وبتركيبته وبالرهانات الخارجية القاتلة. الجمود يلف البلد الى أجل غير مسمى، في الوقت الذي يأخذ الانهيار كل شيء. وفي هذا المسار يخسر لبنان كل تاريخه، إذ تثبت الوقائع أنه لم يمر على البلد مرحلة سيئة كالتي يشهدها اليوم في ظل العهد الرافض لأي تسويات من موقعه كمرجعية للدولة. الخطر الحقيقي أن الصيغة اللبنانية المعروفة والقائمة على التسويات باتت على شفير الانكسار في ظل العهد، كما انكسرت معها التسوية التي جاءت بالرئيس ميشال عون رئيساً للجمهورية عام 2016. وهذا الانكسار فتح مرحلة جديدة في البلد تقوم على تجاوز الصيغة والتركيبة بالأمر الواقع، ففي كل المراحل التي عاشها لبنان، كانت التسويات تحل المشكلات وإن كانت الوصايات الخارجية تتدخل لترتيبها، حتى مع الوصاية السورية قبل عام 2005. 
 
ركن أساسي من الصيغة ضُرب في العمق. فالمرجعية التي تستطيع أن تطلق مبادرات تسووية أي رئاسة الجمهورية، لا تتصرف كمرجع وحكم بين اللبنانيين بل تقدم نفسها طرفاً سياسياً يريد حصة للتحكم بالقرار، وهو ما يحصل اليوم، أو حتى منذ وصول الرئيس ميشال عون إلى قصر بعبدا. تغيّرت الصيغة التي تحكم لبنان منذ ذلك الوقت. فرض انتخاب عون رئيساً تقاليد جديدة، إذ إنه كان مرشحاً وحيداً بفعل الأمر الواقع، حين تم تجميد البلد وإحداث الفراغ لمدة سنتين بين 2014 و2016 لمجيء عون إلى سدة الحكم. أما الجانب الثاني الذي غيّر الصيغة ونسفها أيضاً، فهو التحالف الذي قام بين التيار الوطني الحر و”حزب الله”، إذ أمّن تغطيات لممارسات من خارج الدولة، ومنح الحزب مزيداً من فائض القوة ليتحرك في الداخل اللبناني ويفرض قراراته. وإذا لم يستطع الحزب مثلاً التحكم بقرار معين، إلا أنه يستطيع منع أي مؤسسة أن تمارس استقلاليتها ما لم تكن تحت نفوذه.
 
انتهى عهد التسويات في البلد. أي أن الصيغة لم تعد قابلة للاستمرار. لكن بدلاً من تطويرها يجري فرض تقاليد لا تمتّ بصلة الى الحداثة، ليتحول النظام إلى التفاهة بلا أي أسس ديموقراطية ولا ممارسات تشريعية. وهذا ما يحصل، مرة بالانقلاب على الدستور، ومرة ثانية بتهديد فائض القوة، وثالثة بفرض حكومات تتماهى مع سياسات خارجية وإقليمية، أو إبقاء البلد معلقاً في حالة فراغ. 
 
التعقيدات السياسية وأزمة النظام واستعصاء التشكيل الحكومي، عناوين تعبّر بوضوح عن سقوط الدولة، وتحكّم طرف سياسي بشؤونها، وتدل أيضاً على انسداد الأفق مع استمرار الصراع الطائفي والسياسي، وعدم قدرة النظام على الاستمرار ولا قدرته على الإجابة عن أسئلة المستقبل. بهذا المعنى أزمة التشكيل تعكس عمق أزمة النظام ونسف الصيغة وسقوط منطق التسويات. الوضع في لبنان وصل إلى مرحلة تهشّمت فيها مؤسسات الدولة. البلد كله في حالة تعطيل، والانهيار يعصف بالاقتصاد والمال، والانقسامات على أشدها، ولا يزال موقع الرئاسة الأولى يرفض السير في تسوية تفتح الطريق لتشكيل الحكومة ووضع البلد على سكة الإصلاحات والإنقاذ.
 
البلد في حالة يرثى لها سياسياً واقتصادياً وصحياً، وإذا لم يجد من ينقذه، ويضع السكة لرحيل الطبقة السياسية، ويسمح للبنانيين بالتنفس، فلن يبقى أمامهم إلا طريق الموت، بعدما كادت انتفاضتهم قبل سنة وثلاثة أشهر أن تضع النظام والتحالف الحاكم الفاسد على طريق الزوال…

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.