العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

طرابلــس إن حَكَــت

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

أبشع ما قدمته وسائل التواصل الاجتماعي تعويدي على رؤية الإجرام. فمواقع الـ«فايسبوك» و«تويتر» وما يشبهها، تعمل على تنفيس الغضب في كلمات تبرد قبل نزولها إلى الشارع. كلمات منتفضة على الطائفية والفوضى، كُتبت أو قُرئت من دون أن تتحول إلى تحركات ميدانية في أغلب الأحيان.
ألاحظ أنّ عدد الذين يكبسون زرّ «أشارك» يفوق بكثير ذلك الذي نجده على الأرض، حين تنظم الاعتصامات. أين هي فلانة؟ أين هو فلان؟ حين أرى ما يكتبون على صفحاتهم أتفاعل معهم، أكتب بعض التعليقات أو أكتفي بوضع «أعجبني» تحتها. أدخل إلى المجموعة التي دعت إلى الاعتصام السلمي ضد الحرب الأهلية وأجدهم سيشاركون في اعتصام اليوم التالي. أفرح لأنني سألتقي من يشاطرني رأيي، وأتأمل أننا سنطالب معا بالسلم الأهلي داخل مدينتي طرابلس. لكنني أفاجأ في اليوم التالي بعدم وجودهم معي في الاعتصام.
الموقف نفسه ينطبق على اعتصامات إسقاط النظام الطائفي التي خفّ وهجها بعدما امتصتها بالوعات الغضب العنكبوتية. إلا الذين يحرقون الدواليب ويمارسون أعمال الشغب، أفاجأ بالحدث وبمشاركيه، لأنهم لا يدعون إلى هذه الأعمال عن طريق الـ«فايسبوك» مثلا!
لا أستطيع إنكار مزاجيتي الاجتماعية. ولكي أجنب غيري المطبّات التي وقعت بها، فلا أضخم وهم الخلاص الشعبي القريب، أصبحت لا أقابل هذه الدعوات إلى الاعتصام بأية إجابة. لا «أشارك» أو «لا أشارك» ولا حتى «ممكن»، لأنها تحمل الكثير من «ذلك الأمل القذر»، على حد تعبير أنتيغونا.

***

إعلان Zone 4

 
في الأيام الأخيرة، كنت أرابط في غرفة نومي حيث يلتقط جهاز «اللابتوب» الانترنت. وفي غرفة الجلوس يتسمّر أهلي أمام التلفاز، مرتقبين ملحق الأخبار أو الشريط أسفل الشاشة. لم تكن تمضي ربع ساعة من دون أن اركض إليهم حاملة جهازي ليقرأوا تحديثات الإخبار أو ما يقوله رامز في وكالته المحلية. حين يثنيني كسلي أو انسجامي بالخبر عن النهوض أتلو لهم المستجدّات عالياً، بما يشبه الصراخ. تستبق أخباري دائماً ما يقوله التلفزيون، فيعتريني شعور ساذج بأنّني أنا اليوم مورّدة الحقيقة، لا هم. أنا التي تعلم ما يفعله «الزعران» في الشارع، أنا التي أنبّههم عن الخطر المحدق خارج البيت، أنا التي أدركت الحقيقة أولا قبل أن تدركهم. أصبحت معرفتي تسبق معرفتهم.
هذا صحيح، لكن أعمالهم سبقت أعمالي بكثير.. فأنا أغار من والدي لأنه شارك في تظاهرات لتحرير الجزائر، وأخرى لأجل فلسطين، وتظاهرة طلابية استنكاراً للعدوان الثلاثي على مصر. كان ورفاقه الشباب يهبّون كالنار لابتلاع من اعتدى على نقطة دم واحدة في دولة عربية مجاورة. وبالآلاف شارك طلاب الثانويات في طرابلس أيام المطالبة بالتحرر من الانتداب الفرنسي. كانوا يثورون بجماهيرية دافقة على الرغم من عدم توافر الـ«فايسبوك» حينها.. أو ربما، بسبب عدم توافر الـ«فايسبوك» حينها.
لم يكُن سوى الشارع مجالاً لانفلاش الغضب، قبل أن تنتقل فنون الخطابة التي تلامس الادعاء، من حكام البلاد إلينا. نحن شباب ثائرون اعتدنا رؤية أبشع المناظر عن مسافة بعيدة، فأصبحنا اليوم غافلين عن ترجمة نياتنا إلى أفعال ملموسة.
ساعات طويلة أمضيتها على الانترنت، تغرقني في معادلة رياضية فيزيائية بحتة… أفكر لماذا لا نقللها ونضغطها إلى ساعة واحدة ننزل بها إلى الشارع؟ وبدل أن نغرّد على الـ«تويتر» نرفع صوتنا عالياً ضد الحرب الأهلية. ماذا يمنعنا؟
هذه القناعة جدّدت ثقتي بنفسي وبرفاقي وأبناء جيلي. وعدت أؤمن أن المشكلة الأساسية ليست في وطنيتنا، بل بقدرتنا على التحكم في مجالات التفريغ عن غضبنا. دليل آخر: تظاهرتان مليونيتان حدثتا عام 2005. بغض النظر عن تأييدي لمضمون القضية أو معارضتي له، أعتقد أنه لو كان الـ«فايسبوك» رائجاً في لبنان منذ سبع سنوات، لما انتقلت قضيتهم إلى الشارع محدثة منعطفات مصيرية في البلد.
أما اليوم، فأتمنى رؤية الملايين في الشارع، أن يكون إلى جانبي تسعمئة وتسعة وتسعون ألف لبناني في الشارع نطالب بأمننا واستقرارنا المشتركين.
أن ننزل ثورتنا من «اللابتوب» إلى الشارع، فقط.

