العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

لماذا نتراجع في العلوم والرياضيات؟

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

ها هم اللبنانيون الذين كانوا يتغنون بقوة نظامهم التعليمي وبإنجازاتهم في مجال الطب حين كان لبنان مستشفىً للشرق وبقدرتهم على التواصل كنقطة التقاء، يعانون من ماساة نظام أوصلهم إلى الهاوية. مأساتهم لم تعد تقتصر على ملف محدد، إنما طاولت كل شيء في ظل الانهيار والإفلاس السياسي والاقتصادي والمالي. هذه المرة ليس الكلام عن تفوق اللبنانيين وتصدرهم وبينهم قوى اختارت أن تأخذ الشباب إلى الحروب، بل ما حل بهم وما يدفعونه من أثمان باهظة جراء الخسائر التي مُني بها البلد، بل يخسرون ما حققوه من مكتسبات تاريخية في ظل سلطة لا تعمل إلا لإنقاذ نفسها وتأبيد سيطرة نظام المحاصصة الطائفي والمذهبي على مقدرات البلاد والإطباق على كل ما هو مضيء فيه وسط انسداد لا يولّد غير الأزمات.
 
اكتشفنا أخيراً أن تلامذة لبنان حلّوا في المرتبة الأخيرة في اختبارات TIMSS الدولية في الرياضيات والعلوم 2019، ما يعني أننا نشهد تدهوراً في مستويات التعليم ومخرجاته، إذ إن أداء تلامذتنا في الاختبارين اللذين يقيسان جودة التعليم وفعاليته ويستخدمان لدى دول عدة لتطوير سياسات التعليم فيها، كان تحت المعدل العالمي، لا بل إن لبنان بات تصنيفه في آخر اللائحة عربياً، ونسبة كبيرة من تلامذة لبنان لم تتمكن من الوصول إلى المستوى العالمي الأدنى في الرياضيات، فيما وضعنا في العلوم بات متأخراً جداً.
 
هذا الانهيار المتسارع في بلد كان يُصنف في المقدمة عربياً وفي مستوى مقبول عالمياً، يطرح اسئلة عن سياسات التعليم التي أفضت إلى أن نكون في آخر اللائحة عربياً، خصوصاً أن التراجع في هذه المعدلات بدأ منذ عام 2011. التربية كانت خلال السنوات العشرين الماضية في المرتبة الاخيرة من الاهتمام. تعاملت السلطة مع هذا الملف ضمن منطق التوظيف والمحاصصة، فأحدثت خللاً بنيوياً ظهرت نتائجه الأولى مع بداية الألفية الثالثة حين ألغي إعداد المعلمين وإلحاقهم بالتعليم عبر كلية التربية في الجامعة اللبنانية للأساتذة الثانويين ودور المعلمين لأساتذة الابتدائي والمتوسط، وحلّ التعاقد كآلية بديلة لإدخال أساتذة بالساعة الى مراحل التعليم الرسمي، ليتحول في مرحلة لاحقة الى بازار من التوظيف السياسي والطائفي والتنفيعات والمحاصصة.
 
في الواقع لا يمكن أيضاً عزل المعدل المتدني للتلامذة اللبنانيين في اختبارات TIMSS الدولية في الرياضيات والعلوم 2019 عن نظام التعليم في لبنان، فلهذه الاختبارات وقعها في تقييم الانهيار الذي طاول هذا النظام في العشرية الأخيرة، ومعه بنتائج اختبار PISA للعام 2018، التي أظهرت ضعفاً خطيراً في قياس جودة المعرفة في مجالات القراءة والرياضيات والعلوم لدى التلامذة اللبنانيين حيث حلّوا في المراتب الأخيرة. أيضاً كشف اختبار TIMSS لعام 2019، المسار الانحداري للتعليم في لبنان بعدما حل تلامذته في المرتبة 38 في العلوم، وفي المرتبة الأخيرة بين 10 دول عربية مشاركة، ما يعني أنه لم يعد معياراً مرجعياً للتعليم في الرياضيات والعلوم وفي القراءة أيضاً، ولا في الاختبار الدولي عربياً، علماً أن أداء التلامذة اللبنانيين في العلوم لم تكن مشجعة منذ 2003 وحتى اختبار 2019.
 
