العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

جان عبيد… الخامة التي لا يَسعها سرير

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

لم يكن هذا قدر جان عبيد. مَن توّجته السياسة “ترياقاً” لجسد لبنان المريض لا يمكن أن يقتله فيروس. حين يَحضر التاريخ في رجل و”تتعانق” الديانات في وجدانه يَصعب فعلاً تَوقع رحيله على فراش جائحةٍ عابرة. هو الذي قاوم، على طريقته، جائحات بلد امتهنت زعاماته “طَحن” وعَزل من لا يُشبهها.   

أيّ سرير موت في أيّ مستشفى يَسع سيرة ونبل وأدوار جان عبيد؟  مزيجٌ من خبرة التعاطي مع الكبار ورجالات الدولة والقرار في لبنان والخارج، وكثيرٌ من الرقي وذاكرة ديناصور وخبرة مذهلة في مَعجَن الزعامات ومواكبة أقدار الآخرين…. كل ذلك اجتمع في رجلٍ واحد. هو ابن البيت السياسي، القارئ النهم للكتب المقدّسة وأقوال الإمام علي بن أبي طالب طمعاً بالغذاء الثقافي وليس للصلاة.  مؤلمٌ جداً رحيل الخامات في عزّ الحاجة إليها ومن دون وداع لائق. 

إعلان Zone 4

من يُجالسه كان يتواصل مع كلّ هذا المخزون الثقافي، مع انطباع بسلامٍ دافئ يَعكسه للآخرين. كمن يقول لهم “اطمئنّوا. لا تخافوا الأمور ستكون بخير”.

راوي العقول خَذّل من راهن أنّ يوماً ما سيأتي دور جان عبيد ليعيد إلى الجمهورية بعضاً من تألقها. العابر للمحاور السياسية والطوائف والمذاهب كان “فرصة” ببرنامج رئاسي، غير معلن، يُشبه نزاهة فؤاد شهاب واستقامته وتقشّف الياس سركيس وعفّته، مع سلّة من الصداقات والعلاقات المثمرة  العربية والدولية أسّس نواتها يوم كان وزيراً للخارجية.

أيّ سرير موت في أيّ مستشفى يَسع سيرة ونبل وأدوار جان عبيد؟ مزيجٌ من خبرة التعاطي مع الكبار ورجالات الدولة والقرار في لبنان والخارج، وكثيرٌ من الرقي

لم يتسنّ لكثيرين ربما سؤاله عن رأيه بأزمة بعبدا “الكونية”. عن “المعايير الموحّدة” وحق رئيس الجمهورية بتسمية الوزراء المسيحيين والثلث الضامن لحقوق الطائفة المُعاقَبة منذ “الطائف”.

لكن من يعرف جان عبيد جيداً يدرك شمولية تفكيره وخروجه من ثوب الطائفة الضيّق. هو الذي لم يعترف يوماً بأزمة المقاعد المسيحية في “الشتات” الإسلامي. مقعد طرابلس الماروني مثالاً. الرجل كان من أصحاب الدعوة للعودة الى أصل المشكلة: “المسيحيون وصلوا إلى ما هم عليه إمّا لسوء تصرّف بعض قياداتهم، وإما للجهل بردّات فعل بعض قيادات الطوائف الأخرى”.

 لطالما كرّر نائب طرابلس تأثّره بقول أحد المطارنة في غمرة معركة العونيين لنقل مقعد الموارنة من عاصمة الشمال “تريدون المقعد. خذونا معه إذا كان الإحباط يَسكنكم الى هذه الدرجة”.

كان عبيد متطرّفاً لواقع توسيع إنتشار المسيحيين في أماكن تواجدهم وليس “اقتلاعهم” منها. أهل القبة والمنية أدرى بذلك. في قناعات الرجل السيادة والقوة ليستا بالحصة المسيحية. هي أزمة تُعالج جَماعياً ولا يحتكرها بطل واحد. والأهمّ، قناعته بأن ليس الأقوى في طائفته فقط من تُحلّل له كرسيّ بعبدا. وإلا لما كان بشاره الخوري وفؤاد شهاب وكميل شمعون وشارل حلو وسيلمان فرنجية رؤساء جمهورية…

ورأيه في قانون الانتخاب الأخير “مدرسة” في الوطنية. صحيح أنّه خاض الانتخابات على أساسه على لائحة الرئيس نجيب ميقاتي بعد خمس ولايات نيابية، لكنه لم يتوان عن “تكفيره”. رأى فيه تزويراً للنسبية، و”تشريعاً” للغدر بين الحلفاء والأخوة وتكريساً لمنطق التعصّب الطائفي. حسناً، هل وصلكم جواب جان عبيد، بعدما أغمض عينيه، حول أزمة معايير ميشال عون وجبران باسيل؟

أما في شؤون الرئاسة المؤجّلة. ففعل ما لم يفعله الآخرون. ردّد دوماً “إما تأتي الفرصة أو لا تأتي. لن أطلب، ولن أدخل من النوافذ أو من تحت الأبواب”. وكلما أقلّ من الكلام والظهور، كان لمّاعاً أكثر.

