العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

“وحيد بين طائفة من المؤمنين”.. وداع لقمان سليم في ضاحية بيروت الجنوبية

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

يحاول حسين أن يركن سيارته في مكان قريب من دارة آل سليم في حارة حريك وسط الضاحية الجنوبية لبيروت. يسأله صاحب محل يقف إلى جانب الطريق، إلى أين؟ يرد عليه حسين “هناك عزاء للقمان سليم في دارته، وأنا متوجه إلى هناك”، يجيبه بكثير من الغضب “هذا العميل. ممنوع أن تركن السيارة هنا”.

في الطريق سيراً على الأقدام إلى دارة آل سليم، أحاديث كثيرة تسمعها من مجموعات صغيرة كانت متواجدة في محيط المنزل. كلمة “عميل” تتردد بين الحين والآخر. وكأن هناك من يتقصد أن يُسمعها لكُل من يتجه ليُشارك في مراسم وداع لقمان سليم، الكاتب والناشر والناشط، الذي اغتيل منذ 6 أيام، وهو في طريق عودته من جنوب لبنان حيث كان يزور أحد أصدقائه إلى بيروت.. إلى الضاحية حيث يعيش، وحيث بقي مُصراً على الحياة في بيئة كانت تُنمى في داخلها مشاعر الكراهية تجاهه، لأنه مُختلف.

إعلان Zone 4

تأبين لقمان سليم في منزله وسط الضاحية الجنوبية لبيروت.

منذ الصباح الباكر حضرت القوى الأمنية. جيش واستقصاء ومخابرات وشرطة وغيرهم. آليات كثيرة حول المنزل القابع إلى جانب الخط الرئيسي للمنطقة. في حديقة المنزل، وجوه سوداء حزينة، موهولة. المنزل القديم الذي عمره عشرات السنين، يبدو وكأنه شاخ مثيرة منذ يوم الجمعة، مرت سنوات وسنوات.

هذا المنزل الذي احتضن الحزن اليوم، كان قبل الاغتيال عامراً بضيوف يأتون من كل اتجاه، إما لزيارة أو لحضور معرض أو ورشة عمل أو الاستفادة من المخزون الذي عاش من أجله لقمان، ومات تاركاً الكثير مما لا يعرفه غالبية من كانوا يرونه على شاشة تلفاز، أو في محاضرة تنجرف للسياسة في معظم الأحيان.

صمت. وجوه شاحبة. حزن. ترقب. تجمع محبو لقمان سليم حول ضريحه وسط حديقة المنزل. ضريح يبدو وحيداً سيحرس من تبقى في الدار ليُكمل ما بدأه لُقمان كما تقول شقيقته رشا الأمير، التي كانت تتحضر لكي تُغادر لبنان وتبتعد، تتقاعد، لكنها تجد نفسها اليوم أمام واقع جديد. “المسيرة يجب أن تُكمَل. لا مكان للتراجع الآن”.

إلى جانب الضريح الذي تكلل بالأزهار وبصورة لُقمان التي كُتب عليها كُلنا لقمان كلنا لبنان، تحلق زوار في وداع أخير. يصدح صوت شيخ عبر مكبرات الصوت وهو يُردد الندبيات التي عادة تُقال ويقرأ في السيرة الحسينية. انتهى الشيخ ورحل، قبل أن يندم على فعلته. سجل فيديو يعتذر فيه من القراءة على لقمان سليم. فهو كما يزعم لم يكم يعلم على من يقرأ. لكنه كان يقرأ جيداً من ورقة صغيرة وضعها أمامه كي لا ينسى ماهية الاعتذار.

تراتيل وأشعار، وترانيم. جميعها في مكان واحد، قُرب منزل تقول والدة لقمان، سلمى مرشاق سليم، إنه “سيبقى مكاناً للحوار، للإصغاء، للغة العقل”. قبل أن تتلو كلمة باسم العائلة، طلبت فيها من الشباب اللبناني إذا كانوا فعلاً يريدون وطناً، الاستمرار في المبادئ التي ناضل لقمان من أجلها.

وقالت: “الحمل ثقيل عليكم، وأنا أتمنى عليكم أن تفكّروا وألا يكون عقلكم محدوداً، تقبّلوا الحوار والتنوّع واستعملوا العقل والمنطق فقط، فالسلاح لا يفيد البلاد، أنا كأم لم يفدني، ولم يفد شقيق لقمان ولا شقيقته، أفقدني ابني، وأضاع لكم صديقكم. حكّموا عقلكم، وناقشوا، وحاوروا لوطن، لتؤسّسوا وطناً يليق بكم وبلقمان”.

قبل أن تبدأ المراسم، كان قد وصل موكب من السيارات السوداء رباعية الدفع. نزلت منها سفيرة الولايات المتحدة في لبنان دوروثي شيا. يقول علي وهو يبتعد من المكان إفساحاً في المجال لركن السيارات جانب الحديقة: “السفيرة الأميركية في الضاحية لوداع معارض شيعي، اغتيل في الجنوب منطقة نفوذ حزب الله. هذا مشهد لا يتكرر دائماً”.

أنهت والدة لقمان حديثها، بدأ سفراء الدول الحاضرين بإلقاء كلمات مقتضبة ودعوا فيها الفقيد، وشددوا على رفض الجريمة “البربرية”، مطالبين بتحقيق فعال وجدي لكشف ما حصل. هذا ما قاله سفراء ألمانيا وسويسرا وكندا والقائم بالأعمال البريطاني.

