العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

انتخابات لغوية

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

يتمسك العالم بالأمل، رغم الحروب والدمار والأزمات المالية. لا أحد يريد الاستسلام للخراب. كل يبحث عن خلاص على طريقته، وليس ثمة أصدق من المفردات التي يستخدمها البشر، لتدرك ما يجول في أعماق نفوسهم.

مع نهاية كل سنة، باتت العادة أن تبحث الأمم عن كلماتها الأكثر تكرارًا، على الألسن، لمعرفة ما شَغَلها وما أرّقها. بالتصويت أو الإحصاء، باللجوء إلى القواميس أو محركات البحث، كل يجد وسيلته لانتخاب كلمة السنة ومفرداتها الأثيرة. ليس صدفة أن تختار الصين، وهي في خضم معركة كبرى لمحاربة الفساد في إداراتها، كلمة «نزاهة» وتتوجها على عرش الألفاظ التي استخدمتها طوال الشهور المنصرمة. وإذا صدقنا «المركز الصيني لبحث ورصد الموارد اللغوية» و«مطبعة الصحافة التجارية» وصحيفة «الشعب اليومية»، فإن «الفساد» ليس الكلمة المحببة للصينيين، حتى حين يسكن بينهم. كما أن «الإرهاب» لم ينل من فرنسا وما دار على ألسن أهلها، بل حاربوه بلفظتين دالتين، تم انتخابهما من قبل أكثر من مائة ألف شخص شاركوا في «مهرجان الكلمة السنوي» الذي طرح 11 مفردة على المصوتين بينها «تطرف»، «نذالة»، «كاريكاتور» و«داعش»، في إحالة إلى ما عانته فرنسا طوال العام من مخاوف، وما زالت تحاول مكافحته، إلا أن المصوتين، وبنزعة تحد واضحة، اختاروا «حرية» التعبير ككلمة أولى، تبعتها «العلمانية».

وبتفاؤل وكثير من الابتكارية، قرر «معجم أكسفورد» العريق، الذي بنى مجده على مطاردة معاني المفردات، وتصيد الأبجديات، أن يعترف بأن الرموز التعبيرية، والرسوم هي التي كانت الأقدر على ترجمة مشاعر البشر هذا العام، وليست الألفاظ التي تملأ صفحاته. وأن تقرأ بأن الوجه الذي يبكي من شدة الفرح، هو الذي فاز على غيره من الرموز، في العالم هذه السنة، يجعلك تقدر كم أن الميل طاغ للابتعاد عن البؤس، ومجانبة الحزن. ووافقت شركة موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» معجم أكسفورد على اختياره، لتؤكد أن الوجه الذي تتساقط من عينيه دمعتان كبيرتان زرقاوان وهو ينفجر ضحكًا، هو أيضًا الأكثر تداولاً من أي كلمة ذات أحرف على صفحاته. وليس لك إلا أن تفتح صفحة النائب اللبناني وليد جنبلاط على الموقع، لترى كيف يستخدم بكثافة لافتة، هذه الرموز التي ظننتها، ذات وهلة، شبابية، لا تليق بالكبار، فإذا بها موضع استخدام مفضل، من السياسيين والزعماء.

وعملت شركة «فيسبوك» على خوارزميات، الهدف منها، تكرار أخبار المشتركين، التي تنحو إلى الفرح على حساب تلك التي تثير الشجن وتعرض المآسي. وإن كان البعض يرى في هذا خديعة، فإن ثمة من يلتمس الأعذار لشركة، تفضل ما يجلب المشتركين ويغريهم، ولو بث في نفوسهم آمالاً زائفة، على ما ينفرهم ويقززهم.

وبمقدورك أن تضيف إلى كل ما سبق اليابان التي لها باع طويل في تتبع مسار الكلمات، وقراءة استخداماتها، وانتخاب إحداها سنويًا، لتمثل ضمير الناس. وتبين أن اليابانيين بدورهم، عفّوا عن القتل والإرهاب والرعب، وفضّلوا أن ينتخبوا وبإعداد كبيرة، مفردة «السلام» ورفعوها مكتوبة بخط جميل، وسط ساحة المعبد الأشهر في مدينة كيوتو العريقة.

أكيد أن العمى، لم يصب الملايين التي صوتت وانتخبت وقررت، وأن اللجان التي درست، وتشكلت من كبار المتخصصين في مجالات اللغة والأنثروبولوجيا، وغيرها، ليست مجاميعها من الجهلة، لكن المقاومة بالكلمات، ومحاربة المفردات الشريرة، بما هو أحسن منها، يبدو سمة السنة وأحد أبرز همومها. ويفضح محرك البحث «غوغل» مكامن القلق في النفوس، عندما يقول إن كلمة باريس، بسبب ما أصاب عاصمة النور من هجمات إرهابية، كانت الموضوع الأول الذي شغل الباحثين على محركه، تلاها «الاتفاق النووي الإيراني»، وكذلك «أزمة اليونان»، مما يدل على مدى الأرق من التغيرات التي تضرب الشعوب. ولم يفقد الإنسان، رغم كل ما يقال عن تجمد القلوب، نزعته التعاطفية، فالسؤال الذي بقي يتكرر طويلا هو: «كيف يمكنني أن أساعد النيبال؟» بعد الزلزال المدمر الذي أصاب هذا البلد الآسيوي الفقير. وعلى أي حال، لا يشتم من الإحصاءات، والاختيارات أن العرب الذين يتقاتلون، ويتذابحون، ويتسببون، في مآسيهم لأنفسهم، هم من بين الشعوب التي نالت أي تعاطف يذكر، بل على العكس. قد يكون الشعب الأكثر خوفًا اليوم، هو الألماني، الذي يتردد أنه استقبل وحده ما يمكن أن يصل إلى مليون هارب عربي من جحيم الحروب، وبالتالي فإن كلمة «لاجئ» في ألمانيا كان لها حصة الأسد، تلتها «أنا شارلي» تعبيرًا عن التوجس الذي يعيشه الألمان، وتضامنهم مع فرنسا، خشية أن يلقوا المصير عينه.

«تكلموا تعرفوا فإن المرء مخبوء تحت لسانه» هكذا قال الإمام علي بن أبي طالب، لكن غالبية الحكم العربية تدعو إلى الصمت بدل البوح، إذ إن «رب حتف جرّه حرف»، و«بلاء الإنسان من اللسان» وثمة من اعتبره «ثعبانًا يلدغ» مع أن «الصدق منجاة» واقتفاء آثار الكلمات، قد يساعد على فهم المستغلق.

ويسكت العرب عن كلماتهم، الأكثر تردادًا، ويتركون للآخرين مهمة البحث عنها، ودراسة خفايا استخداماتها، رغم أنهم من بين الشعوب الأكثر ثرثرة، والأكثر فخرًا بالفصاحة والبيان.

 

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.