ليس صراخ المنابر وَحده من يصنع العظماء وأصحاب القامات. هو باني الجسور مع الجميع، لكن بصمت. صاحب المواقف الوطنية المعلّمة في جسد الجمهورية، بصمت أيضاً. حتّى في مرحلة الوصاية السورية لم يكن جان عبيد كالآخرين.

مكتبه القديم في حرش تابت، منزله الشمالي  في جبل تربل، في كل مكان يجلس فيه… تتنقّل دروس التاريخ معه. برحيل هذه الطينة من السياسيين المعجونة بقلبٍ لا يعرف الخبث والحقد سيزيد عقم “الحالة اللبنانية”. هو الانهيار بحدّ ذاته.

صديقٌ كبير لميشال عون ولكثيرين يصعب عدّهم… أولهم نبيه بري. “دولته” قد لا يتوانى عن فتح عزاء في دارته بعين التينة لو سمحت الظروف. بري الذي لم يرَ عزاءً في مغادرة قاماتٍ تشريعية مجلس النواب إلّا مع دخول جان عبيد اليه، الأحبّ الى قلبه وعقله.

قربه من “الجنرال” لم يقرّب المسافة مع العهد ورموزه. راقب الانطلاقة والمسار وسريعاً تراكمت المآخذ طالما أنه ليس من أنصار المواجهات الهدّامة ولا التسويات المصلحية الفاقعة. لذلك كلّ جلسة مع فخامته كانت النصائح والتحذيرات تأخذ مكانها لا المُمالقة وإسماع الرئيس ما يُحبّ أن يَسمعه.

من يعرف جان عبيد جيداً يدرك شمولية تفكيره وخروجه من ثوب الطائفة الضيّق. هو الذي لم يعترف يوماً بأزمة المقاعد المسيحية في “الشتات” الإسلامي

هكذا لم يتوانَ عن مواجهته بحقائق يستحيل لغيره أن يصارحَه بها،لدواعي التزلّف. لطالما صارح صديقه “إن كان جبران باسيل سيفك. وهذا هو الواقع. إحرص على أن يعرف الأخير أين يضعه وكيف يستخدمه… يجب أن يعرف حدّه”.

قبل ذلك بعهود لعب أيضاً دور الصديق الوفي. حين وقف بوجه حافظ الأسد رفضاً لاقتحام قصر بعبدا “لأنّ الاسرائيلي لم يدخل القصر، فكيف للجيش السوري أن يدخله”. وقوله لسعود الفيصل إبان مفاوضات الطائف، كما روى لعارفيه، “أنا مع المُقاتل وليس القاتل”، رافضاً المساواة بينهما.

المُرشح الدائم إلى رئاسة الجمهورية، ابن بلدة علما الزغرتاوية، لم يعد كذلك. سنرتاح من تعويذات ليلى عبد اللطيف التي حَشَرت أنفها في سيرة رجل رَسَم بأدائه صورته النبيلة، وتعاطى معه الخصوم والمؤيدين كحالة تستحق الاحترام والنَهل من مخزونها.

 

بأدواره، الكبيرة والصغيرة، قَبَع كثيراً في منطقة الانتظار، بعدما فاته قطار الرئاسة أكثر من مرة. لم يتعبَ معاليه من الترداد “ما يهمني رتبة الرئيس وليس رتبة المرشح. رتبة الرئيس هي نتيجة ميزان قوى والجِهاد… والإذن الإلهي”. فقط الجَهاد حصّله بعرق مساره النظيف. أما ميزان القوى والإذن الإلهي فلم يأتيا!

 لم يقف يوماً على باب أحد. لم يفعلها مع سعد الحريري. مع نجيب ميقاتي بنى التحالف على أسس ندّية. وخطوط مفتوحة مع الجميع، من مالكي المفاتيح إلى المفرّطين بها. أما سوريا، فبعد التمديد لإميل لحود نَبت عشب العتب بينه وبين الرئيس بشار الأسد، ولا زال…

وغصباً عن تصنيفات المرحلة والفرز الاستهلاكي بين القوي والضعيف، بين الصالح والطالح. جان عبيد لم يكن يوماً إلّا خارج الفئة المُستهلكة والطارِئة من السياسيين. نجل بدوي عبيد كرّر أمامي، وأمام كثيرين على الأرجح: “تاريخي ورائي. أنا تعبان بتاريخي لأنه مريح لبلدي”.

 ترفع القبعة له، فوق التراب وتحتها، من يكون تاريخه إضافة وليس نكسة أو كارثة على بلده!

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.