العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

تراجع أوضاع القضاء والأمن منذ 2005

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

يصعب استتباب الأمن في لبنان مع استمرار غياب سلطة تحكم بين الناس بعدل وإنصاف من خلال المؤسسات القضائية والأمنية. وبينما يعدّ استقلال القضاء أحد أبرز الأسس التي يبنى عليها نظام العدالة، يبدو أن لبنان يشهد تراجعاً في هذا المجال منذ رفع شعار «العدالة لأجل لبنان» عام 2005

عمر نشابة

إعلان Zone 4

إن العفو عن جرائم أمراء الحرب عام 1990، من دون اعترافهم بذنوبهم ومن دون الكشف عن مصير آلاف ضحايا جرائمهم المفقودين حتى اليوم، لا يمنع تكرارها على أيدي غيرهم من «الأمراء» وما أكثرهم اليوم في لبنان. وبينما تركّز وسائل الاعلام على العناصر السياسية الاقليمية والدولية والمحلية في إطار محاولتها تحديد أسباب انهيار الوضع الأمني، لا بدّ من التطرق إلى الخلل المستمرّ والمتفاقم الذي يعاني منه نظام محاسبة كبار المجرمين في لبنان. فعلى الرغم من اعتراف معظم أمراء الحرب السابقين بالأعطال التي تعاني منها المؤسسات القضائية والأمنية بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، وعلى الرغم من تخصيص المليارات لإصلاح قطاع القضاء والأمن، يستمرّ انهيار «دولة القانون والمؤسسات»، إلى أن وصلت أوضاع البلد اليوم إلى انتشار مسلّحين (ملثمين وغير ملثمين) في الطرقات والأزقة، وخطف بلا هوادة، وانتشار الدعارة والمخدرات، وإقفال الطرقات العامة بالقوة، وتهديدات بالقتل، وتهريب أسلحة ومتفجرات من لبنان وإليه، إلى آخره.
في المقابل، تتحرّك «الدولة» بواسطة أجهزة أمنية واستخبارية يعدّها المواطنون منحازة لطرف على حساب آخر («شعبة» المعلومات بقيادة العميد وسام الحسن لقوى 14 آذار مقابل الأمن العام بقيادة اللواء عباس إبراهيم لقوى 8 آذار)، وقوى عسكرية مترددة بسبب حذرها من إثارة غضب إحدى الطوائف التي يسعى رئيس الحكومة إلى كسب زعامتها، وبسبب حذرها من إثارة حفيظة الطوائف الأخرى، وقضاة وضعوا نصب أعينهم طموحاتهم ومصالحهم مع اقتراب موعد التشكيلات القضائية، ومجلس نواب (أو المجلس المنتخب لأمراء وزعامات وأصحاب الثروات) عاجز، بإرادته الذاتية، عن مساءلة الحكومة ومحاسبتها، وآليات رقابة لا ناقة لها ولا جمَل.
أشار المكتب الإعلامي في قصر بعبدا إلى أن رئيس الجمهورية ميشال سليمان شدد أخيراً في اتصالاته مع المسؤولين القضائيين والأمنيين المعنيين على أن «المطلوب من السلطات القضائية إصدار استنابات قضائية في موضوع الخطف والمواضيع الأمنية الأخرى». لكن لم يترافق هذا الكلام مع أي خطوة جدية لمعالجة مشاكل عجز الأجهزة الامنية والعسكرية عن توقيف المشتبه فيهم وعجز المؤسسات القضائية عن بتّ ملفاتهم بسبب نقص في الموارد البشرية والمادية، وعجز المرافق العقابية عن استيعاب أعدادهم الكبيرة (أكثر من 10 آلاف مطلوب مقابل سجون ونظارات لا تستوعب أكثر من 4 آلاف شخص). وبالتالي، فإن كلام الرئيس سليمان يمكن تصنيفه شعاراً سياسياً يفترض أن يحاسب مجلس النواب الحكومة على عجزها عن تطبيقه. وأكد رئيس مجلس النواب نبيه بري في هذا الإطار وجود ما يستدعي المساءلة والمحاسبة البرلمانية عبر إعلانه أنه «ليس من حاضن للجميع سوى الدولة رغم القصور والتقصير». واستعاد بري لغة أمراء الحرب عبر تهديده من يقطع طريق المطار بـ«قطع يده» بعد أن تبيّن فشل الخيار المؤسساتي في ضبط الوضع.
يعلم وزراء الداخلية والعدل والدفاع كما تعلم قيادات الأجهزة الامنية والعسكرية وجوب استنساب تطبيق المذكرات القضائية الصادرة بحق المتهمين بارتكاب الجرائم أو المحكومين بارتكابها. يُعرف ذلك بمصطلح مسلّم به وهو «الأمن بالتراضي»، تتخلّله بعض الانفراجات بـ«رفع الغطاء» عن البعض وعدمه عن البعض الآخر. إن المرجع الاساسي لهذه الصيغة «التوافقية» هو نظام المحاصصة القائم منذ اتفاق الطائف، والمرتكز على منطق «أهل مكة أدرى بشعابها» أو بعبارات أكثر وضوحاً «حاميها حراميها». ولا شك في أن لهذا المنطق منافع كثيرة، خصوصاً لجهة تبلور رؤية واقعية لمعالجة المشاكل الأمنية ولناحية قابلية التنفيذ عبر فرض سلطة الدولة. حيث إن الدولة هي وليدة المجتمع، ولا تكون فعّالة إذا كانت تتألف من نخبة منفصلة عن التيارات السياسية والطائفية والاجتماعية الاساسية التي ينتمي اليها معظم المواطنين. أما تقدم انتماء اللبنانيين إلى وطنهم على الانتماءات الاخرى وتحديد المواطنين أولوية المصالح المشتركة على المصالح الفئوية أو المصالح الخارجية فيعني فئة منهم دون غيرها. لكن سبب عجز نظام «الأمن بالتراضي» عن حلّ المشاكل التي يعاني منها لبنان اليوم هو النفوذ الذي يتمتع به أمراء الحرب السابقون في المؤسسات القضائية والأمنية في ظلّ غياب القواعد الثابتة.
