العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

العشائر في مواجهة «الدولة الأمنيّة»

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

إزاء انتشار فوضى خطف سوريين في لبنان، طلب مجلس الوزراء من القضاء إصدار استنابات بحق الخاطفين، تمهيداً لملاحقتهم. لكن ألا تستدعي مكافحة الجريمة معالجة أسباب وقوعها وتفاقمها، أم أن استعراضات «الضرب بيد من حديد» هي الحلّ؟

عمر نشابة

إعلان Zone 4

كلّف مجلس الوزراء أوّل من أمس وزير العدل شكيب قرطباوي إصدار استنابات قضائية لتوقيف كلّ مَن خطف رعايا سوريين وأجانب، و»كل مَن ساهم في تشويه صورة لبنان» وذلك بموافقة وزراء «حزب الله» وحركة «أمل» الذين دعوا القوى الأمنية والعسكرية إلى «الضرب بيد من حديد»، علماً بأن المعالجة تستدعي إزالة الأسباب التي أدّت الى الفوضى، لا إطلاق خطابات عالية النبرة.
على أي حال، قرّر المجلس تشكيل «خلية أزمة» لمتابعة ملف المخطوفين اللبنانيين في سوريا. وكان لافتاً قول رئيس الجمهورية ميشال سليمان إن «ما رافق ردّة الفعل على هذا الموضوع كان سيّئاً ومسيئاً للبنان ولعلاقاته مع الدول الشقيقة والصديقة» من دون التنبه إلى الإهمال الذي عاناه ويعانيه ذوو المخطوفين والذي أدى الى ردّة الفعل هذه، إذ إن «خلية الأزمة» لم تُشكّل بعد اختطاف الحجاج اللبنانيين الأحد عشر منذ نحو ثلاثة أشهر ولا بعد اختطاف حسان المقداد وظهوره عبر الشاشة بعد تعرّضه للتعذيب (كما بدا)، وإكراهه على «الاعتراف» بأن السيد حسن نصر الله «أمره بقتل السنّة». لم يأت تأليف تلك الخلية إلا بعد «ردّة الفعل على هذا الموضوع» أي بعدما أخذت عشيرة آل المقداد زمام المبادرة وقرّرت السعي بنفسها لاستعادة ابنها حسّان من خاطفيه المزعومين بالقوة.
وكان وجهاء عشيرة آل المقداد قد أعطوا مهلة قبل إطلاق عنان «جناحها العسكري» مرّت من دون أن تصدر إشارة واضحة عن المسؤولين في الدولة اللبنانية بأنهم يبذلون أقصى الجهود لتحرير الشاب المخطوف. وبالتالي اقتنع أفراد العشيرة ومعهم العشائر الأخرى وشريحة لا يستهان بها من اللبنانيين، بعد نفاد المهلة، بأن دولتهم لا تتحمل مسؤولية سلامتهم، وعليها بالتالي أن تتحمّل مسؤولية الفوضى التي نجمت عن ذلك.
رئيس مجلس الوزراء، نجيب ميقاتي، أعلن أول من أمس مهدّداً أن «هذه الاستنابات (بحق آل المقداد الذين خطفوا سوريين وتركياً لمبادلتهم بابنهم) ستصدر قريباً». صحيح أن القانون اللبناني يعاقب كلّ من أقدم على احتجاز أشخاص بالقوة، مهما كان السبب، لكن تهديدات الرئيس ميقاتي لا تعالج المشكلة، بل تزيد من تفاقمها. فسيضاف مئات الخاطفين والمحرضين على الخطف الى عشرات آلاف المطلوبين للعدالة في محافظة البقاع الذين صدرت بحقهم استنابات ومذكرات توقيف وأحكام غيابية وطلبات أنتربول. ويتوزّع المطلوبون في البقاع على أربع فئات من الجرائم: المخدّرات والقتل والسرقة والمخالفات (السير، البناء، الأرض المشاع…). وصحيح أن النائب البقاعي غازي زعيتر كان قد أكد أن أعداد المطلوبين في البقاع هي أقل مما يُذكر في وسائل الإعلام (يتردد رقم 35 ألف مطلوب). لكن على الرغم من ذلك، فإن عدد المطلوبين يصل الى نحو عشرة آلاف. غالبية هؤلاء مطلوبون بمخالفات تحوّلت إلى أحكام جزائية، فيما العدد الآخر يتعلق بأشخاص متهمين أو محكومين بالضلوع في جرائم المخدرات والقتل والخطف والسرقة والسلب. وإضافة الى عجز القوى الأمنية والعسكرية عن القبض على جميع المطلوبين بسبب قوتهم المسلحة وعددهم الكبير وبسبب البيئة العشائرية الحاضنة لهم، فإن جميع السجون والنظارات في لبنان لا تكفي مساحاتها لاحتجازهم.
وإذا نجحت قوى الأمن والجيش في القبض على جميع المطلوبين، فلا قدرة لمراكز التحقيق وللنيابات العامة والمحاكم على بتّ ملفات هؤلاء بسبب النقص في الموارد البشرية وفي التجهيزات وبسبب ضيق المساحة في نظارات قصور العدل وقاعاتها. أما المشكلة الأكثر تفاقماً فهي معاناة عوائل الموقوفين التي يحرم أفرادها من موارد العيش الكريم، في ظل غياب برامج التكفّل الرسمية. ويدفع الفقر والحرمان أبناء الموقوفين في كثير من الحالات الى عالم الجريمة، وبذلك تستكمل الحلقة المفرغة وتفاقم الدولة المشكلة بدل أن تعالج اسبابها.