***

بيتي في طرابلس أحبّه. بجانبه شجرة ياسمين وارفة، وإليه ينفذ عطر الليل ورائحة الليمون في كل ربيع. تحت شجرة الياسمين تواطأ بياض الزهر مع شعره. رجل مسنُّ يتفيأ بالياسمينة حاملا راديو «ترانزستور»، يقربه من أذنه وعلى حضنه يضع جريدة. كانت عيناه مجمّدتين في الحزن، وأي تعبير آخر لم أجد على وجهه.
لا يعرفني، ولا أعرفه، لكنّني أفهم حزنه.
جسرٌ واحد يمكن أن يصلني به، هو بضعة نصوص كتبها أصحاب لي في طرابلس. نريد معاً أن نبيّن لجيلنا، وجيل من سبقونا، إلى هذا الرجل، وأهلي وغداً أولادي، أننا يوما ما كتبنا، فسُجَلت قناعاتنا على ورق قد يحملونه، أو في نصوص إلكترونية تخترق صفحاتهم. لم ننسَ أننا بيدنا نكتب التاريخ، وعلى عاتقنا تقع مسؤولية تغيير وجهته. نحن لسنا مؤرخين، ولا محترفي كتابة، وبعضنا لا يهواها حتىّ. لكننا نحاول إظهار رؤيتنا الحقيقية لمدينتنا طرابلس، من العلاقة الإسلامية – المسيحية، إلى العلاقة العلوية – السنية. ففي مدينتنا محجّبة أمها مارونية، وفي شوارعها السيدات يعتصمن أكثر من الرجال. وإن كان الإعلام لا يلتفت إلا إلى أحوال أمنها المتوتر. بيننا أكثرية تؤمن بالتطوع والمبادرة الاجتماعية، يحبّون طرابلس على طريقتهم.
هذا الملف محاولة لتقريب صورتنا إليكم. أن نقف جميعاً أمام واقع طرابلس، لنعرف أولا من نحن، ماذا قدمنا لها وما ننتظره منها، قبل أن نتحرك، إن أردنا.
يومها أستطيع أن أخبر بالفم الملآن: «من أنا؟» لرجل عاش الثورة، لكنه يرتاح اليوم تحت ياسمينة، في انتظار معجزة نحن صنّاعها.

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.