العقم الذي يعصف بالنظام والمناهج، أظهر الانسداد في النظام في ظل سياسات ترتكز إلى حسابات ضيقة ومصالح وتنفيعات ولا تدق باب الإصلاح التربوي، فيواكب تلامذة لبنان الانهيار العام في البلد، ولا نشهد أي مبادرات جادة لوضع استراتيجيات للتعليم تسمح بمعالجة مواطن الضعف المستمر لتلامذته. والمفارقة أن أداء التلامذة اللبنانيين في عام 2003 في اختبار TIMSS كان الأفضل عربياً في الرياضيات، وإن كان أدنى من المعدل العالمي، حيث تحسّن الأداء في 2007 لكنه بقي في المرتبة الثانية خلف دولة الإمارات التي حلت في المرتبة الأولى، وحافظ تلامذة لبنان على معدلهم في اختبار 2011 إلى أن بدأ التراجع المقلق منذ اختبار 2015، وحل لبنان رابعاً بين الدول العربية في الرياضيات في اختبار TIMSS لعام 2019 وفي المرتبة 32 دولياً، فيما حلّ في العلوم في المرتبة 38 دولياً.
 
نتوقف عند اختبار تيمز 2015، الذي أظهر ضعفاً في التحصيل العلمي للتلامذة اللبنانيين في مادتي الرياضيات والعلوم. فمنذ ذلك الاختبار كُتب الكثير وأجري تقويم يهدف الى استخلاص نتائج وتحديد العوامل التي أدت الى تراجع لبنان عن المعدلات العالمية، لنكتشف أنه خلال أربع سنوات تفصل عن اختبار 2019 كان التضليل هو السائد إلى حد المجاهرة بأن مدارس لبنان لا تزال تقدم تعليماً متميزاً وهي الأولى في المنطقة مع الجامعات، على رغم كل المشكلات التي نعانيها. أما الحقيقة، فإن لبنان كان فقد تدريجاً دوره الريادي في التعليم، فيما الذين كانوا يتمثلون من العرب بالتجربة اللبنانية في المرحلة ما قبل الجامعية أعدوا خططاً متقدمة وفروا لها كل الإمكانات وباتوا قادرين على الانتقال الى مستوى عالٍ ومتميز، فيما نحن ما زلنا نناقش في ما اذا كان ممكناً تعديل المناهج التعليمية وتدريب المعلمين ودعم التعليم الرسمي، أو دفع الدرجات للمعلمين في الخاص أو فصل التشريع بين القطاعين.
 
تأخرت التربية في دراسة نتائج اختبارات تيمز، وتقويمها كان ضرورياً لاستخلاص العوامل التي تؤثر سلباً أو إيجاباً في تحصيل التلامذة بغية تحسين جودة التعليم ونتائجه، علماً أن الاختبار يجري كل أربع سنوات، وهو مدعوم من الرابطة الدولية لتقويم الإنجازات التعليمية (IEA) تحت إشراف المركز الوطني للإحصاءات التعليمية (NCES) والذي يخضع لإشراف وزارة التعليم في الولايات المتحدة، ويشمل مادة الرياضيات ومواد العلوم: علوم الحياة، فيزياء وكيمياء. وتبيّن أن معدل التحصيل في لبنان للصف الثامن أساسي في مادة الرياضيات كان متدنياً وأدنى من المعدل الدولي الوسطي وأدنى من معدل التيمز، وكذلك في العلوم، ونتائج التلامذة كانت متدنية نسبة لنتائج نظرائهم الدوليين والعرب في كل مستوى من مستويات المجالات المعرفية الثلاثة (المعرفة والتطبيق والتعليل).
 
لم تبادر التربية إلى درس مواطن الضعف الاكاديمي للتلامذة اللبنانيين منذ أن بدأ التراجع وتسجيل مستويات متدنية في الاختبارات، إذ يتبين أن لدينا مشكلة في المناهج وتحتاج الى إعادة نظر وتعديل لمواكبة المفاهيم العلمية عالمياً، ويتصل الأمر بطرق التعليم وبالامتحانات وبالتحصيل، ثم توفير الموارد للمدارس، لكن الأهم يبقى في التركيز على دور المعلمين، إذ إن التلامذة الذين يتعلمون لدى أساتذة متخصصين بالمادة وبالتعليم قدموا في الاختبار أفضل النتائج. هذا يعني أن المدارس مطالبة بدعم المعلمين وتوفير كل المقومات التي تسمح بتقديم مادة الاختصاص كاملة، بدلاً من محاسبتهم على راتب وزيادة، ثم تدريبهم على كيفية اعتماد استراتيجيات تسمح بتنمية المهارات الذهنية العليا. وأخيراً تحفيز التفكير النقدي وتعزيز البحوث العلمية… كل هذا يحتاج إلى استقرار وإلى نظام قادر على اللحاق بالعلم وليس نظاماً لا يحمي إلا مصالحه الخاصة…

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.