العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

الراعي في عكار: ماروني أرثوذكـسي

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

زائراً قرى لم يسمع بها بعض العكاريين أنفسهم، قصد البطريرك بشارة الراعي عكار، أمس، في زيارة تستمر لثلاثة أيام، لا يترك خلالها أرضاً مارونية مأهولة في عكار إلا يحجّ إليها، متوقفاً في محطات تتيح لنواب المستقبل التصالح مع بعض ناخبيهم والتراجع عن بعض مواقفهم

غسان سعود

ينتهي الطريق الجبلي الخلاب عند بشاعة عمرانية تنوء بموجبها المنازل الحجرية الجميلة القديمة بأثقال باطون حديث لا يترك للصلح مع الجمال مطرح. وتضيع معالم الأدراج التي رصفت حجارتها الصغيرة بعناية فائقة وسط الزفت. فيما تحفظ أشجار السنديان قدرتها على تظليل حيّ برمته، ليس فقط شارعاً أو داراً. في قمة جبل أرثوذكسي من جهة، وسني من الجهة الأخرى، تقع القرى. لم يسبق لأهاليها أن استقبلوا ضيفاً برتبة بطريرك: قبل خمس ساعات من وصوله، يتجمهرون في الساحة التي سيطلقون عليها اليوم (أمس) اسم بشارة الراعي.
في الوصف الطائفي للقرى، هي قرية مارونية. أما فعلياً، فهي واحدة من بلدات الجرد العكاري، ليس في انتماء أهلها المذهبي ما يميزهم بأي شيء عن جيرانهم. ها هم المسنّون يعصبون رؤوسهم بكوفيات بيضاء وحمراء وينطلقون مع الصباح الباكر إلى أحراج التفاح والمشمش واللوز، فيما البعض الآخر يقود غنماته إلى فتوحات خضراء جديدة. فليمت أصحاب المواقف المسبقة بغيظهم: هم سمر، يكدحون في أرضهم، تخبر تجاعيد وجوههم كما شرايين أياديهم عن فلاحة الأرض وزراعتها. ومهما برع الفتّان في استفزازهم فلن يبدّلوا رأيهم بجيرانهم: «السياسيون يأتون ويذهبون ويعيشون برفاه في بيروت، أما نحن وجيراننا فمصيرنا واحد»، تقول إحدى السيدات. ونسائهنّ المسنّات يخفين شعرهنّ خلف حجاب رقيق، رقة ابتساماتهن. هنا اليوم عيد أو عرس أو ما يشبه ذلك. كل الثياب جديدة، ألوانها تبهج: صفراء، خضراء و«زهر فاقع». تقرع الأجراس. يتسابق على الجرس الكبار والصغار. يشدهم حبله صوب السماء ثواني، ويعيدهم. يملأ رنين الجرس الجرد كله. وقبل ساعة من الموعد المنتظر، يتلاقى في البلدة معظم فاعليات الجرد كله. يعني الرجل المتفرج وزوجته من شرفة منزله على الجمع التفات البطريرك إليهما: «هذا بطريرك الموارنة الذي يزورنا. صاحب المجد كله يأتي إلينا». يصرّ على أن يشرب الضيف القهوة ويتابع: «أشرحها أكثر لك؟ يا حبيبي، هذا أحد رسل المسيح، يأتي طارقاً بابي وتسألني عما يعجبني بالموضوع؟». يتدخل جاره: «نحن بالبيروتي العادي نحتفل، وإذا مر مطران أو نائب أو وزير ببلدتنا نتحدث أسابيع عن مروره، فكيف الحال وبطريركنا يزورنا؟». ويقول آخر: «نحتاج إلى من يشعرنا باهتمامه بنا، أو أننا نعني له شيئاً».
