العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

ألق الحضور، وفخامة الغياب

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمة 
ووجهك وضّاح وثغرك باسمالمتنبي

أدهشنا في غيابه اكثر مما يوم كان حيّاً، لم يبقَ احد  إلاّ وخرج الى تأبينه. لم يبقَ شاهد إلاًّ وتقدم يشهد، للسيرة الكبرى والعقل والفؤاد والهدوء والرضا والدماثة والخُلق. اكتشفنا يوم غاب، أننا لم نكن نعرفه على رغم ستة عقود من المعرفة. لكن ما عرفنا يوما أن لبنان لم يُجمع على احد كما اجمع على خصاله. كل بيتٍ شعَر أنه فقد جان عبيد. كل لبناني انتبه الى أنه لم يكن يعرف مدى كفاءاته ومؤهلاته ومثالياته وألمعيته.  هو لن يصدق أنه كان ماهراً إلى هذا المدى في صناعة مؤهلٍ للرئاسة وقيِّم على الجمهورية، وخليقاً بأمانة الاوطان. رجل تمتع بأفضل الثروات: نفسه! بلا حزب، وبلا مورِّث، وبلا جماعة، وبلا موكب، وبلا مال، وبلا نفوذ. كفاءة واحدة: حماية الذات من الإهانة، والنُبل في حفظ الوفاء، والحرص على تكريم الآخرين كعمل يومي، باحترامهم واعتبارهم، ومعاملتهم كرفاق وأهل، وتذكيرهم دائماً بأنه لا يمكن ان يتكبّر على بيت البساطة الذي طلع منه، وما علمته “أم إيلي”، بأن التواضع حصانة للناس من عتب الناس ومن غضب الله.