انتقائية مفرطة

عمد ذوو المخطوفين اللبنانيين في سوريا خلال الأيام الفائتة الى إقفال طريق المطار للضغط على الدولة للتدخل سعياً لتحرير أبنائهم. استنفرت الدولة لإعادة فتح الطريق، وأكّد الرئيس نجيب ميقاتي أول من أمس وجود الضمانات اللازمة لإبقاء طريق المطار مفتوحة. قال إن «طريق المطار لن تقطع بعد اليوم». واجتمع أمس مجلس الأمن المركزي ليبحث في قضية واحدة دوّنت بمفردها على جدول أعماله: طريق المطار. أما إقفال الطريق التي تؤدي الى الجنوب من قبل شيخ وأتباعه لأسابيع فلم يستدع استنفار الدولة، على الرغم من شكوى الأهالي وادعائهم بأن الشيخ اعتدى على بعض منهم. ولم يخرج رئيس الحكومة ليعلن بعد رفع اعتصام الشيخ، عن «ضمانات» لإبقاء الطريق مفتوحة.
إن تعامل الدولة الانتقائي لأسباب سياسية مع بعض الحوادث الأمنية وبعض الملفات القضائية زاد من حجم الانقسام، إذ شهد لبنان خلال الأشهر الفائتة إطلاق سراح شاب اشتبه فيه القضاء بـ«الانتماء إلى تنظيم إرهابي مسلح وارتكاب الجنايات على الناس والأموال والنيل من سلطة الدولة وهيبتها»، مع خمسة أشخاص آخرين، بينهم شخص من الجنسية القطرية (أفرج عنه سريعاً)، بينما أعيد توقيف ثلاثة ضباط في الجيش اللبناني اشتبه فيهم بقتل شيخ ورفيقه في الشمال. وجاءت هذه الخطوة عقب قرار مجلس الوزراء الذي قضى بالتوسع في التحقيق في هذا الملف والذي وضع حداً لحركة الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها عكار. هنا أيضاً تحرّكت الدولة بعد انتشار حال الفوضى بدل أن تعالج الأسباب قبل وقوعها. وفي إشارة واضحة الى الانتقائية في التعامل مع حالة على حساب أخرى، اختار مجلس الوزراء طلب التوسع في التحقيق في قضية مقتل الشيخ، بينما جمّد التحقيق في ملف التنظيم الإرهابي.