في انتظار البطريرك، يوقع النائب السابق وجيه البعريني المنتظرين في كل محطة بالفخ. ما إن يصل موكب ضخم حتى يظنه المحتشدون سيدهم، فينثرون على سياراته الأرز والورود ويهرعون متقاتلين متدافعين ليفتحوا له الأبواب. وأخيراً، يصل البطريرك. تتبارى الأجراس والفرقة الموسيقية ومكبرات الصوت. وتنطلق راقصات الزفة في هزّ الخصر، فيما طبل الكشافة يرعد والأبواق، أما الخراف فتحت أقدام الراعي، تنحر: واحد اثنان ثلاثة، يستعرض الجزار سرعته في الذبح، أربعة خمسة ستة، فيرفع الراعي يده، طالباً العفو عما بقي من القطيع. ويشق البطريرك طريقه وسط الزغردات القروية، القبل، الورود، الأيادي المتهافتة للمسه والأرز. لا يمكن من لا يقف بين الراعي ومقبليه فهم ما تفعله زياراته لتلك المناطق البعيدة. هنا تفهم الابتسامة التي يلتبس مغزاها وتوقيتها على الشاشات، واليد الملوّحة والفم المقبل. يمكن في زحمة الحشد رؤية ضحكهم على الشرفات، أو رؤية رجل يرقص في مكانه أو رؤية إيمانها يدفع أعوامها التسعين صوب يده لتقبّلها وتعود بسعادة استثنائية إلى كرسيها.
هوذا جوهر الزيارة البطريركية لقرى عكار، سواء النائية أو القريبة من مركز المحافظة. أما برنامج البطريرك، فبدأه أمس منذ الثامنة والنصف صباحاً عند وصوله إلى مركز الأبحاث العلمية الزراعية في العبدة، ليستقبله نواب القضاء ومرافقوهم. يستهل النائب هادي حبيش البرنامج مرحّباً بالراعي في «أرض الجيش اللبناني»، كاشفاً أنه «لولا دعاء الله لما كانت عكار اليوم تستقبلكم». أما زميله خالد ضاهر فطمأن القلقين: «نحن مأمورون شرعاً بأن نكون يداً واحدة من أجل لبنان». وعلى نغمات تنويه ضاهر بدور الجيش، كاد الشيخ أسامة الرفاعي أن يغني لـ«عكار حاضنة الجيش». وانطلاقاً من مبادئ المعاملة بالمثل، رد الراعي مثنياً على تضامن عكار مع النازحين السوريين إنسانياً وروحياً و«فوق ذلك»، شاكراً «سيدة الانتقال لحمايتها عكار من تفجيرات كانت تهيئها أيادي الشر والضمائر الميتة». وعليه، تسلم الراعي من رئيس اتحاد بلديات وسط وساحل القيطع أحمد المير مفتاح المنطقة، ليضيفه إلى علاقة مفاتيحه الكثيرة. أما في مطرانية الروم الأرثوذكس، فرحب المطران باسيليوس منصور بضيوفه في «ربوع أجمل مناطق لبنان والشرق الأوسط»، مغدقاً على ضيفه الهدايا، دون أن يصل إلى حد إعطائه مفتاح المطرانية. أما البطريرك فأكمل البرنامج: «جعلني اسقبالكم أشعر بأنني ماروني أرثوذكسي».
وبعيداً عن الأنظار، في غرف المطرانية المتعددة: يختلي مسؤول مؤسسة عصام فارس، سجيع عطية، دقائق بالنائب السابق كريم الراسي. يبتعد البطريرك خطوتين عن حبيش لـ«يشنغل» خصمه النائب السابق مخايل الضاهر ويسيران معاً. فيما حافظ عضو كتلة المستقبل النائب خالد زهرمان بابتسامته اللطيفة على مكانه إلى يمين البطريرك، كيفما تحرك الأخير، حتى ظنه أحد الصحافيين مطراناً في ثياب مدنية.
إلى دائرة الأوقاف الإسلامية في حلبا، ها هو رئيسها الشيخ مالك جديدة يعلن: كنا وسنبقى معاً تحت مظلة العيش الواحد. فيرد الراعي: فليكن ربيعنا ربيعاً حقيقياً بعيداً عن العنف والحرب والدمار. أما في بينو، التي ينحدر منها نائب رئيس مجلس النواب السابق عصام فارس، فقد أعدّ المنظّمون، بلا مزاح، أغنية للراعي، وأخرى لفارس يقول مطلعها: «عصاميّ اسمه عصام». وبلا مزاح أيضاً، ثمة رئيس بلدية يرقص عفوياً على هذه الأغنية، فيما تلوّح سيدة بعلم لبناني. وقد شهد منزل فارس الذي يمثل آخر قاعة يمكن لمختلف العكاريين التلاقي فيها، مبارزة جدية بين البطريرك الماروني والمطران الأرثوذكسي، عنوانه: من يشيد بفارس أكثر.

المصدر: صحيفة الاخبار اللبنانية

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.