العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

النفاق في زمن الحِداد

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

… وفي اليوم التاسع رُفع الحِداد و أُنزل السواد، ولم يبق من النعي سوى كلمات أطلقتها ذاكرات مريضة او مشوهة او حاقدة، لا تحترم الموت، ولا تعترف به، وتضرب الميت ضرباً مبرحاً، دافعه الجهل بالراحل ، او الحط من العزاء أو الالتحاق بغير المعزين.

 

طوال الايام التسعة الماضية التي أعقبت إعلان وفاة فيدل كاسترو، سار زيّاح مزدوج، وفي اتجاهين متناقضين تماما، قاسمهما المشترك ان أحداً لم يدرك ان الرجل مات منذ ست سنوات ، وما أعلن لم يكن سوى فناء جسده، زواله الفيزيولوجي ، تحوله الى رماد منثور.. بعد عمر طال حتى التسعين، وهو رقم بشري قياسي، يقارب الاسطورة، لكنه لا يصنع القداسة، لكنه يرسم أيقونة ما.

 

الذاكرة العربية كانت فاضحة. ما قيل في الراحل كان يشبه همسات تتردد في حفل تنكري ، ارتدى فيه الحضور أقنعة رديئة، بشعة، تنم عن ضحالة في المعرفة او في الثقافة او في التاريخ..وإنحدار بالسياسة الى قعر عميق. يستوي في ذلك مريدو الرجل الذين لم يلاحظوا ان ثورته وثوراتهم انتهت الى خيبة كبرى، وكارهو الرجل الذين اكتشفوا فيه للتو صفات سيئة، مستنكرة ، ومنبوذة.

 

من محطات تلك الذاكرة المستعادة صوَرٌ بالاسود والابيض التقطت لفيدل مع فاتنات كوبا اللواتي كان يستدعيهن تباعاً الى مخدعه ويتمتع بهن، كل ليلة، خارج رباط الزواج الذي عقده أكثر من مرة طبعا. الصور ليست مزيفة، وكذلك الوقائع التي كان كل يساري في العالم يسمع بها همساً ويحسد الرفيق الكوبي على تلك المتعة.. التي كانت سيرتها محظورة في صقيع موسكو وعجز كهلة الكرملين.

 

حتى فحولة فيدل كانت مثاراً لجدل تورط به يساريون حاليون او سابقون لاحظوا على سبيل المثال انه مثلما قارع النساء وأغواهم، قاوم الامبريالية الاميركية وأنتصر عليها ، مع أن أحداً لا يستطيع ان يقدم دليلاً واحداً على هذا النصر الذي أورثه الى شقيقه راؤول دون سواه من رفاق الدرب او مكملي المسيرة، ليكتب صفحة أخيرة من صفحات العار الشيوعية، التي أرجأت الى حين ، وراثة الكنيسة الكوبية للثورة والدولة والمجتمع .

 

مثل هذه الاستعادة لسيرة فيدل مشروعة، لكن إستخدامها للتوصل الى الاستنتاج بأن فيدل كان دكتاتوراً تنبغي محاكمته وإدانته وتشويه جثته، هو دليل على نفاق متأخر لثقافة معاصرة تتنافى مع كل القيم والرموز والشعارات التي حملتها أجيال يسارية لم تكن تعرف للحرية من معنى سوى التخلص من الاستعمار والاحتلال ، ولم تكن تعرف للديموقراطية من مغزى سوى التوغل الغربي في بلدان العالم الثالث.

 

لم يكن فيدل طاغية أكثر من زعماء الاتحاد السوفياتي الذين لم تكن الفرصة متاحة ولا الثقافة متوفرة لمجادلتهم في الحريات وحقوق الانسان والتعددية في ظل المعسكر الاشتراكي. كانت كلمة “المعسكر” وحدها كافية نافية: إما ان يكون المرء معه ظالماً او مظلوماً وإما ان يكون مع اميركا ومع إسرائيل تحديداً . لم يكن ثمة مجال لأي خيار ثالث. فالحرب لم تكن باردة أبداً في العالم العربي خاصة.

 

مع ذلك فان ذلك النفاق العربي في إستعادة سيرة فيدل كما رواها الغرب، بلغ مرتبة معيبة فعلاً ، عندما أنكر الجميع ، مريدين وكارهين، دور الرجل وثورته ودولته في تأييد الثورات العربية السابقة، وفي دعمها مباشرة بالمال والسلاح والرجال والاطباء والخبراء والعلماء، لا سيما منها الثورة الفلسطينية، التي كانت كوبا تسابق معظم الدول العربية في موأزرتها بشتى السبل ، وفي مشاركتها الكثير من المحن التي مرت بها على مدى العقود الماضية. وكذا الامر بالنسبة الى الثورة الجزائرية او التجربة الناصرية..

 

كان فاسقاً، فاسداً، طاغياً ، بمعايير العصر الحالي ، لكنه كان نصيراً لقضايا العرب، بمقادير القرن الماضي. وهي من المحاسن التي يجوز ان تذكر ، ومن الصفحات التي لن تمحى.. مهما جار الزمن على فيدل وثورته ودولته، ومهما حط القدر بالعرب وقضاياهم.

 

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.