السفيرة الأميركية شاركت في تأبين لقمان سليم.

وقالت شيا: “لقمان عمل بلا كللٍ أو تعبٍ لدعم قضية لبنان وشعبه ونيل الحرية، وهذه الجهود لن ندعها تذهب هدراً بالخوف والعنف، ونحن سندفع باتجاه المحاسبة، وسنُطالب مع الحاضرين والعائلة بالعدالة، وسنحمل إرث لقمان كولايات متحدة من خلال استمرار شراكتنا مع المنظمات التي كان يعمل معها لقمان”. 

إلى جانب مدخل البيت، طاولة صغيرة، كتاب وورود بيضاء. زاوية خصصت لكل من يريد أن يكتب ليستذكر لقمان. كان يُحب الكتابة، سعيد الجن كان ينتقي كلماته بإتقان. حاول من يودعه أو يفعلوا الأمر نفسه. تخليد الكلمات حول وعن لقمان، تماماً كما فعله هو حين قرر مع زوجته مونيكا أن يُخلّد التاريخ القريب، لبلد لم يخرج من حربه وحروب الآخرين على أرضه إلى اليوم. 

يقول الأستاذ الجامعي علي مراد: “لا يكفي اليوم أن ندين الاغتيال السياسي من دون أن نضع المسؤولية على من اغتال لقمان سليم معنوياً قبل أن يغتاله سياسياً. أكثر من ذلك، هناك طرف في لبنان يستطيع أن يغتال، بمعزل إذا هو الذي اغتال أو لا وبالتالي عاد الاغتيال السياسي ليكون معطى في الحياة السياسية كما آخر 4 سنة”. 

يقف مجموعة من الشبان إلى جانب الحديقة. يتبادلون الحديث حول المسؤول عن الاغتيال. علي ودان وجهاد، لديهم رأي واحد. هم يحملون المسؤولية لحزب الله “كونه الطرف الذي يستطيع أن يقوم بذلك وفي منطقته بالذات”. إذاً أنتم توجهون الاتهام السياسي للحزب؟ يُجيب علي وهو مقرب من الفقيد وعائلته: “ليس فقط اتهاماً سياسياً، بل الوقائع تُشير إلى ذلك”. 

لدى سؤالهم عن الخلفية، فهناك كثر يتحدثون ويعارضون يستفيد منهم الحزب لأنه يوحد جمهوره أكثر من حوله، يأتي الجواب الحاسم من الثلاثة: “لقمان حقق خرقاً في البيئة المحيطة به هنا أي في بيئة حزب الله ولذلك أصبح خطراً عليهم”.

وكان كُتب مقال للصحافية منى علمي تحدثت فيه عن نوع من الخرق كان قد حققه لقمان سليم داخل حزب الله، إلا أن هذا الأمر عادت ونفته شقيقة لقمان، رشا الأمير التي اعتبرت الصحافية بأنها “متسلقة”، وأن كل ما قالته/كتبته “لا يمت إلى الحقيقة”.

الباحث نزار غانم، حضر إلى حارة حريك “ليؤكد على الحد الأدنى من اللياقة الإنسانية”، متوجهاً بالسؤال إلى حزب الله وغيره: “هل اللياقة الانسانية هي جزء من ثقافة الاستعمار. الحد الأدنى لهذه اللياقة يجب أن تكون من قيمنا الاجتماعية للمشهد العربي”. يُضيف: “اليوم لقمان يوارى الثرى مثل أبو ذر الغفاري وحيداً بين طائفة من المؤمنين”.

كُثر وقفوا صامتين. لا حديث يُقال ولا شيء يبوحون به. لهم ذكريات كثيرة معه. في باحة المنزل كثير من الأصدقاء الذين كانوا يروون لبعضهم البعض عن أبرز محطاتهم مع الفقيد. لكُل واحد قصة أو أكثر ليرويها. مات لقمان وبقيت القصص، عنه.

يقول الشيخ عباس الجوهري: “هذا يوم حزين على لبنان يُراد منه قتل التعددية في لبنان، قتل وجه لبنان الحقيقي بأنه يحتضن كُل مكوناته ومن يريد قتل لقمان سليم فهو يريد قتل صورة لبنان، وصورة لبنان لن تموت”، ويضيف: “خسارتنا اليوم في لقمان خسارة مؤقتة لكي نستطيع إحياء صورة لبنان من جديد بدماء لبنان سليم على قاعدة أن نحترم بعضنا البعض”.

بعد انتهاء المراسم، تدخل مجموعة من الناشطين إلى الحديقة يحملون صور لقمان وكتب عليها “صفر خوف” وهو القول الذي ردده سليم سابقاً حين تعرض لتهديد مباشر في زمن كانت فيه الاحتجاجات ضد الطبقة السياسية في أوجها. توجهت المجموعة إلى جانب الضريح لتلقي كلمة أكدت فيها رفض الاغتيال واستمرار النضال من أجل الحرية. والبيان وُقع من عدد من المجموعات التي كانت ناشطة أثناء احتجاجات 17 أكتوبر.

نهار حزين، بدأ بحزن، وانتهى بالحزن نفسه. الثابت الوحيد أن لقمان سليم قد قُتل.

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.