علت الاصوات الداعية إلى إحقاق الحقّ منذ اغتيال الرئيس الحريري عام 2005 ورفع شعار «العدالة لأجل لبنان» عالياً، وتجمهر مئات الآلاف دعماً لذلك. ولم يكن هناك انقسام بين الأفرقاء حول هذا الشعار، بل حول توظيفه سياسياً لصالح فريق على حساب آخر، الأمر الذي أفرغه من مضمونه. لكن «العدالة لأجل لبنان» لا تعني إجماع اللبنانيين بقدر ما تعني بناء المؤسسات المستقلة عن مصالح كلّ منهم، والتي تؤمن تلك العدالة الصادقة. ولوضع الإصبع على الجرح تُحدد مكامن الخلل بالمحاور الآتية:
1 ــ تفاقم التدخل في عمل القضاء
يشاع الحديث عن قضاة «محسوبين» على فريق سياسي أو طائفي محدّد. آخر الإشارات التي تؤكد ذلك اقتناع فئة لا يستهان بها من اللبنانيين، عن حقّ أو عن باطل، بانحياز المدعي العام بالإنابة إلى قوى 14 آذار بعد إشرافه على قضية الوزير السابق ميشال سماحة. كذلك أشيع اقتناع شريحة من اللبنانيين بانحياز القضاء العسكري إلى طرف سياسي في قضية مقتل الضابط سامر حنا. وأشيع اقتناع فئة من اللبنانيين بانحياز قاض آخر إلى فريق سياسي إثر إطلاقه سراح ضباط مشتبه فيهم بقتل الشيخ عبد الواحد. لكن في هذه الحالة تدخّلت السلطة التنفيذية مباشرة لدى القضاء، طالبة «التوسّع في التحقيق»، أي إعادة توقيف الضباط.
لكن الجانب الأكثر إضراراً باستقلالية القضاء يبرز في استباق قراراته وإصدار الاحكام عن وزراء وضباط وشخصيات سياسية عبر وسائل الاعلام. فيمكن الحسم مثلاً بأن «الحكم» على سماحة وعلى ضباط الجيش الموقوفين في قضية الكويخات قد صدر وعمّم، فهو مذنب في أذهان فئة من اللبنانيين وبريء بالنسبة إلى فئة أخرى منهم، تماماً كما هي حال الضباط وغيرهم، مثل المشتبه فيه شادي المولوي، على الرغم من إطلاق سراحه.
2 ــ تزايد الاقتناع بانحياز الضابطة العدلية
زاد تصنيف المؤسسات الأمنية والضابطة العدلية في لبنان سياسياً وطائفياً إلى حدّ تكرّس بين الناس انحياز الأمن العام مثلاً إلى قوى 8 آذار و«شعبة» المعلومات إلى قوى 14 آذار. أما ضباط الاجهزة الأمنية الاخرى فكلّ منهم يصنّفه معظم الناس سياسياً بحسب طائفته، حتى لو كان ذلك غير صحيح.
بعض الضابطة العدلية يسرّبون مضامين تحقيقاتهم والأدلة الجنائية عبر وسائل الاعلام بهدف إقناع الجمهور بأنهم يقومون بعملهم مستندين إلى إثباتات دامغة، على الرغم من أن تقويم قيمة الأدلة يعود حصراً إلى المحكمة. والبعض الآخر يسرّب للتوظيف السياسي، علماً بأن ذلك لا يغيّر من اقتناع البعض ببراءة المتهم أو ذنبه استناداً إلى الولاء السياسي أو الطائفي.
3 ــ استمرار الافتقار إلى الكفاءة المهنية
باستثناء فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي، يستمرّ تراجع الكفاءات التقنية والعلمية في مختلف الأجهزة الامنية وفي المؤسسات القضائية. فالشرطة القضائية مثلاً تعاني من نقص حاد في الموارد، على أمل أن تجري معالجة ذلك بعدما نقل إليها أحد أبرز ضباط «المعلومات». أما النيابات العامة، فما زال يفتقر القضاة المشرفون على التحقيقات الجنائية فيها إلى المعرفة التي يمتلكها بعض الضباط. ويجد القاضي نفسه أحياناً مضطراً إلى تأكيد ما يقوله ضباط التحقيق بدل أن يُخضعهم لأوامره ويلزمهم بسلطته.
4 ــ تمديد تعطيل المساءلة والمحاسبة
إن الانقسام السياسي والشرخ الطائفي والمذهبي يمدّدان تعطيل المحاسبة، حيث يتردّد مسؤول من طائفة محددة في محاسبة ضابط أو موظف من طائفة أخرى. وفي المقابل، يجد بعض الضباط وحتى القضاة أنفسهم مضطرون إلى زيارة المرجعية التقليدية للطائفة التي ينتمون إليها إذا أرادوا الترقية أو احتلال مركز محدّد، أو إذا طلبوا «حماية» من المساءلة. وللاستدلال على ذلك يمكن مراقبة حركة زيارات القضاة إلى المرجعيات الطائفية قبيل وضع التشكيلات القضائية.
أخيراً، لا بدّ من الإشارة إلى تراجع الوعي الاجتماعي والمسؤولية الوطنية، حيث ترجّح التوقعات أن الانتخابات القادمة ستجدد نفس نتائج الانتخابات السابقة مع فارق بسيط. وفي ذلك تخليد لأمراء الحرب السابقة وتأسيس لأمراء حرب محتملة في المستقبل.