«أمن الدولة العام»؟

الرئيس ميقاتي طلب من الوزير قرطباوي أول من أمس ملاحقة «كلّ من تطاول على أمن الدولة العام»، من دون أن يستدرك أن الحفاظ على «أمن الدولة العام» يستدعي معالجات شاملة على المدى الطويل، عجزت حكومته والحكومات المتعاقبة عن تأمينها. فمعاناة أبناء البقاع، رغم كلّ الوعود، لا تزال هي هي، بل هي في ازدياد، حيث تشهد المنطقة ضعفاً في المشاريع التنمويّة ومشاكل المياه والكهرباء المتفاقمة، ومشاكل المدارس والاستشفاء. فتعاني المدارس الرسمية اكتظاظاً ويعوزها الكثير من التجهيزات اللوجستية وتوسيع أبنيتها التي تفتقر الى المواصفات التعليمية التي أقرتها لجنة التربية النيابية. وتتفاقم مشكلة البطالة في البقاع، حيث يعاني الشباب والشابّات انعدام فرص العمل.
أما نهر الليطاني الذي يشكل شريان الحياة الرئيسي في منطقة البقاع، بدءاً من بعلبك وانتهاءً ببحيرة القرعون ومداها السياحي التنموي في البقاع الغربي خاصة والبقاع عامة، فأهملته الدولة حتى تحوّل الى مجرور طويل يستقبل مياه الصرف الصحي للقرى والبلدات والمدن ولنفايات المعامل الخطرة الصلبة منها والسائلة. والأسوأ هو عدم تعزيل مجراه وتنظيف القنوات المتصلة به، فيأتي الشتاء بأمطاره فيفيض مستبيحاً المناطق الواقعة على ضفتيه.
أما القطاع الزراعي، فحدث ولا حرج. ويضاف ارتفاع كلفة المدخلات الزراعيّة، كاليد العاملة والمياه واستثمار الأرض وتوفّر المحروقات والكهرباء وغيرها، الى غياب السياسات والخطط الزراعيّة المناسبة. ويعاني القطاع الزراعي في البقاع كذلك الترسبات الكيميائية والمبيدات الزراعية في منتجات الخضار والفواكه، وإقفال الأسواق العربية والأوروبية أمام منتجاته الزراعية.
كلّ ذلك يدفع بعض المواطنين في البقاع الى زراعة الممنوعات. وهنا تتدخّل الدولة، لكن ليس بالمال والخدمات بل بقوة السلاح والقمع بهدف إتلاف المزروعات الممنوعة، من دون أن توفّر الزراعات البديلة.
أضف الى كلّ هذه المشاكل التي تؤدي الى غياب «أمن الدولة العام»، مشكلة النازحين السوريين إلى البقاع. ولا يمكن حصر حجم التوافد السوري الذي تصاعد في الأيام الأخيرة بالأرقام المسجلة عند الجمعيات والهيئات الدولية، إذ إن حجم التدفق السوري الفعلي إلى البقاع قد يتجاوز عشرات المرات حجم المسجلين، وفق «المفوضية العليا لشؤون اللاجئين» التابعة للأمم المتحدة. ومع وصول الاشتباكات إلى مدينة حلب وأحياء العاصمة السورية، توسعت رقعة النازحين السوريين إلى البقاع، في ظل استحالة استيعاب المزيد منهم. فقد استنفدت الشقق والمجمعات السكنية والغرف. وباتت العائلات تتوافد إلى بعضها البعض، لتكتظّ تلك الأماكن يوماً بعد يوم بنازحين جدد. ذلك على الرغم من فتح بعض أبواب المدارس أمام الوافدين.


كيف تفقد الدولة سلطتها

إن تشجيع الناس على احترام القانون يستدعي اتخاذ الدولة قرارات تستند الى قدرتها على إلزامهم بمقتضياته. وإذا كانت الدولة عاجزة عن إلزام الناس بالرضوخ لقانون ما، فإنه يفضّل إلغاء ذلك القانون أو تجميد العمل به حفاظاً على مكانتها بين الناس، إذ إن العجز عن فرض القانون يسقط الدولة، وقد يمنعها من فرض سلطتها في مختلف المجالات. عمدة مدينة نيويورك في منتصف القرن الماضي، فيوريلو لاغوارديا، رفض إلزام سكان المدينة بتطبيق قانون تجريم تدخين الماريجوانا (القنب الهندي) الصادر عام 1937 لأن الشرطة في المدينة لم تكن قادرة على ملاحقة مخالفي هذا القانون بسبب تفاقم أعدادهم وبسبب انتشار تدخين الماريجوانا انتشاراً واسع النطاق. وبرّر لاغوارديا تجميد تطبيق هذا القانون بضرورة الحفاظ على سلطة الدولة التي تتطلّب القدرة على فرض القانون. أما في لبنان، فقد سقطت سلطة الدولة لأنها تدعو الى احترام قوانين هي عاجزة عن فرضها، فكيف يمكنها توقيف 10 آلاف شخص مطلوبين للقضاء؟

 

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.