العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

… والخيانةُ اللبنانيّةُ العظمى ما هو عقابُها؟

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

“لتخفّف عن نفسكَ، كنْ صادقًا”، يقول شكسبير في مسرحيته العظيمة، “هاملت”. وأنا أحاول عن أخفّف عن نفسي بكتابة الصدق الحارق، لكنْ من دون جدوى. فها هو الصدق يلاحقني في ليلي ونهاري، وأنا أعيش تردّدات الحالة اللبنانيّة الخطيرة، فأستعين بشكسبير مقتبسًا من مسرحيّته نفسها، لأقول إنّ ثمّة “روائح نتنة”، ليس في الدانمارك بل في الجوّ اللبنانيّ، وهي “روائح” لا تبشّر بالخير، بل تنذر بالشؤم، فأجدني أصرخ بالثلاث، منبّهًا ومحذّرًا: أنا خائفٌ على لبنان. أنا خائفٌ على لبنان. أنا خائفٌ على لبنان.

وبعد، سأفترض أنّ الأزمة لن تنفرج في القريب. ومَن يدري، فقد لا تنفرج إلّا بعد خراب الجمهوريّة وزوال الكيان. وسأفترض أنّ الدولار آخذٌ في الارتفاع التصاعديّ خلال الأيّام المقبلة، ولن يتوقّف عند حدٍّ معقول، وأنّ سعر صرفه مقابل الليرة اللبنانيّة سيتجاوز المبلغ المرقوم، بألف، بألفين، بثلاثة، بأربعة، وإلى آخره. وسأفترض، تاليًا، ومنطقيًّا، أنّ أسعار المواد الغذائيّة، وأسعار السلع الأساسيّة الأخرى، سترتفع بشكلٍ متوازٍ تقريبًا مع ارتفاع سعر صرف العملات الأجنبيّة. كما سأفترض، استنتاجًا، وبالمنطق نفسه، أن رواتب الناس ستتراجع قيمتها الشرائيّة تراجعًا مأسويًّا وكارثيًّا، بما يتلاءم انحداريًّا وعكسيًّا مع تصاعد جنون البورصة. ومن المنطقيّ، أنْ أفترض، في ضوء الافتراضات السابقة، أنّ الجوع سيفتك بالناس فتكًا ذريعًا، وأنّ فئةً كبيرةً من اللبنانيّين لن يكون في وسعها الحصول على الرغيف. وأنا أسمّي الرغيف باعتباره يحمل دلالةً رمزيّة، من شأن المساومة عليه، أو التهديد به، ابتزازًا وترهيبًا وترغيبًا وتطويعًا وتركيعًا، أنْ يؤدي إلى ما لا يمكن افتراضه أو تخيّله من شرور. نقطة.

 

إعلان Zone 4

سأفترض في المقابل، أنّ الأزمة السياسيّة المستفحلة لن تخرج من وراء المتاريس، بل سيرفع أطراف هذه الأزمة الدشم، بعضهم في وجوه بعض، وقد ينصبون المدافع، وقد يزرعون الألغام، وقد يستولي عليهم العماء الأرعن، بما يجعل حروبهم حروب إبادة وإلغاء، إمّا قاتلًا وإمّا مقتولًا، تيمّنًا بالمثل القائل: “عليَّ وعلى أعدائي يا ربّ”. وسأفترض أنّ الأمم لن تبذل أيّ جهدٍ للجم ما يجري في لبنان. وسأفترض أنّ رئيس الجمهوريّة لن يتزحزح قيد أنملة عن مواقفه، ومعه فريقه، وعلى رأس هذا الفريق رئيس تيّاره السياسيّ، مدجّجًا بشعاراتٍ مهيبة وفخمة، من مثل استرجاع حقوق المسيحيّين في السلطة. وسأفترض أنّ حلفاء رئيس الجمهوريّة، وفي مقدّمهم “حزب الله”، سيظلّون يجارون الرئيس في مواقفه، ما دامت تتلاءم مع سيطرتهم المحليّة، وتعزّز اندراجهم كحجر رحى أساسيّ في امتحان القوّة بين الولايات المتّحدة الأميركيّة والجمهوريّة الإسلاميّة في إيران. وسأفترض أنّ رئيس الحكومة المكلّف، لن يعتذر عن عدم التكليف، ولن يقدّم أيّ تنازلات (إضافيّة) في مسألة تأليف الحكومة، وأنّه ماضٍ في الدفاع عن الحقوق الدستوريّة (والمذهبيّة) التي أكسبه إيّاها اتّفاق الطائف. وسأفترض أنّ القوى السياسيّة الأخرى التي تتألّف منها الطبقة السياسيّة، ستبقى على مواقفها واصطفافاتها، بل ستؤجّح الاصطفافات القائمة بما يؤدّي إلى الانهيار النهائيّ الكامل.

¶ ¶ ¶
هذا كلّه، ليس افتراضًا على أيّ وجهٍ من الوجوه. إنّه وصفٌ واقعيٌّ – أبوكاليبتيٌّ للمشهد اللبنانيّ المنذر بالشؤم والخراب، والذاهب بخطى مسرعة إلى حيث لا رجوع.