أنواع الإفلات من العقاب

يمكن تمييز خمسة أنواع من حالات الإفلات من العقاب المنتشر على نحو واسع في لبنان: 1 ــ قد يتحرّك القضاء لملاحقة مشتبه فيهم في بعض الحوادث، لكن بسبب النقص في الموارد البشرية والمادية أو بسبب تعذّر التبليغات القضائية، لا تتابع القضية، ويبقى الجناة من دون ملاحقة؛ 2 ــ لا يتحرّك القضاء بسبب تدخل جهات حكومية أو غير حكومية نافذة لـ«حلّ المشكلة»، فتتم المعالجة عن طريق التراضي والمصالحة أو بواسطة الإخضاع بالقوة؛ 3 ــ يتعذّر توقيف المتّهم فيصدر القضاء حكماً غيابياً بمعاقبة المذنب، لكن يتعذّر توقيفه بسبب الحماية التي يتمتّع بها؛ 4 ــ يحاكم المتهم ويصدر بحقه حكم بالسجن حيث يحظى بمعاملة استثنائية تؤمن له فيه جميع وسائل الراحة والتسلية خلافاً لسائر السجناء؛ 5 ــ يتحرّك القضاء ويصدر قرارات وأحكاماً بحقّ المجرم ويجري توقيفه فيصدر قانون عفو عام بحقه يطلق على أثره سراحه ويعود إلى الممارسات نفسها التي سبقت توقيفه.

 

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.