إعلان Zone 4

تعامل جان عبيد مع الرئاسة على انها مرتبة روحية، وطنية، لا سياسية. ومن اجل بلوغها، يجب ان يعمل لاستحقاقها كل يوم. ولذا، لم يتوقف لحظة عن نهل المعارف، وحصد الثقافات، ومحاورة اهل الفكر. وكان شغفه في الحياة، النصح والصلح. لا يستعلي في الأخذ، ولا يبخل في العطاء. وعندما ذهب السياسيون الى الحرب والقتال، ونزلوا الخنادق، وأقاموا المتاريس، وهدروا  دماءهم ودماء سواهم، وفلسفوا الجريمة والخيانات، ظل يتنقل في ما بينهم، موزعاً الرايات البيض. لم يلوث يديه، ولا ضميره، ولا علاقته بوسادته. لا أرق، ولا قلق، ولا خوف إلا مخافة الله، ولا كبير إلا الضمير. يقول الزميل العزيز سركيس نعوم ان كورونا حرمت جان عبيد من الرئاسة. الأصح ان كرامته هي من حرمه وحُرم منه لبنان. فالسياسة وكورونا توأمان يتبادلان الشر والخراب، ويتوليان رمي الناس في الفقر والموت واليأس والقهر والزعل والاحزان الكاسرة. هو لم يؤذِ احداً ولا تسبب بالضرر لأحد. لم يسخّر الدولة لنفسه، ولم يمد يده الى مالها، ولم يستبد مرة بقوة المنصب. ولا في مرة كان المنصب أعلى منه. يوم تسلّم الخارجية، كان مثاله فيليب تقلا وفؤاد بطرس، ويوم تولى التربية كان مثاله غسان تويني. ويوم رفض الرئاسة مرتين، ولم يتوسلها اطلاقاً، كان مثاله كرامة جان عبيد وخلقه وتربية “أم ايلي”، التي ظل يستضيء بصلابيتها حين يضعف الآخرون. جميع الذين كتبوا وتحدثوا قالوا إننا خسرنا جان عبيد. منهم من قال إنه الماروني الأخير، ومنهم من قال إنه آخر الكبار، ومنهم من قال إنه آخر من جمع بين المارونية والعروبة. كل هذه الصفات كتبها بيمينه. الحقيقة وحدها تصنع الكِبَر. الزيف لا يصنع إلا التزوير، والتزوير قصير النفَس ضئيل الروح. في هذا الوداع الوطني والإنساني المدهش، اعطانا جان عبيد الدرس الأخير في حقوق المسيحيين. يحافظ المسيحي على حقوقه بمجرد ان يكون مواطناً ممتازاً. الذين صنعوا صورة المسيحي الفائق هم المسيحيون الفائقون. هم ألوف الذين لا نعرفهم، ولكن ايضاً مئات الأعلام. يقول الدكتور رضوان السيد ان 70% من الذين صنعوا لبنان المئوي كانوا من المسيحيين. شعرت بالخوف عندما بدأ العزف على “حقوق المسيحيين”. ما هي المناسبة؟ ما هي هذه الحقوق، ومن سوف يحملها او يعيدها اليهم؟ والحقوق، استناداً إلى اي “معيار”؟ العدد؟ السلوك الوطني الخالي من الحروب في ما بينهم؟ ما اظهروه من حفظ القانون والسيادة والنزاهة والترفع؟ الذي يطالب بالحقوق يجب ان يكون قد ابدع في ممارسة الواجبات، أو على الأقل قام بتأديتها في حدها الأدنى ولم يسهم في تعكير الحياة الطبيعية، وتلويثها، وتعريض لبنان، وتخريب الدولة. “حقوق المسيحيين” هي تلك التي سجلها للتاريخ اولئك المؤتلفة قلوبهم. اولئك الذين بنوا العلاقة الكبرى مع الاسلام والمسلمين. مارون عبود الذي تكنّى باسم “ابي محمد”، وبولس سلامة عندما كتب ملحمة “عيد الغدير”، ونصري سلهب عندما كتب سيرة محمد بن عبد الله، وبطرس البستاني، وناصيف وابرهيم اليازجي، واحمد فارس الشدياق، وبشارة الخوري عندما اصبح امير الشعراء، وجرجي زيدان عندما كتب “تاريخ التمدن الاسلامي” واصدر “الهلال” للعرب، وسليم تقلا عندما اصدر “الاهرام” في قلب مصر، والكسرواني (للأسف نسيت اسمه) الذي ظل حتى وفاته عن تسعين عاماً، مستشار القانون والشرع لأمير المؤمنين – الحسن الثاني – ملك المغرب، وبشارة الخوري الرئيس الذي كان العرب يترقبون خطبه في الإذاعات عند الظهر، كما يترقبون قصائد أم كلثوم عند المساء، وجبران تويني الذي عاد من مصر ليصدر “النهار” ويموت في تشيلي على منبر فلسطين، وميشال شيحا الذي كتب فيها اجمل ما كتب، وانطون سعادة الذي استشهد لها، وخليل حاوي الذي انتحر خجلاً بالمهانة، والأب ميشال حايك صاحب “المسيح في الاسلام”، وفيروز تغني “مكة” و”القدس” و”بيقولو صغيّر بلدي”، وسعيد فريحة ساحر العروبة الأغر، والبطريرك محمد بولس بطرس المعوشي، وجبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، والدوقة الرائعة مي زيادة، الآنسة التي جعلت كبار المصريين يتنافسون  على مجلسها كل ثلثاء: طه حسين، وعباس محمود العقاد، ومصطفى صادق الرافعي، وولي الدين يكن، ولطفي السيد. وامين الريحاني الذي جاب بلاد العرب يطالبهم بالوحدة، سبيلاً وحيداً الى الترقّي والقوة. هذه عيِّنة من المسيحيين الذين برروا قيام لبنان، وليس بينهم مدير أو وزير في النفط. وهؤلاء كانت منارتهم على مدخل بيروت، وليس في السدود الجافة. ومناراتهم في الخارج لم تكن اثرياء لاس فيغاس بل “الرابطة القلمية”، وداني توماس وكارلوس سليم، وكارلوس غصن. وبينهم من قال ايمانويل ماكرون، ان رؤساءهم لا يستحقونهم، ويقصد امين معلوف صاحب “الحروب الصليبية كما يراها العرب” وأول عربي في اكاديمية رشيليو. وجورج شحادة، واندريه شديد وسائر سحرة الفرنسية. لم يكن جان عبيد مثالاً على استحقاق (وليس حقوق) المسيحيين، بل منارة لها. كان يقال في مصر ان القبطي مكرم عبيد، إذا تحدث  اصغى إليه العلماء المسلمين. وفي لبنان كان الماروني جان عبيد، يحتكم اليه إذا اختلف فقهاؤهم. وجميعهم لم يختلفوا حوله. وفي غيابه ازدادوا اتفاقاً على مكانته. حقوق المسيحيين ان تكون فيهم وفي الكبار منهم. التعيينات والزبائنيات والمحسوبيات، ليست حقوقاً، بل اعتداء عليها. مجرد تسخيف لقضية جوهرية وجودية تمر الآن في اخطر مراحلها منذ اثارة “المسألة الشرقية” في زمن الترك. هذه القضية، كان جان عبيد خسارتها الكبرى. وكان غيابه خسارة لكل قضايا لبنان، ولكل لبنان. فقدنا الرجل الذي لم يضبط غاضباً مرة واحدة، ضناً بمواصفات الرئاسة واصول الحكم.   هذا الفيضان من المحبة في وداع جان عبيد، اعطى مفهوماً حاسماً لنظرية القوة. إنها زرع المحبة وحصد المحبين. إنها في ان تجر الناس خلف حكمتك لا ان تنجر خلف هياجهم. وعندما يعون، سوف يعودون الى صحوتك، ويبكون في صمت ما اضاعوه في الزعيق.

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.