قبل أسبوعين، اتصلتْ بي سيّدةٌ، مستحسنةً الشروح التي تضمّنتْها مقالتي عن “الحُثالة” السياسيّة التي تستولي على لبنان (“النهار”، 23/2/2021). وبعدما طيّبتْ خاطري، أردفتْ أنّ المقالة لم تَروِ غليلَ انتقامها، وإنْ كانتْ مقبولةً على العموم، وتحقّق الغاية المرجوّة منها. ذلك أنّ الواقع اللبنانيّ المأسويّ المَعيش هو – على قولها – أقوى من هذه الكلمة (الحثالة)، ومعناها، ومفاعيلها ودلالاتها. وذلك أيضًا أنّ الحُثالات مستمرّون في غيّهم التدميريّ حتّى النهاية، نهاية لبنان ونهاية اللبنانيّات واللبنانيين، من دون أنْ يرعوي هؤلاء المسؤولون من تلقائهم، ومن دون أنْ يمنعهم مانع.

قلتُ لها ما رأيكِ لو أتبعتُ ذلك المقالَ عن “الحثالة” بمقالٍ ثانٍ، إمعانًا في تفسير الحُثالة والحُثالات، من مثل أنْ تكون عباراته مقطّرةً تقطيرًا هجائيًّا متمهّلًا على طريقة “المزمزة”، وعلى غرار تقطير العرق البلديّ المثلّث، بحيث يكون المقال الثاني هديّةً ثانيةً محترمةً تليق بمقامات حُثالة الحُثالات، أي صفوة الصفوة ونخبة النخب؟ وضربتُ لها مَثَل زهرة الحشيشة، التي تنطوي على خلاصة خلاصات النبتة، تلك التي لا يدانيها صنفٌ ولا نوعٌ، مهما بلغت جودته. فاستحسنت ذلك أيّما استحسان.

ما إن صدر مقال “الحثالة”، حتّى انهالت عليَّ المترادفات التي تصف حُثالة الناس، من صديقةٍ لبنانيّة دكتورةٍ تقيم وتدرّس في فرنسا، ومنها: الأرذال، الأنذال، الأوغاد، الرعاع، السفلة، السوقة، الطغام، الهمج، الأوباش، الأقذاء، وإلى آخره. ومن مرادفات حُثالة الناس أيضًا: خساستهم، خِسّتهم، دناءتهم، سفالتهم، فسالتهم، نذالتهم، حقارتهم، ووغادتهم. هذه كلّها، وغيرها كثير، هي ذروة الحالة اللبنانيّة الراهنة، أي قعرها الذي لا قعر له. وهذا القعر هو جوهر الوصف المقصود، أي خلاصته، بل خلاصة الخلاصة.

فقلتُ في ذات نفسي: لا بدّ من أنْ أروي بعضَ غليلِ تلك السيّدة بالمعادلات الآتية، تيمّنًا بمعادلة “حُثالة الحُثالات”، وجريًا على مثالها، بإطلاق “وصفة” أرذال الأرذال، وأنذال الأنذال، وأوغاد الأوغاد، ورعاع الرعاع، وسَفَلَة السَّفَلَة، وسوقة السوقة، وطغام الطغام، وهمج الهمج، وأوباش الأوباش، وأقذاء الأقذاء، تكريمًا لـ”صفوة الصفوة” الحاكمة و”نخبة النخب” السياسيّة التي (الذين) أوصلت “دولة لبنان الكبير” إلى ما وصلت إليه.

وإذا كانت الحُثالة تعني، في جملة ما تعنيه، ما يتبقّى في قعر الوعاء أو المكان، من بقايا لمادةٍ تمّت الافادة من عناصرها ومكوّناتها وأصبحت بلا فائدة من أيّ نوع، فيجب – والحال هذه – التخلّص منها، بحسب ما تقتضيه ضرورات سلامة البيئة (أو سلامة الجمهوريّة).
كتب لي صديقٌ كبير، هو علّامةٌ وعَلَمٌ ومفكّر، قال: “”الحثالة” عندنا، يا صاح، هي بالضبط ما يطلق عليه “الخبراء”، في أيّامنا هذه، اسم “النخبة”! طاب صباحك!”.

على سيرة هذه “النخبة”، أختم بما يأتي، منبّهًا ومحذّرًا من الخطر الداهم: اتّهم وزير خارجيّة فرنسا “نخبة” المسؤولين السياسيّين اللبنانيين – جميعهم أيًّا كانوا – بعدم تقديم المساعدة لبلادهم التي تواجه خطر الانهيار، وبالتقاعس عن التصدّي لهذا الخطر. فإذا كان هذا الاتّهام صحيحًا – وهو صحيح – ألا يعني ذلك أنّ هؤلاء المسؤولين السياسيّين اللبنانيّين – جميعهم أيًّا كانوا – يواجهون تهمة #الخيانة العظمى؟!
… وهذه الخيانة العظمى، يا ترى، ما هو عقابُها؟!

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.