العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

صلاة الغائب على روح فرنسا

لم يكن تَصدّر رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو لمسيرة الجمهورية الفرنسية المناهضة للارهاب والمتعاطفة مع ضحاياه، الدليل الوحيد على تهافتها، وان كان الدليل الابرز، الذي أوحى بان اسرائيل تسعى جاهدة الى انتهاز الهجمات الاخيرة في باريس من اجل تضخيم كتلتها السكانية بنحو نصف مليون مهاجر يهودي جديد من فرنسا.

 

تصرف نتنياهو وكأنه قائد المسيرة ومحفزها، وقدم نفسه باعتباره ولي الدم ووكيل القتلى اليهود الاربعة الذين سقطوا في مذبحة”شارلي إيبدو” ونقلت جثامينهم الى اسرائيل لدفنها في مقابرها، وهو ما أفرغ المسيرة من أحد أهم مضامينها المعلنة بصفتها تعبيرا عن وحدة وطنية فرنسية تسمو فوق الاديان والطوائف. وعلى هدى موقفه وسلوكه، كان يهود فرنسا الوحيدين الذين جاهروا وفاخروا في تلك المسيرة بهويتهم الدينية، وإستحضروا صورتهم التاريخية المرسومة بدقة بوصفهم الضحية النموذجية التي تتعرض للحد الاقصى من الاضطهاد لتستحق الحد الاقصى من العطف، في واحد من أهم مظاهر الابتزاز الذي تمارسه الاقلية اليهودية في الغرب، والذي اصبح درساً راسخاً لمختلف الاقليات في العالم.

 

قبل ظهور نتيناهو في الصف الامامي متباهياً ومحيياً الجماهير، كانت المسيرة قد سقطت في فخ الابتذال الذي يتجلى عندما تضيع المسافة بين سلطة تتظاهر في الشارع، وبين جمهور يجهل المسؤول عن ذلك الارهاب الذي هز فرنسا واودى بحياة 17 شخصاً. ولعل العدد المتواضع للمشاركين في المسيرة والذي لم يتجاوز النصف مليون متظاهر بدلا من ثلاثة ملايين كان الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند يتوقع زحفهم الى ساحة الجمهورية، هو ما يحفظ لفرنسا والفرنسيين بعضا من الاحترام لانهم لم ينجرفوا في ذلك الاستعراض المستوحى من طقوس العالم الثالث، ولزموا منازلهم واسئلتهم حول سبل مواجهة ذلك الخطر الداهم بعقلانية ووعي وحكمة تقتضيها الجمهورية العريقة وقيمها العلمانية الرائدة.

 

منذ البداية كانت الدعوة الى المسيرة رداً على مذبحة “شارلي إيبدو” تنم عن سلوك شعبوي يعتمده الرئيس الاشتراكي الاضعف والاقل شأناً من جميع قادة الحركة الاشتراكية الفرنسية والاوروبية. كان هولاند في لحظة وهن عميقة عندما طلب ذلك التضامن الفرنسي والعالمي معه ومع حكومته.. وهو، ومن حيث لا يدري، برهن للعالم ان فرنسا ما زالت دولة عاقلة، تختلف عن اميركا او عن روسيا مثلا، اللتين كان يمكن لمثل هذه المذبحة ان تدفعهما الى شن حرب عشوائية على بلد ما او على شعب ما قبل معرفة الجناة..

 

لكن هولاند إقترب كثيراً من مثاليه الاميركي والروسي، عندما رفع مستوى مذبحة “شارلي إيبدو” الى مصاف الجرائم الكبرى ضد الانسانية، مع انه كان يمكن، بل يفترض ان يحصرها في اضيق نطاق وان يتعامل مع تلك المذبحة المروعة، باعتبارها حدثاً أمنياً استثنائياً، قامت به عصابة إجرامية وهو لا يختلف عن الجرائم التي ترتكبها عصابات تهريب المخدرات او السلاح او المال في مختلف انحاء العالم، وهو ما لا يستدعي أي تعبئة سياسية من أي نوع، خصوصا اذا كانت تلامس خطوط الفصل العرقي او الديني او الطائفي في فرنسا وفي بقية انحاء العالم.

 

لم يكن الشقيقان كواشي اللذان قتلا بالفعل وماتت معهما اسرارهما القليلة يستحقان هذا الحشد في ساحة الجمهورية الفرنسية، ويستدعيان ذلك الاستنفار السياسي الذي يمكن ان يشكل إغراء لإرهابيين آخرين كي يختبروا قدرتهم على إخراج مثل هذا المشهد الفرنسي والعالمي الفريد، مرة أخرى.. خصوصا وان المرجح ان تكون هناك مرات اخرى، وأسباب اضافية لارتكاب مثل هذه الجرائم الوحشية، ومثل هذه الحماقات السياسية. عندها لن يكون من السهل ان يستجيب نصف مليون فرنسي لنداء ثان من رئيسهم، ولن يتردد المسؤولون الاوروبيون، وحتى العرب في رفض النداء، والاكتفاء بصلاة الغائب عن روح فرنسا التي انتهكت بالامس بصورة اسرائيلية مستفزة، وصور كاريكاتورية أدنى مستوى من رسوم” شارلي إيبدو” نفسها..

 

إعلان Zone 5

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.